عندما إعتدت رؤوس المشجعين على هراوات الدرك.. والاعلام الأردني لم يسمع بسحب الجنسيات

حجم الخط
0

بسام بدارين

مرة أخرى لسوء حظ الفضائية الأردنية اليتيمة شاء ان توجد كاميرا الجزيرة في عين الحدث، فقد سمح شراء الجزيرة الرياضية لحقوق نقل مباريات كرة القدم في الدوري الأردني للمحطة القطرية بتسجيل وتوثيق المعركة التي حصلت على المدرجات، ما بين هراوات حراس الدرك ورؤوس عشرات من مشجعي فريق الوحدات… ولولا ان الجزيرة كانت هناك لانتهى الأمر برمته ببيان مقتضب للناطق الرسمي تحدث فيه على الطريقة العربية عن وقوع ‘بعض الإصابات’ في صفوف قوات الدرك أولا وبعض المشجعين ثانيا، بعد ان تقصد الجمهور النزق ‘لطم’ هراوات الحراس والاحتكاك بها بطريقة استفزازية. لكن احتكار الجزيرة للمباراة فوت على الإعلام الرسمي فرصة هذا التقليد المحبب لكل من ينطق باسم حكومة يوما، وبعد غرق تلفزيون الحكومة بالسبات العميق انتفض القوم، وعلى رأسهم المديرة الجديدة ويفترض انها إعلامية متخصصة بالعلاقات الدولية وخارجة للتو من القصر الملكي، لتقديم وجبات متأخرة عن حدث حصل بالأمس وطاف بكل الدنيا من دون أن يلاحظه لأسباب غامضة الإعلام الرسمي الأردني.

عموما أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي، فأحداث العنف وقعت الساعة السابعة مساء الجمعة، والخبر أعلن عنه تلفزيون الحكومة مساء السبت على نشرته الرئيسية الساعة الثامنة مساء، وهو توقيت جيد بكل الأحوال تضمن تعليقا طويلا للناطق الرسمي باسم الحكومة وتعليقا إضافيا لعضو في مجلس النواب. أحد ضيوف التلفزيون قدم خطبة عصماء لصالح الوحدة الوطنية وطالب جماهير فريق الوحدات بالتعقل، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن أهمية تحقيق مستقل وجذري تعلن نتائجه للجمهور مع معاقبة المسؤولين عما حدث.

من الواضح ان العبارة الأخيرة للضيف لم تعجب مديرة التلفزيون التي رفضت منح الرجل إقرارا بقوله كلاما عقلانيا وإيجابيا لإنها تفترض ان يدين المشجعين المصابين ويدافع فقط عن الرواية الرسمية المنقوصة، لكن الرجل وهو حاد الذكاء ومخضرم قال لها باختصار: كيف أقنع الناس بالهدوء إذا كنت تريدين مني ترديد ما تقوله الحكومة فقط؟!… ملاحظة علمية وبمكانها لكن المهم في المسألة ان الجميع في البلاد انشغل بسؤالين: كيف نحمي الوحدة الوطنية ونحتوي الأضرار؟ وما الذي يجعل محطة الجزيرة حصريا ـ ومن دون خلق الله – موجودة في عين المكان، كلما حصلت مشكلة في الأردن؟ ولماذا فقط الجزيرة ‘شغالة فينا’ كما سأل أحد الوزراء؟

عندما ضربت قوات الدرك ناشطين نقابيين سجلت الجزيرة، وكذلك عندما قمع اعتصام امام السفارة الإسرائيلية في عمان.. وقتها حصل موقف طريف… خبراء الأمن كانوا يدققون بكل الكاميرات ولديهم تعليمات حصرية بإعاقة كاميرا الجزيرة.. بحثوا عن علامة المحطة القطرية بين حشود المعتصمين ولم يجدوها وكانت الفرصة مواتية لضرب مراسل المحطة ياسر أبو هلاله الحاضر بدون كاميرا… ضرب الرجل ولم تكن في الموقع أي كاميرا من أي نوع وبعد دقائق صدم الجميع بمشهد الضرب تبثه الجزيرة وتبين بعد التدقيق ان كاميرا الجزيرة استقرت قبل ساعات من الحدث على سطح بعيد نسبيا ووثقت بعيدا عن الميدان وأرض المعركة. طبعا كلفة المشهد كانت قاسية وتطلبت دلالا غير معتاد لمراسل المحطة واعتذارات من اعلى المستويات وشكلت لجنة تحقيق لم يسمع منها أحد حتى اللحظة.

الفيصلي والوحدات ومن الواضح هنا أن أحداث مباريات الفيصلي والوحدات لا زالت تثير شهية الإعلام والساسة لطرح الملف المسكوت عنه وهو الوحدة الوطنية، والمفارقة الغرائبية على حد تعبير صديقنا جميل النمري، ان كل الفضائيات العربية بما فيها بي.

بي.

سي العربي والجزيرة والمستقبل وغيرها تهتم بين الحين والآخر بقصص وحكايات سحب الجنسيات وشغب الملاعب وهتافات المشجعين المتطرفة إلا شاشة التلفزيون الرسمي الأردني وحدها قررت ومع سابق إصرار وترصد ان كل هذا العرس عند الجيران. حتى المحطات الإذاعية تثير تساؤلات هنا وهناك بين الحين والآخر باستثناء الإذاعة الأردنية، والأغرب ان هذا الصمت المريب في مرئي ومسموع الحكومة عن القضايا التي تحصل داخل المجتمع الأردني لا يتأثر بنوعية ولا كمية ولا هوية المديرين الذين تناط بهم مسؤولية الإدارة، فقد قاد مؤسسات المرئي والمسموع محافظون وإصلاحيون وليبراليون ومنفتحون ومنغلقون وأساتذة جامعيون ثم مناضلون سابقون وأثرياء وحراثون، لكن النتيجة نفسها دوما لا جديد إطلاقا على صعيد مناقشة القضايا المحلية الأساسية، والشاشة والأثير مخصصان وطنيا لشتم من ‘يتربصون بالبلاد’ وملفاتها الساخنة أو التشكيك بهم.

معجون أسنان فضائي يمكنك ببساطة اكتشاف متعة الخطاب الديني والوطني عند الإصغاء للغزو الحاصل لبيتك وأطفالك تحت عنوان فضائيات الأطفال، التي تتقصد في ما يبدو وضع الماكياج الديني، وفي الكثير من الأحيان الوطني.. أكثر ما يثير دهشتي قدرة هذه المبادرات الفضائية على الانتقال فجأة من دائرة المنتج الإعلامي إلى دائرة المنتج الاستهلاكي التجاري… تخيلوا مثلا فواصل الدعاية كما ترد في إحدى فضائيات الأطفال الشهيرة فبعد التمتع بوجبة وطنية وقومية على شكل أنشودة للأطفال عن المسجد الأقصى الأسير يطل عليك إعلان تلفازي بائس يطالبك بشراء ‘معجون أسنان’ جديد في الأسواق يحمي اللثة ويحارب التسوس كالعادة وعلامته التجارية ماركة مسجلة باسم نفس المحطة الفضائية… وتخيلوا معي هنا ان تفاجئنا محطة سي إن إن الشهيرة بمعجون أسنان يغرق الأسواق ويستفيد من اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة مع العالم الثالث ويحمل اسم المحطة الأمريكية الأهم في العالم أو زيارة الأسواق لشراء أقراص بعوض ماركة الحرة او شفرات حلاقة ماركة الجزيرة او فرشة طبية ماركة المنار مثلا ولاستقطاب القوة الشرائية العراقية يمكن الإعلان عن أحمر شفاه ماركة ‘العراقية’. .. في فاصل دعائي آخر يمكنك تجريب بسكويت المحطة أو لعبة سلكية سخيفة جدا مصنعة ومستوردة لصالح المحطة وتحمل اسمها وآخر صرعة في منتجات الفضاء هذه هي لعبة الصبايا، وهي عبارة عن حبل قصير مع حلقة معدنية توضع في رجل ثم تقفز حولها الرجل الأخرى بطريقة طائر الحجل وبشكل مضحك في الواقع.

ذلك يختلف بطبيعة الحال عن ‘عبوة الصبايا’ التي ترد عنها فواصل دعائية في كل محطات الخليج بحيث غرقت أسواق مدينة العقبة الأردنية المفتوحة فيها لإن كل صبية أردنية وعلى الأغلب عربية مارست ضغطا على عائلتها لإحضار مثل هذه العبوة.

في محطات مسموعة أخرى يمكنك الاستماع لعدة برامج تتحدث عن كتاب محدد مع خاتمة مختصرة دوما تقول: عزيزي المستمع يمكنك شراء نسخة من هذا الكتاب المهم من الاماكن التالية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية