احمد محمد ابو زيدنظرية الفوضى هي نظرية رياضية فيزيائية تتعلق بالحركة العشوائية التي تنتج اما عن طريق عدم قدرة تحديد الشروط الأولية للحركة او عن طريق الطبيعة الاحتمالية لميكانيكا الكم طبقا لإدوارد لورينز الذي حاول تقديم تفسير عقلاني للمتغيرات الجوية والمناخية في أوائل ستينات القرن العشرين فإن هذه النظرية تحاول أن تتعرف على ‘النظام الكامن’ في هذه ‘العشوائية الظاهرة’، ومحاولة وضع قواعد لدراسة مثل هذه النظم.
تقول نظرية الفوضى بأن كل شيء يظهر على انه فوضوي Chotic وغير منضبط Disorder، هو في الأصل منظم ومنضبط كلياً، وهو مقصود، وليس هناك شيء عشوائي أبداً. وطبقاً لجميس غليك مؤلف كتاب ‘نظرية الفوضى: عالم المتوقع’ الذي ترجمه أحمد مغربي بصورة ممتازة، ونشره لجمهور لغة الضاد دار الساقي وهي خطوة ممتازة تحسب للقائمين على هذه الدار. فإن جوهر نظرية الفوضى يقول بأن ‘ ما يبدو فوضوياً ولا يضبطه شيء في الظاهر هو في الحقيقة امر منظم ومنضبط تماماً. تتحكم به قوانين طبيعية في غاية الصرامة والدقّة، وأن لا وجود لأحداث أو أشياء عشوائية’. كيف يمكن أن تساعدنا هذه النظرية ‘الطبيعية’، يسأل سائل، في تقديم تفسير لظاهرة ‘إجتماعية’ مثل الحياة السياسية المصرية؟ حسناً، أعترف إنني طوال دراستي للعلوم السياسية، وحتى بعد عملي في مجال البحث العلمي، فإني مازلت أجد صعوبة شديدة في فهم وتقديم تفسير علمي (منطقي وعقلاني) للسياسة المصرية – الداخلية والخارجية. ومازلت أجد حياتنا العامة عصية على الفهم. وهو ما جعلني ـ حقيقة ـ أبتعد بقدر الإمكان عن تناول الشأن المصري. خشية على العلم الذي درسته، حيث لم تنجح أي نظرية أو منهج علمي درسته في مساعدتي على فهم السياسة المصرية، من منهج النظم، صنع القرار، المنهج المؤسسي، إلى النظريات البنائية والوظيفية والماركسية… الخ. منذ أن قرأت عن نظرية الفوضى وجدت إنني بالفعل أمسيت قادراً على فهم ديناميكية العملية السياسية في مصر. ومن سيقرأ هذا الكتاب سوف يجد كلمة للناشر تقول بأن هذا الكتاب سوف يغير حياتك ومنظورك للأمور تماماً، وهو الأمر الذي سيحدث مع كل ذي عقل، فهذه الكلمة ليست من قبيل الإعلانات الرخيصة، ولكنها بالفعل حقيقة.
سوف نسرد الأن بعض الحوادث (السياسات الحكومية) التي شهدتها مصر خلال العقد الأول من الألفية الثالثة (2000-2010) التي ستبدو للجميع ـ في الوهلة الأولى غير مترابطة او منتظمة ـ ثم سنحاول بتطبيق مقولات نظرية الفوضى توضيح الانتظام (أو الهدف) الذي يكمن من وراء انتهاج هذه السياسات، مفترضين مبدئياً أن كل هذه السياسات تعمل على تهيئة الأجواء لتولي نجل الرئيس الأصغر (جمال مبارك) للحكم في مصر. والحكم الاول والأخير لعقل ومنطق القراء..1 1 ـ في بداية العام 2000 يترك السيد جمال مبارك عمله في بنك لندن ببريطانيا ويعود لمصر، ويبدأ ظهوره الإعلامي يتزايد. 2 ـ يقوم السيد جمال بالظهور بجانب والده ـ صامتاً ـ في العديد من المراسم والاحتفالات الرسمية. 3 ـ يقوم السيد الرئيس بإرسال نجله (وليس وزير الخارجية) إلى الولايات المتحدة قبيل وبعد قيام حرب احتلال العراق لمقابلة مسؤولين أمريكيين’رفيعي المستوى. 4 ـ يتم إنشاء لجنة تنظيمية عليا في الحزب الوطني الحاكم تسمى ‘لجنة السياسات’ ويتولى رئاستها السيد جمال مبارك، وهدفها تجديد وإصلاح أوضاع الحزب وتحسين أدائه السياسي. 5 ـ يقوم الرئيس مبارك بدعوة المجلس النيابي المصري (مجلسي الشعب والشوري) بدراسة إجراء تعديلات دستورية بخصوص المواد 76 و 77 الخاصة بطريقة وكيفية اختيار رئيس الجمهورية قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية. 6 ـ استمرار الظهور الإعلامي المكثف لنجل الرئيس وربطه بمناسبات قومية سعيدة لدى المصريين كفوز الفريق الوطني لكرة القدم، فوز مصر بميداليات ذهبية في الأولمبيات… الخ. وتعليق صوره بجوار الأبطال المصريين وهو يحتضنهم.7 ـ تحجيم وتقزيم دور ما يعرف في أروقة السياسة المصرية بـ ‘الحرس القديم’ من رجال نظام الرئيس مبارك في عملية إختيار مرشحي الحزب الوطني في الانتخابات التشريعية لعام 2007 مقابل’زيادة دور جمال مبارك والدائرة المحيطة به بصورة كبيرة.8 ـ القضاء على رؤوس المعارضة الوطنية المصرية ورموزها الذين تحدوا مبارك وقاموا بترشيح أنفسهم ضده في الانتخابات الرسمية (إما بالسجن كأيمن نور وأعضاء الأخوان المسلمون، أو التشهير بالبعض الاخر مثل نعمان جمعة وبعده الدكتور البرادعي، وفضيحة التشهير برجال القضاء المصري والكشف بصورة مقصودة عن فضائح بعض القضاة).9 ـ إصرار الرئيس مبارك على’انتهاج سلوك سياسي خارجي داجن ومساير تماماً لركب الولايات المتحدة وإسرائيل. وهو المعروف عنه التحرك في اللحظة الأخيرة لتأكيد الدور المحوري لمصر في الأزمات والصراعات الإقليمية، بالرغم من الحملات الإعلامية الضارية ضده، والرفض الشعبي الشديد لمثل هذا النهج – الذي كان سيحقق له شعبية ومكانة إقليمية ومكاسب سياسية هائلة.10ـ والاهم، هو نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، التي فاز بها الحزب الوطني بحوالي 505 مقاعد من إجمالي 508 هي عدد المقاعد في مجلس الشعب، ومحاربة ومنع إنجاح أي مرشح من خارج الحزب الوطني اللهم إلا ثلاثة مرشحين من ثلاثة أحزاب.
قد يقول البعض، إننا نعرف كل هذا من اليوم الأول، كما ان كل هذه الحوادث لم تكن عشوائية، بل هي موجهة ومقصودة. قد يكون ذلك صحيحا. فالثقافة الشعبية المصرية ثرية وغنية بالاستنتاجات والتوقعات وهو ما يعرف بالفهلوة، أو كما يتداول شعبياً (نعرفها وهي طايرة). ولكننا، كعلماء سياسة، نتعامل مع تصريحات وشروحات وسياسات رسمية. حيث دأب النظام على إلباس هذه السياسات والتحركات مبررات واهية، كمحاربة الفساد، الدعوة للاصلاح، تحجيم حجم الجماعات المحظورة التي تمثل تهديداً على أمن الوطن، والاهم هو الإنكار التام لأي تأويل وإدعاء بأنه يتم في الكواليس الإعداد لتولي جمال مبارك الحكم بعد والده. وأكثر من مارس هذه السياسة هو الرئيس مبارك ذاته، الذي مازال يصر على الغدعاء بان مصر ‘جمهورية’ وليست ‘ملكية’. وبأن مصر ليست سورية أو غيرها.
والان، وباستخدام نظرية الفوضى، سنحاول الكشف عن النظام (الغاية) بين ثنايا هذه الحوادث التي تبدو غير منتظمة وعشوائية. مؤكدين أن هذه الأحداث تظهر وجود نية مؤكدة وسعي حثيث لدى الرئيس مبارك لتوريث الحكم في مصر.
بدأ الرئيس المصري حسني مبارك منذ العام 2000 في تهيئة نجله الأصغر جمال مبارك (45 عاماً) ليكون خليفته في الحكم، على الرغم من ان الدستور المصري ينص على أن منصب الرئيس هو منصب يتم بالانتخاب وليس بالاختيار. حيث بدا الرئيس مبارك في إرسال وتحميل نجله رسائل ومهام دبلوماسية للدول والقوى الكبرى – مثل الولايات المتحدة التي زارها جمال ما يزيد عن خمس مرات بصورة رسمية كما ذكر بوب وودورد والجنرال تومي فرانكس في مذاكرته – ودأب مبارك على استقطاب الولايات المتحدة وإسرائيل – صاحبة التأثير الجبار على القرار السياسي الأمريكي تجاه مصر – من أجل تهيئة قبول جمال مبارك كخليفة لوالده، وذلك عن طريق تدعيم ومساندة السياسات الأمريكية والإسرائيلية – المرفوضة والممقوتة شعبياً وقوميا. وتم إنشاء لجنة عليا داخل الحزب الحاكم ‘الحزب الوطني الديمقراطي’ لتكون بمثابة حضانة ومدرسة لصقل خبرات ومهارات جمال مبارك السياسية. وأخيراً قام الرئيس مبارك في العام 2005 بالدعوة إلى تعديل المادة رقم 76 من الدستور المصري، التي نصت على ان منصب الرئيس يكون بالاقتراع الحر المباشر بين أكثر من مرشح، على ان يحوز المرشح على موافقة أكثر من 65 عضوا من المجالس النيابية المصرية. وهو النص الذي فسره فقهاء الدستور المصري (مثل يحيى الجمل، طارق البشري، فتحي رجب وغيرهم) بانه بداية لترسيخ ترشيح وتسمية جمال مبارك رئيساً لمصر، حيث لا يوجد حزب سياسي مصري يمتلك مثل هذا العدد في البرلمان المصري بغرفتيه. ولأن الحزب الوطني هو الفاعل السياسي الوحيد الذي يمتلك مثل هذه النسبة، وبالتالي فهو الجهة الواحدة القادرة على تسمية واختيار رئيس الجمهورية.
بسبب الحراك السياسي والاجتماعي الذي تشهده مصر، خاصة بعد بزوغ حركات احتجاج سياسي وإجتماعي مثل ‘كفاية’، ‘مايحكومش’ المعارضة لاستمرار حكم مبارك الأب، وتوريث الحكم لمبارك الابن، يمكن القول بأن مشروع التوريث في مصر قد تم تأجيله، ولا نقول تم صرف النظر عنه. والدليل هو تزايد الدور الذي يمارسه جمال مبارك ودائرته المقربة إليه في صياغة السياسات الاقتصادية، وضع أجندة عمل الحزب الوطني، دعوته للاصلاح السياسي والاجتماعي في مصر دون أن يكون له منصب رسمي تخوله صلاحياته لاعلان التصريحات التي تنشرها له الصحف، واخيراً دوره في اختيار المرشحين لخوض الانتخابات التشريعية من أعضاء الحزب الوطني، وهي مهمة كانت تقليدياً من اختصاص ما يعرف برجال مبارك أو ‘الحرس القديم’. أم أهم المؤشرات التي تؤكد ما نقول به من أن المشروع الجمو ملكي في مصر في طريقه للتحقيق هو النتائج وطريقة إدارة النظام المصري للانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي والتي اكتسح فيها الحزب الوطني الحاكم وحصد الاغلبية المطلقة (في عدد المقاعد) داخل مجلس الشعب (لم يحز من إجمالي 508 مقاعد إلا ثلاثة مرشحين من خارج الحزب الوطني الديمقراطي) وهو الأمر الذي نتوقع أن يقوم مبارك بدافع المرض أو دعوته للانزواء والاعتزال إلى دعوة المجلس التشريعي للتصويت على اختيار جمال مبارك كرئيس لمصر. وهو الأمر الذي نراه مرأى العين. فقد دخل مبارك حربه الأخيرة من أجل توريث نجله بكل ما أوتي من قوة. لكن السؤال هنا، كيف سيكون مصير الدولة العربية الكبرى بعد تتويج جمال مبارك على عرش مصر؟ هل ستكون مصر مجرد حلقة في مسلسل التوريث العربي، أم ان الشعب العربي في مصر ستكون له كلمة وموقف مغاير عن بقية الشعوب العربية…. هذا هو السؤال… والمستقبل خير اختبار والتي قد تساعدنا نظرية الفوضى أيضا في توقع نتائجه. ولكن هذا حديث آخر. ‘ كاتب مصري في العلاقات الدولية يقيم في دبي