نبيل نايليعلى هامش الندوة الصحافية التي عقدت بمقر سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، خرج علينا قائد القوات البرية للقيادة الأمريكية لأفريقيا ((FRICOM، الجنرال ديفيد هوغ، مشيدا بدور الجيش الجزائري ‘الريادي’ في ما تسميه الإدارة الأمريكية بمعية حلفائها وعملائها ‘مكافحة الإرهاب في المغرب العربي ودول الساحل’، كاشفا عن ‘تقدّم مدهش’ يعكس مدى عمق التنسيق والتعاون في المجالات الأمنية والتخابرية والميدانية بين المؤسسة العسكرية الجزائرية والقيادة الأمريكية لأفريقيا. ولم يزل مادحا ممتنّا حتى قوله إنه: ‘بفضل قيادة القوات المسلّحة الجزائرية والعمل الذي تنجزه في مجال التنسيق والتعاون العسكري والأمني، تحقّق تقدّم مدهش..’. الجنرال ديفيد هوغ ذهب أبعد من تثمين دور رجال القوات المسلّحة الجزائرية ليكشف عمّا هو أعمق وأخطر من مجرّد تنسيق مرحلي أو اضطراري أملته ظروف أمنية أو جيو-ستراتيجية ملحّة، إنه ما سمّاه ‘بالبرنامج السابق والمتفق عليه بين الأفريكوم والجيش الجزائري’. فما طبيعة هذا البرنامج.. وما غاياته؟ ثم وهو الأهم، ما مضاعفاته على استقلالية وسيادية القرار الجزائري أولا، وعلى الأمن القومي العربي والأفريقي عموما؟
للتذكير فحسب، نشير إلى أن القيادة الأمريكية لأفريقيا، هي سادس قيادة، ولدت من رحم تعاليم رامسفيلد الداعي لإنشاء قوات أمريكية للتدخل الإقليمي السريع، جاءت بعد (ورثكوم) لأمريكا الشمالية، و(ساوثكوم) لأمريكا الجنوبية والوسطى، و(أويكوم) لأوروبا وروسيا، و(سنتكوم) للشرقين الأدنى والأوسط وأفغانستان وآسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، و(باكوم) للمحيط الباسيفيكي والصين. تدّعي الولايات المتحدة الأمريكية أن إنشاء هذه القيادة إنما يندرج في إطار تعزيز جهودها ‘لجلب السلام والأمن إلى شعوب أفريقيا وترويج أهدافها المشتركة للتنمية والصحة والتعليم والديمقراطية والنمو الاقتصادي’، كما أبلغنا الرئيس السابق جورج بوش يوم إعلانه عن مولدها رسميا، إلاّ أن الغايات الحقيقية الكامنة، والتي تتخفّى وراء اللغة الخشبية للدبلوماسية الأمريكية، وتتستّر بـ’الدور الرسالي’ الأمريكي لنشر الحضارة ومؤازرة الشعوب، وتتعلّل بالدّواعي الأمنية وفزّاعات ‘الإرهاب’ و’التطرّف’ و’القرصنة’، هي حماية مصالح الإمبراطورية الحيوية والجيو- ستراتيجية المتعددة، بدءا بتأمين واردات النفط، إلى السيطرة على مصادر الطاقة، فوضع اليد على المعابر المائية ذات الأهمية البالغة، فالتصدّي بكل الأساليب والأدوات لكل قوة دولية طامحة لمنافسة أو تهديد الهيمنة الأمريكية. ولا عجب أن ترصد لهذه القيادة موازنات ذات أرقام فلكية، قفزت من 50 مليون دولار سنة 2007، إلى 57.5 مليون دولار سنة 2008، لتبلغ 310 ملايين دولار سنة 2009. لسائل أن يسأل إذا كان لقائد القوات البرية الأمريكية ديفيد هوغ تعليمات بألاّ يعلّق على ما ورد بتسريبات ويكيليكس، بحيث لا يتعرّض لكل ما هو سري للغاية، فماذا لو لم يكن ملجما بمثل هذه الأوامر؟ بخصوص البرنامج العسكري- الأمني الذي تنفّذه القيادة الأمريكية لأفريقيا مع المؤسسة العسكرية الجزائرية، أماط اللثام عن تقدّم ملموس في هذا الإطار وعن تبادل للخبرات وتعاون وثيق بات يؤتي أكله. وكشفه عن ‘برنامج سابق متفق عليه بين الأفريكوم والجيش الجزائري يعمل على تنفيذه’، لا لبس فيه. حين نتحدث عن برنامج لا نقصد بذلك الدعم اللوجستي أو التبادل المعلوماتي أو تسخير الموارد والأجهزة والأقمار الصناعية والمد بالصور والعتاد والعدة، فحسب، إنما يتعدى ذلك لما ورد بإفادة قائد القيادة الأمريكية لمنطقة أفريقيا ذاته، وليام وورد، أمام لجنة القوات المسلّحة بمجلس الشيوخ، الصادرة بتاريخ 9 آذار/مارس 2010، والمترجمة والمنشورة بالموقع الرسمي لأفريكوم، حيث يعدد جملة من البرامج والأنشطة التي تعتزم القيادة الأفريقية القيام بها مع جيوش الشمال الأفريقي ودول الساحل، ومنها الجيش الجزائري، مؤكّدا على: إعادة بناء وهيكلة وتحديث أساليب وطرق أداء قوات من يسمّيهم ‘الشركاء’، تطوير شبكات التواصل والتخابر للتنسيق والتكامل، إنشاء منظومة تبادل معلومات عصية على الاختراق، ضمن خطة ‘مبادرة تبادل المعلومات متعددة القوميات’، برامج التدريب والتعليم العسكري (آيمات)، برامج الاعتراض البحري والاتصالات وتبادل المعلومات الذي انخرطت فيه كل من الجزائر وليبيا والمغرب وتونس في إطار ما سمّاه الجنرال وورد: ‘تمرين خط العنقاء السريع’، برامج مكافحة ‘الإرهاب’، تدريبات قاعدية على العمل في المناطق الصعبة، وتنظيم دعوات تدريب ومحاضرات تعليمية لقوات من الجيش الجزائري بمقر القيادة البرية في إيطاليا، المشاركة في مناورات من المزمع القيام بها سنة 2013، على غرار مناورات ‘الأسد الافريقي2010 ‘، التي شارك فيها جيش المملكة المغربية مع نظيره الأمريكي في منطقتي راس درعة وتارودانت في الجنوب المغربي وفي مدينة القنيطرة. لم يخف ديفيد هوغ محادثاته مع كل من مستشار رئاسة الجمهورية، وقائد القوات البرية اللواء أحسن طافر، ومع الأمين العام لوزارة الدفاع اللواء أحمد صنهاجي، ليؤكّد لنا سعي الولايات المتحدة الى ‘تحسين مستوى التعاون العسكري والأمني بين الولايات المتحدة والجزائر’. فهل تلوح ملامح صفقة ما بين المؤسسة العسكرية الجزائرية ورجالات البنتاغون تغضّ بموجبها الحكومة الجزائرية طرفها عن التغلغل العسكري والأمني الأمريكيين في الشمال الأفريقي ودول الساحل مقابل فتات بعض الامتيازات وصفقات التسلّح؟ هل يكفي التعلّل بـ’بعبع’ قاعدة المغرب الإسلامي والسلفية الجهادية والقرصنة للانخراط في برامج أفريكوم الملغومة وتعليماتها المشبوهة؟ هل تكفي تطمينات ديفيد هوغ المصرّح: ‘ليس لدينا أي قوة عسكرية في الجزائر، ولا ننوي التدخل بأي شكل من الأشكال في منطقة الصحراء والساحل’، ونحن نعلم أن الولايات المتحدة لا تتورّع عن اجتياح الدول وانتهاك الأعراف الدولية والسيادات الوطنية ولو كان ذلك باسم أكذوبة ‘التدخّل الإنساني’؟ من يستغفل هوغ وهو يوهمنا بأن الإدارة الأمريكية تقدّم ‘مساعدات تحت الطلب وحسب احتياجات الدول المعنية’؟ ثم ما هي الدروس التي يريد عسكريو البنتاغون تعلّمها من خبرات الجيش الجزائري؟ أتراها تلك الدروس التي قد تشكّل ذات يوم لن يكون بالبعيد ملف إدانة، كذلك الذي يحاكم به بشير السودان أو أعدم به صدام حسين العراق؟ أليس حريا بدول الشمال الأفريقي والساحل، في مرحلة متعذّر فيها ايجاد قوات درع عربي موحّد يعمل في إطار استراتيجية أمن قومي شاملة، العمل معا من أجل استراتيجيات أمنية ودفاعية مشتركة للتصدّي لكل المشكلات التي تنفذ منها القوى الدولية في شكل استعمار جديد، بدل الاستقواء بجيوش الإمبراطورية التي تحتلّ الخليج العربي وتلتف أخطبوطيا لتضع اليد على ما تبقى من أقطار تتداعى لسقوط مريع؟ وأخيرا، أين كانت الولايات المتحدة الأمريكية وكل هذه القوى المتكالبة، ‘الحريصة جدا’ على أمن واستقرار الجزائر اليوم، أيام شلالات الدم المسفوح في مسلخ الحرب الأهلية؟ لا يزال تحذير مايكل كلار، مؤلّف المخطوط المهم ‘حروب مصادر الطاقة’، من أن التغلغل الأمريكي بأفريقيا سيمثّل فتيلا لاندلاع حروب لا أول لها و لا آخر. المسألة وإن بدا ظاهرها تنسيقا وتعاونا أمنيا وثيقا، يتخفّى وراء أكمة حروب ‘مكافحة الإرهاب’، إلاّ أن الأمر يتجاوز ذلك إلى استراتيجيات الإمبراطورية الكبرى وسعيها المحموم للسيطرة على الموارد الطبيعية وإحكام قبضتها الحديدية على المنافذ المائية والمناطق ذات الأهمية الجيو-ستراتيجية الحيوية. وحين يصبح نفط أفريقيا ‘مصلحة استراتيجية قومية لأمريكا’، كما صرّح مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية والتر كانستينر، وأن أمريكا ستحصل على ربع وارداتها النفطية من أفريقيا كما يكشف تقرير ‘الاتجاهات العالمية 2025’، يفهم كل ذي بصيرة معنى أن تكلّف الإدارة الأمريكية نفسها مشقّة تدريب ودعم الجيش الجزائري وغيره من جيوش المغرب العربي أو دول الساحل الأفريقي. علّمنا التاريخ أن الإدارات الأمريكية لا عهد لها ولا ميثاق سوى مصالحها، وكل الذي يحرّكها أطماعها الإمبريالية، كما علّمنا أيضا أن شهادات ‘حسن السيرة وريادة الأداء’ التي تجود بها الإدارة الأمريكية على من ينهج نهجها ليست مصدر فخر، حتى لا نضيف، وجنرالات الجزائر وباقي الأقاليم العربية ممّن يمدّون أياديهم لمحتلّي العراق وشاهدي زور مذابح فلسطين ومهندسي تفتيت المفتّت من هذه المحميات العربية وصمام أمان بقاء ‘نظام’ رسمي عربي، تحت العناية المركزة، يقايض ما تبقّى من سيادة وكرامة وطنية بأوهام سلطة لا تختلف كثيرا عن تلك التي تملكها حكومة العمالة بالمنطقة ‘الخضراء’ في بغداد السليبة… يوم يستفيق هذا الشعب العربي سينتابه الذهول لهول الصدمة: الإقليمية باعتنا في سوق النخاسة الدولية وفرّطت بالثروة الوطنية وسمسرت بالسيادة لتعيد لنا استعمارا أبشع، تخيل أجدادنا أنّه حمل عصاه ورحل. المليون ونصف المليون شهيد الذين ضرّجوا تراب الجزائر الطاهر بدمائهم الزكية ينتفضون في قبورهم لا يشرفون بإطراء ديفيد هوغ وتثمينه للدور ‘الريادي’ للمؤسسة العسكرية الجزائرية مع جيش إمبراطورية الشر المحض، مغتصبي العراق وأفغانستان واليمن والسودان والصومال ووووو………. ، فهل ينتفض ‘الأحياء’؟’ باحث في الفكر الاستراتيجي ـ جامعة باريس