فيلم ‘نصفي البشع’ عندما توقظ الطفولة النقية نصفنا الجميل

حجم الخط
0

أحمد يوسفلم أكف عن الابتسام أو حتى الضحك بصوت عالٍ وأنا أشاهد فيلم التحريك ‘نصفى البشع’، وهي ترجمة بتصرف لمعنى عنوانه الذي يمكن أن تترجمه أيضا ‘أنا الشنيع’ مثلا، فالمهم أنه يشير إلى جانب شرير من النفس البشرية، وبرغم أن الفيلم موجه أساسا إلى الأطفال، وأن النكات التي يمكن للكبار وحدهم فهمها نكات قليلة متناثرة، على عكس معظم أفلام التحريك الحديثة التي تراعي لأغراض تسويقية وفنية وأحيانا سياسية أن يحتوي فيلم الأطفال على مستوى ثانٍ موجه للكبار، أقول انه برغم ذلك فقد استمتعت بالفيلم تماما، ليس فقط لبساطة حدوتته والمغزى الأخلاقي فيها، وإنما لأن هذه البساطة تخفي براعة درامية حقيقية من صناعه، الذين لا يفهمون كما قد نتصور أن فيلم الأطفال سهل، بل على العكس فإنه ربما يزيد صعوبة في صنعه، فأنت ما تزال تحتاج إلى الحفاظ طوال الوقت على الاستقطاب بين نقيضين، وهذا الاستقطاب هو ما يصنع أي دراما، وفي الوقت ذاته عليك أن تتعامل مع هذا الاستقطاب بقدر هائل من الرهافة التي لا تؤذي مشاعر الأطفال.

تبهرني دائما تلك القدرة على البناء الدرامي في مثل هذه الأفلام، حتى أنه يمكن اعتبارها دروسا أولية لمن يكتبون سيناريوهات، في فترة من أضعف فترات السينما المصرية في فنون الكتابة السينمائية، سواء على مستوى السيناريو أو الحوار. (بالمصادفة شاهدت مؤخرا فيلما أسبانيا بعنوان ‘الزنزانة 211’، من نمط أفلام السجن، ربما عولجت فكرته من قبل في عشرات الأفلام، لكنه بدوره كان نموذجا للكتابة الدرامية، وربما حانت الفرصة لاحقا للكتابة عنه). الغريب أنك تشعر في أحيان كثيرة بأنك في حاجة إلى أن تعيد وتزيد في الحديث عن مقومات أي دراما، لكن هذه الأبجديات أصبحت بالنسبة لنا للأسف الشديد لغة غير مفهومة وغير متداولة، حتى بالنسبة لأسماء كبيرة لم أكن أتصور أنها سوف تتخلى عما تعلمته وأنجزته في الكتابة الدرامية من مختلف الأنواع. هل هو الاستسهال؟ ربما، فكل شيء يباع الآن ما دمت ‘تسلِّك أمورك’، وليس المعيار هو الجودة أبدا، وانظر مثلا إلى ساحة المسلسلات التليفزيونية المصرية لترى أين موقعنا من الدراما، ثرثرة و’رطرطة’ لا تنتهيان، لا فرق في ذلك بين أسماء كانت لامعة أو كتاب فرضوا أنفسهم بالإلحاح أو أشياء أخرى!

في كل كتابة درامية ناضجة عناصر لا بد أن تتوافر: شخصيات ذات أبعاد مختلفة تتراوح بين نقاط الضعف ونقاط القوة، أو بين الخير والشر، ثم توتر أو تقارب أو تباعد بين هذه الشخصيات يتصاعد شيئا فشيئا نحو الذروة قبل أن يأتي الحل، والأهم هو ‘التغيير’، فالعلاقات بين الشخصيات تؤدي إلى إحداث تغير فيها، ربما صار القوي ضعيفا وأصبح الضعيف قويا، وفي تبادل المواقع هذا يأتي في النهاية المغزى من العمل، ليس في شكل نصيحة بليغة أو خطبة عصماء كما يحدث في الأغلب الأعم عندنا، ولكن عندما ترى آثار هذا التغيير على الشخصيات، فتخرج لتكتشف أن ‘الرسالة’ قد تسللت دون وعي منك إلى وجدانك، وذلك بسبب عنصر بالغ الأهمية على الإطلاق لكننا ننساه دائما وهو الإجابة عن السؤال: ما الذي يجعلني أهتم أصلا بما أراه على الشاشة؟ إنه ببساطة التعاطف أو التوحد مع الشخصية الرئيسية، إن الفيلم يجعلني دون تفكير أرى العالم من خلال وجهة نظر هذه الشخصية، لذلك فإن التغير الدرامي الذي يحدث لها يحدث لي في الوقت ذاته. لا تستغرب أن يأتي هذا الحديث المستفيض عن الدراما في سياق مشاهدة فيلم للأطفال مثل ‘نصفي البشع’ أو غيره من عشرات الأفلام الأخرى، فهو في حقيقته حديث ذو شجون يأسى لحال الدراما لدينا، حتى تلك التي يفترض أنها موجهة للجمهور من الكبار، لكنها تتعامل معهم باعتبارهم قطيعا يتلقى في سلبية بلهاء كل ما يلقى إليه من أفلام ومسلسلات. لكن وجه الغرابة بالفعل في فيلم ‘نصفى البشع’ هو أن ‘البطل’ فيه شخص شرير يفخر بأن يصف نفسه بأنه ‘أبشع الأشرار والأوغاد في العالم’، فمن أين يأتي إذن عنصر التوحد أو التعاطف الذي تحدثنا عنه؟ دعنا إذن نبدأ من البداية. البداية لاذعة تماما: نحن في صحراء الجيزة بمصر، بالقرب من الأهرام، وهناك سائحون يقتربون ومعهم طفل مشاغب، يصر على أن يتسلق الهرم الأكبر برغم منع الحراس له، إنه يجري ويفلت منهم ليطير في الهواء كأنه سوف يسقط في هوة سحيقة، لكنه عندما يهبط إلى أسفل حيث يفترض أن الأحجار سوف تقطعه إربا يتلقاه سطح ناعم، لنكتشف الحقيقة المرعبة، لقد تمت سرقة الهرم ولا يوجد مكانه إلا بالون ضخم على هيئته، ومن المؤكد أن وراء الجريمة مجرم بالغ الخطورة قادر على هذا الفعل الخارق.

يحدث هذا المشهد الافتتاحي بدون كلمة حوار واحدة، وهي سمة سوف تسيطر على الفيلم كله الذي يعتمد على تجسيد الموقف الدرامي بالصورة، ولتتأمل المشهد التالي مباشرة والذي نرى فيه البطل: إنه رجل تجاوز منتصف عمره، يدعى جرو (صوت ستيف كاريل) ويمكنك أن ترى في ملامحه وتصرفاته شخصية العجوز ‘النكدي’ الكاره للبشر، إنه في أول ظهور له يرى طفلا يبكي بسبب وقوع ‘الآيس كريم’ منه، فيقترب من الطفل متوددا ويخرج له بالونة صغيرة من جيبه، يصنع منها دمية حيوان بخفة يده، ويعطيها للطفل الذي يتوقف عن البكاء ويبدأ بالشعور بالسعادة، لكن جرو يخرج دبوسا يثقب به البالونة الصغيرة فتنفجر، ويترك الطفل ضاحكا لأنه جعله يشعر بمزيد من التعاسة، فهل هناك بلاغة أكثر من ذلك للتعبير عن كون هذا الرجل وغدا بشعا وشريرا؟ وفي لمسات متتالية سوف يضرب لك الفيلم أمثلة على ما يفعله الشرير في حياتنا اليومية، إنه يستخدم مسدسا لتجميد الناس في أماكنهم ليأخذ مكانهم في مقدمة طابور طويل، وهو يقود سيارته الضخمة بدخانها الكثيف ويتعمد إخافة غيره من السائقين ليفسحوا له الطريق. (وهكذا يستخدم الفيلم لمحات شديدة البساطة ليجسد للمتفرج الطفل والكبير معا التصرفات ‘الشريرة’ التي يجب ألا نقترفها حتى لا نصبح أشرارا!). يعيش هذا الرجل جرو سعيدا بما حققه في مجال البشاعة، وهو قد صنع لنفسه كائنات آلية صفراء صغيرة تدعى ‘مينيون’ تؤدي له كل ما يطلب، وكثيرا ما يقدمه الفيلم وهو يقف وسطها خطيبا مفوها يتحدث عن أنه قد حقق معهم وبهم لقب أبشع الأشرار في العالم، وهم يحيونه بالهتاف الهستيري بما يذكرك بالديماغوجية التي يمكن أن تراها في أنظمة كثيرة من العالم. (أخشى أن أقول إن كل الساسة، حتى في الدول التي تسمي نفسها ديموقراطية، يستخدمون هذه الوسائل ذاتها في كل مكان، لتبقى ‘الجماهير’ مجرد أقزام صغار متشابهين دورهم هو تنفيذ إرادة الزعيم!). مرة أخرى يتأكد عمق الشر في جرو من خلال لمسات مرهفة: هناك ثلاث طفلات تطرقن باب داره في محاولة منهن لبيع الكعك له، إنه ينكر نفسه، ويتحدث كأنه رسالة صوتية (!!) ويصرفهن في غلظة، لكن تلك هي اللحظة التي يقدم لك فيها البناء الدرامي للفيلم شخصياته الجديدة التي سوف يعتمد عليها في وجود الصراع، إنهن تلك الطفلات الشقيقات اللاتي تتفاوت ملامحهن النفسية تبعا لعمر كل واحدة منهن، الكبرى عند سن ما قبل المراهقة، وتدعى مارجو (صوت ميراندا كوسجروف)، وتتسم بالتعقل والحس العملي، والوسطى في السادسة أو السابعة هي إديث (صوت دانا جاير)، مشاغبة جريئة وتتصرف بروح الصبيان، أما الصغيرة أغنيس (صوت إلزي فيشر) فهي البراءة النقية التي تكاد أن تجعل من ضعفها الرقيق قوة آسرة لأي إنسان.

كان من الممكن للفيلم أن يضع هنا طفلا واحدا أو طفلة واحدة، لكنه اختار عنصرا دراميا ناضجا آخر وهو ‘التنويع’، فالبنات الثلاث تنويعات متباينة على الطفولة، ولكل منهن وجه مختلف للبراءة، وهو الأمر الذي سوف يتأكد لك عندما سوف تعرف فورا أنهن يتيمات يقمن في ملجأ للأطفال تديره المرأة غليظة الطباع الآنسة هاتي (صوت كريستين ويج)، التي يبدو واضحا أنها تكره الأطفال وتقوم باستغلالهم لبيع الكعك الذي تصنعه، وتضع في مكتبها صندوقا يحمل اسم ‘صندوق العار’ تهدد بأن تسجن فيه كل من يعصي أوامرها. لا غرابة إذن أن تصلي الفتيات الصغيرات كل ليلة قبل نومهن، ضارعات إلى الله أن يجد لهن من يتبناهن، ويخرجهن من تلك الحياة القاتمة المزرية. هنا سوف تسأل نفسك: ترى هل سوف يجدن تلك الأسرة العطوف؟ وسوف تأتيك الإجابة: إنه أكثر الأشخاص ابتعادا عن القيام بهذه الرسالة، جرو الشرير الذي يكره الأطفال، لكن ما الذي دفعه إلى ذلك؟

عاش جرو طوال حياته وأمامه هدف واحد، هو أن يصبح أكثر الناس شرا في العالم، وسوف يقدم لك الفيلم تبريرا لذلك بما يحقق هدفا مزدوجا، لقد كان جرو في طفولته يرى رواد الفضاء وهم يهبطون على القمر، فيحلم بأن يصنع صاروخا يذهب به إلى القمر، ويصارح بهذا الحلم أمه (صوت جولي أندروز، في دور شديد الطرافة ويختلف عن صورتها النمطية المعروفة)، لكنها تتعامل مع أحلامه بروح اللامبالاة أحيانا والسخرية القاسية في أكثر الأحيان. إننا نرى ذلك في ‘فلاش باكات’ خاطفة، يفسر بها الفيلم عدوانية جرو، لكنه يوصل أيضا رسالة للآباء مؤداها ببساطة ألا ينبغي قمع أحلام الأطفال المشروعة، وبذلك فإن الفيلم يميل إلى تفسير النزوع إلى ارتكاب الشر إلى البيئة والتربية، وينادي بأنه من الممكن علاج ذلك الجانب الشرير من خلال الوعي بتنمية قدرات أطفالنا، ومرة أخرى لا يملك المرء إلا أن يندهش من توجيه هذه الرسالة للآباء في فيلم للأطفال! أما الجانب الآخر من هذا التفسير فهو أنه يجعلنا نتعاطف مع جرو بدلا من أن ننفر منه، ربما لأن بداخل معظم الكبار طفلا حالت الظروف بينه وبين تحقيق أحلامه.

لقد أصبح جرو إذن شريرا ولم يولد شريرا، ومن الممكن إصلاح هذا الشر في نفسه، وذلك هو جوهر الصراع في الفيلم. إن جوهر أزمة جرو الآن هو أنه أصبح عجوزا، وأن هناك جيلا جديدا من الأشرار يستخدم وسائل أكثر براعة، ومن هؤلاء ذلك الشرير الذي سرق الهرم الأكبر، إنه فيكتور (صوت جيسون سيجيل) الذي يقيم في قلعة حصينة ينعم فيها بكل ما هو حديث في مجال التكنولوحيا. يريد جرو أن يستعيد لقب ‘أكبر شرير في العالم’ بالتخطيط لعملية أكبر من سرقة الهرم، إنها سرقة القمر! ومن أجل ذلك يذهب إلى بنك الشر بحثا عن التمويل، وهنا أكثر سخريات الفيلم مرارة، فالبنك يقع داخل بنك عادي كبير، كأن تلك المؤسسات المالية المشروعة ظاهريا تمول أكثر الأعمال شرا، ناهيك عن أن الدخول إلى بنك الشر يتم عبر باب سري سحري يُفتح من قلب دورة المياه! أضف إلى ذلك أيضا أن مدير بنك الشر مستر بيركنز (صوت ويل أرنيت) ليس في حقيقة الأمر سوى والد فيكتور سارق الهرم! سوف يشترط مدير البنك على جرو أن يحصل أولا على جهاز يصدر أشعة تقليص الأحجام، والذي يمكن به تقليص حجم القمر والعودة به إلى الأرض، وعندما يحاول جرو الحصول على الجهاز يختطفه منه فيكتور (سوف نفهم ضمنا أنها مؤامرة مشتركة مع مدير البنك ووالد فيكتور). يقرر جرو أن يتبنى البنات الثلاث لهدف واحد، مساعدته في استعادة جهاز الإشعاع، بأن تذهبن لبيع الكعك إلى فيكتور، بما يتيح لهن دخول قلعته الحصينة، ويتيح لجرو أن يُدخل معهن آلاته الصغيرة التي يوجهها عن بعد لسرقة الجهاز. وبالطبع سوف يتاح للفيلم من خلال هذا المشهد ومشاهد أخرى (مثل اختطاف القمر) تحقيق التشويق والإبهار والإثارة، وبرغم ضرورة مثل هذه المشاهد في الفيلم لجذب الأطفال، فإنها لا تصبح هدفا في حد ذاته (مثلما يحدث عندنا فيما تسمى أفلام ‘الأكشن’)، فالقلب الدرامي النابض للفيلم يظل هو ذلك التغير البطيء في شخصية جرو، الذي بدأ باستغلال الأطفال لهدفه البشع ونيته على إعادتهن إلى الملجأ بعد تنفيذ المهمة، لكنه ينتهي وقد استعاد طفولته المفقودة من خلالهن، وهو الأمر الذي لا يحدث كما قد نتصور وتعلمه لنا غلظة المعالجة في أفلامنا في شكل انقلاب درامي، وإنما هو تغير بالغ الرهافة، يتأرجح بين نعم ولا، ليشق ببطء طريقا نحو العالم النفسي المغلق لجرو، الذي سوف يستيقظ فيه نصفه الطفل بدلا من نصفه الوغد، وسوف يجد في ألعاب الأطفال المثيرة (مثل عربة التزحلق شديدة السرعة في الملاهي) بديلا عن إثارة أفعاله الشريرة.

وإذا كنا نبحث عن بديل لأفلامنا ‘الشريرة’ التي يبدو أن أشخاصا مثل جرو قد شاركوا في صنعها، فربما نتعلم – حتى من أفلام الأطفال جيدة الصنع – كيف نصنع أفلاما ممتعة، مكتملة في عناصرها الدرامية، وواعية بأنها دائما توصل رسالة ما للمتفرج، وهي رسالة سلبية بليدة وربما شريرة في معظم أفلامنا الأخيرة، لأنها أفلام تخاطب نصفنا البشع، وتتجاهل قدرة المتفرج العربي على أن يكون فاعلا إيجابيا ومتحكما في حياته ومصيره، لكن هل تريد السينما المصرية ومن يصنعونها ومن يقفون وراءهم أن نمتلك حقا هذا المصير؟ ولماذا تصر السينما المصرية مؤخرا على أن ترينا وجهها البشع؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية