حكمة أمي

حجم الخط
0

مازالت شمس آب الصباحية تناضل لبسط سيطرتها على الأرض، دجاجات أمي تتكوم في زاوية ظليلة وتفتح مناقيرها لاهثة وتتململ بين الحين والآخر محدثة أصواتا أقرب إلى الأنين، لا يعرفه إلا من عاشر الدجاج وعاش في بيئته، حتى الديك المتغطرس تهدل عرفه القاني وأصبح باهتا، وارتخى جناحاه واكتفى بمراقبة القطيع عن بعد وتراجعت رغباته في السيطرة وغرائزه عن الاستعراض، آب يودع ولكن بحرارة لم نعهدها من قبل، لذلك تقلص برنامج أمي في التحضير لسفري القسري، بدأت بملابسي فوضعتها في الصرة بعناية ثم ربطتها بإحكام ونظرت نحوي ووضعتها في زاوية قريبة من الباب، وكأنها تقول لي هذه أول حاجاتك أصبحت جاهزة، فهي كما عودتني تتفاهم معي بالنظرات وتوجه النصائح بالنظرات، وتزجر بالنظرات وتقبلني بالنظرات مع ابتسامة فاترة ولكنها مقارنة بصمتها وحزنها وحزمها أكثر الابتسامات تعبيرا وإشراقا. لم تتعود الكلام الكثير تتكلم فقط عندما يبدي أحدنا غباء في فهم نظراتها.

انتقلت بعد ذلك إلى (الحوش) وفرشت بساطا قديما من الصوف وأحضرت الغربال وقليلا من البرغل وبدأت تهز الغربال وتنفخ لإبعاد الشوائب ثم تعيد الكرة مرات ومرات، كانت دجاجات أمي ما تزال قابعة في زاويتها، حيث حاولت الفراخ الشابة انتهاز الفرصة كعادتها لالتقاط ما يتاح لها من البرغل المتطاير، وكانت أمي بحركة تلقائية من يدها تنهر الفراخ، حتى الدجاج تعاملت معه بالحركات والنظرات، كانت تجلس على البساط الصوفي القديم ووجهها نحو البيت الذي تعمد بانيه قبل مئة عام أن يستثمر كل حجر فيه فأحدث بيوتا للحمام إكراما لجدي وجدتي، وها هي أمي اليوم تستكمل استثمار جديّ فتربي فيه الحمام الذي تبيع منه أحيانا لسد حاجاتي وطلباتي، وقلما تغامر بمأدبة لنا من حمامها الأثير فهي تعرف تماما دخلها وميزانيتها أكثر من كل وزراء الاقتصاد العرب، فكانت لها خططها ومحاذيرها بحيث لم تعرضنا يوما لأزمة وكانت دائما جاهزة للأزمات صيفا وشتاء. كنت في هذه الأثناء أجلس قبالتها وأقرأ تفكيرها، ظهري إلى الحمام ووجهي نحو الغربال والبرغل، وعلى يساري الدجاج الذي أنهكه القيظ وأدرك جدية أمي في عدم السماح له باختراق منطقة نفوذها. كانت في هذه الاثناء تهز الغربال وتنفخ وتنظر إلي بحزم وإشفاق، ولكنها طوال الوقت ظلت على حزمها. كنت أتمنى أن تقول لي كلمة تشجيع واحدة وأنا ذاهب إلى المجهول طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. المدينة قريبة بمعيار هذا الزمن، ولكنها في ذلك الوقت كانت آخر العالم بالنسبة لطفل لم يغادر القرية في حياته، ماذا لو أن في القرية مدرسة إعدادية وثانوية كنت سأتجنب هذه الغربة المبكرة والمغامرة المؤلمة، كانت امي تقرأ أفكاري في هذه اللحظات تنظر إلى وجهي الممتقع وتنفخ في الغربال وتعيد الكرة حتى حضرت كمية من البرغل النظيف قدرت انه جزء من المؤونة التي تعدها لغربتي، لقد قرأتني جيدا وقرأت خوفي وترددي وأدركت باعتبارها مديرا عاما لحياتي أن اللحظة حاسمة لا تقبل التراخي والتردد، أرادت لابنها اليتيم ما لم يرده أحد من أهل القرية من الأخوال والأعمام. كانت تتحدى بي الناس كلها، وخشيت في لحظة من اللحظات أن تضعف وتجنبني هذه المغامرة، وربما فكرت بي كيف سآكل وكيف سأنام وكيف سأستيقظ وكيف سأتابع دروسي وماذا ينتظرني من مصاعب ومفاجآت، وكيف سأنام وحدي في غرفة صغيرة بعد سنة سيضرب رأسي في سقفها، فكرت في كل ذلك بالتأكيد، ولكنها اتخذت القرار واستكملت الإجراءات، وها هو البرغل في كيس قماشي أبيض يستلقي بجانب صرة الملابس. عادت إلى البساط الصوفي وجلست ونظرت إلي نظرة طويلة تريد أن تتكلم ولكنها لا تريد أن تضعف وتضيع حلمها الكبير، حلم أرملة قررت ان تصنع من ابنها شيئا تتحدى به الظروف، وتؤكد لنفسها من خلاله أن المستحيل بعيد عن وزارتها، نظرت أطالت النظر في وجهي، أعلم أنها تريد أن تتكلم ولكن الموقف أكبر من الكلمات، تريد بداية مؤثرة للكلام وفجأة نقلت نظرها عني ونظرت نحو بيوت الحمام في أعلى الجدار، ثم قالت لي بحزم: انظر إلى تلك الحمامة داخل بيتها ماذا تفعل بفرخها الصغير؟ قلت وأنا اعرف أن لهذا السؤال ما بعده: إنها تنقره؟ قالت: إنها أمه ومع ذلك تنقره وتبعده عن البيت الذي ولد فيه، هل تعرف لماذا؟ فكرت وبدا لي أني في امتحان شفوي في المدرسة أمام أستاذي خليل الذي كنت أهابه وأحبه، وعلي أن أنجح في الامتحان، قلت لها ربما ظنت أنه ليس ابنها، ابتسمت وبدا أني خيبت ظنها بي وقالت: لا توجد أم لا تعرف ابنها، انه ابنها وأنا متأكدة من ذلك، عرفت أنني لن أتوصل إلى الإجابة، وأرادت التسريع بالدرس، فقالت هذا ابنها ربته وأطعمته وها هو قد طار لأول مرة وعندما عاد طردته، هل تعرف لماذا طردته؟ أدخلتني في امتحان جديد، لم أجب خشيت أن يكون جوابي أكثر غباء من الجواب السابق، فاختصرت الوقت لتستكمل إجراءات سفري وقالت: إنها تقول لفرخها أصبحت رجلا قويا والدليل أنك طرت وعدت فأنت تستطيع الاعتماد على نفسك ولن أسمح لك بالعودة والاعتماد علي مرة أخرى، هل فهمت؟ قالتها وبدت غيمة من الحزن في عينيها، لكنها استعادت حزمها سريعا وكررت هل فهمت؟ قلت: نعم واقسم أني ما فهمت إلا بعد شهر، ولكني حفظت الدرس إلى الآن. د. أحمد عرفات الضاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية