ثورة بدون ثوار

حجم الخط
0

توفيق رباحي

يبدو أن التلفزيون الجزائري يعدّ لثورة في الأفق. هذا على الأقل ما نُسب لوزير الإعلام ناصر مهل. ونُسب له أيضا في الصحف أن الثورة ستكون سياسية اللون والنوع، أي الانفتاح على النقاشات السياسية التي مُنعت، بدون قرار مكتوب، منذ وصول صاحب الفخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الى الرئاسة في 1999. شارك فخامته في برنامج يتيم كان يقدمه الزميل محسن سليماني، ثم أتى على الأخضر واليابس فكان هذا البرنامج آخر ما شاهد الجزائريون في تلفزيونهم (عفوا تلفزيون حكومتهم). بعده حلت سنوات الشطيح والرديح (ويا ليته شطيح بذوق!). أشير أولا الى أن هذا الوزير هو ذاته الذي اعتذر للجزائريين عن ضحالة البرامج التي قدمها التلفزيون في شهر رمضان، يقصد البرامج الجزائرية.

التلفزيون الجزائري مشلول تماما ومن كل النواحي، مضمونا وشكلا. والعيب ليس في العاملين به حتى لا يساء فهم أو تفسير هذا الكلام. من حيث المضمون لم يبق فيه ما يستحق المشاهدة. ومن حيث الشكل أنا مقتنع بأن أي مجموعة من الشبان الهواة ممكن أن يقدّموا تلفزيونا أفضل من التلفزيون الحكومي بالجزائر. لكن، وبما أن الجزائريين ونخبهم الإعلامية والثقافية مدمنو سياسة، ككل شعوب المنطقة، فهم لا يقيسون نجاح أو فشل تلفزيونهم إلا بما يتسرب منه من سياسة ونسائم حرية وآراء غير رسمية. ومن هذه الناحية، أستطيع القول إن علامة التلفزيون الجزائري هي صفر على عشرة، لأنه مقفل في وجه الجزائريين، ليس فيه غير أخبار الرئيس وحكومته ثم حفلات غناء مبتذل ومنحط (هذا ما نشاهده في الفضائيتين الجزائريين ونحن في الخارج). أبلغ الوزير مهل صحافيين جزائريين، بحسب ما نقلت عنه بعض الصحف، أن التلفزيون يعكف على إعداد برامج سياسية وحوارية تسحب البساط من تحت أقدام الآخرين. وقال ما معناه: لماذا نترك الآخرين يقولون عنا ما نستطيع نحن قوله عن أنفسنا؟

لكنه سرعان ما استدرك مشككا في وجود صحافيين أكفاء قادرين على إدارة نقاشات سياسية تنافس ما يجري في المحطات العربية الكبرى (وحتى المتوسطة) وتلبي فضول ومتطلبات الجمهور الجزائري. هذا الجمهور الذي بلغ به العطش التلفزيوني حد التهليل لتحقيقات اجتماعية (انقطاع الكهرباء أو حفر في الطريق العام..) مبتورة وتفتقد لأبسط قواعد المهنة، لمجرد أنه يجد فيها نفسه، وأنها تخرجه من الملل المألوف.

لم توضح الصحف (أو لم أفهم أنا) هل قصد الوزير عدم وجود صحافيين بالتلفزيون يديرون النقاشات أم صحافيين في المؤسسات الأخرى يشاركون بهذه النقاشات. في الحالتين هناك كلام يجب أن يقال.

مع الاحترام الواجب لزملاء المهنة، أسمح لنفسي بالقول إن الوزير محق الى حد بعيد. فحالة التلفزيون أبلغ من أي كلام. وحالة ومستوى كثير من الصحافيين والناشرين الجزائريين تشرحه حالة ومستوى ما ينشر في الصحف اليومية (يسميها البعض صحافة ذبح ونكح). ويشرحه البؤس المادي والذهني الذي وصل إليه قطاع واسع من الصحافيين الجزائريين. وهي حالة يقر بها ويلعنها العاملون بالصحافة الجزائرية قبل غيرهم.. ما أن تلتقي أحدهم حتى يسمعك من القصص والوقائع ما يدفع بك الى القنوط.

هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى يجب القول إن أغلب الصحافيين الجزائريين الذين يمكن أن يفيدوا بنقاشات تلفزيونية سياسية أو فكرية، مهمشون بشكل أو بآخر. والأهم أنهم معارضون لنظام الحكم، سرا أو جهرا، لا يهم. واقع الحال أنك عندما تقرر أن تكون صحافيا في الجزائر، تبدأ خجولا وهشّا ومرتبكا، لكن ما أن تبلغ سن الرشد المهني والفكري، حتى تجد نفسك مختلفا مع نظام الحكم أو معارضا له. بالحد الأدنى من النزاهة الذاتية تجد من الصعب أن تبقى قريبا منه وأنت ترى منه كل تلك الموبقات والكبائر. وفوق ذلك نجح هذا الحكم في جعل الصحافيين خصومه المفضلين يناصبهم العداء بسبب وبدون سبب. وقد وصفهم فخامته يوما بـ’طيابات الحمّام’، وهو موقف سيحفظه التاريخ. لكن في حقيقة الأمر، ما قاله الوزير عن الصحافيين هو الوجه الأول للقطعة النقدية. الوجه الآخر هو هل هناك سياسيون ومسؤولون قادرون على انتاج أفكار وتسويقها في برامج تشد المشاهد الجزائري وتجعله حقا يدير ظهره للقنوات التلفزية غير الجزائرية؟

مرة أخرى، مع الاحترام الواجب لجهود ومحاولات بعض السياسيين والحزبيين، واقع السياسة والسياسيين يشرحه خمول أصاب الجميع وشلّ البلد. وهذه وضعية كل الناس مسؤولون عنها ويتحملون قسطا من المسؤولية فيها، السلطة في المقدمة ثم المسؤولون الحزبيون فالإعلاميون.

قبل نحو شهر كتب الزميل محمد يعقوبي، رئيس تحرير صحيفة ‘الشروق’ متحسرا على ما وصل إليه العمل السياسي (الحزبي بالذات) في الجزائر، مبديا غيرة مما يشاهد من حراك حزبي وشعبي في مصر والمغرب.

ما قاله يعقوبي يعبّر عنه جزائريون آخرون بالتباهي بكون الجزائر سبقت الآخرين بعشرين عاما في الانفتاح الإعلامي والتلفزيوني (والآن تأخرت عنهم أربعين عاما). حال هؤلاء يشبه أولئك الرياضيين الذين ما زالوا يعيشون على أمجاد مشاركة الجزائر في كأس العالم سنة 1982 باسبانيا!

أعتقد أن السؤال الأهم لم يعد في التلفزيون الجزائري وهل يُفتح للناس أم يبقى في خدمة صاحب الفخامة وحكومته. ذلك أن هذا التلفزيون تأخر، أو بعبارة أدق، هذه السلطة أخرّته زمنا طويلا يصعب استدراكه، وهمّشته و’تفّهته’ حتى أصبح من شبه المستحيل ‘إعادة ادماجه’. وذلك أيضا أن طموحات وتطلعات وآمال وآلام الجزائريين نمت وكبرت وكثرت وتغيرت بحيث أصبح مستحيلا أن تستوعبها قناة تلفزيونية واحدة مهما بذلت من جهود وصدقت من نوايا. وعليه إذا كان الجزائريون يطالبون بفتح التلفزيون الموجود، كاتب هذه السطور يحلم بتجاوز الموجود الى محطات تلفزية أخرى مثل كل الناس والأمم. لكن هل لدى هذه السلطة، وبالتحديد صاحب الفخامة، أدنى استعداد للقبول بوجود قنوات تلفزية أخرى غير القناة الحكومية الحالية؟

الجواب هو لا. وقد سئل فخامته ووزراؤه غير مرة فقالوا جميعا: لم يحن الوقت بعد!

وهذا جواب من لا جواب له أو لا حجة يقنع بها الآخرين. لهذا قلت أحلم ولم أستعمل كلمة أخرى. ولهذا أقول إن الثورة الموعودة سينسحب عنها القول الانكليزي: Too lile too lte. وأضيف أنها ستكون ثورة ـ إن حدثت ـ بدون ثوار، حسب ما جزم به الوزير. Next plese (مرة أخرى)ـ الكويت أقفلت مكتب ‘الجزيرة’ وسحبت اعتماد العاملين به.. يا مرحى يا مرحى! يوم 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وإثر قرار الحكومة المغربية المماثل، كتبت بهذا المـكان:Next plese! نفس العبارة أكررها اليوم وأنا أشم في الهواء أن المرة المقبلة ستكون في ليبيا. كنت أتوقع أن تفعلها طرابلس بعد الرباط، وإذا بالكويت هي السباقة للخير. مبروك.

كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية