حرائق حيفا وهشاشة الكيان الصهيوني

حجم الخط
0

أصيبت القيادة الإسرائيلية بالهلع عندما اشتعلت النيران بمئات الدونمات من الغابات والأشجار الحرجية في منطقة الكرمل الحيفاوية، ولشدة الخسائر قالت صحيفة ‘هآرتس’ الإسرائيلية إن تلك الحرائق أعادت إلى أذهان الإسرائيليين ذكريات حرب أكتوبر 1973، بسبب الدمار الهائل الذي أحدثته النيران التي امتدت على مساحة آلاف الدونمات، مما أسفر عن مقتل نحو خمسين شخصاً وإصابة العشرات وإخلاء الآلاف من السكان من المنطقة ومقتل أعداد كبيرة من الحيوانات، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية ضخمة لم يتحدد حجمها بعد، وتبين أن حافلة كانت تنقل خمسين سجّانًا إسرائيلياً متجهين إلى سجن الدامون لإخلاء أسرى فلسطينيين منه، وقد صعد إلى الحافلة عدد من (المواطنين) الذين لم يتمكنوا من مغادرة المنطقة بسبب النيران التي أحاطت بهم،’وفي الطريق حاصرت النيران الحافلة، فحاول السائق الهرب منها، ما أدّى إلى انقلابها واحتراقها. وقالت الاذاعة الاسرائيلية ‘هذا الحريق لم يسبق له مثيل في السنوات الاخيرة’، واعتبر رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أن حرائق الكرمل ‘كارثة منقطعة النظير’ ووصف نتنياهو مقتل السجانين الإسرائيليين بأنه ‘فاجعة كبرى’ وأعرب الرئيس الصهيوني شمعون بيريز عن ‘التضامن مع افراد المطافئ والصلاة لأجل سلامتهم’. لقد أضافت هذه الحرائق سبباً آخر لأسباب زوال إسرائيل الموضوعية، فبالإضافة إلى عوامل كثيرة ترسم نهاية إسرائيل الوشيكة مثل زيادة عدد النازحين لخارج إسرائيل وتناقص المهاجرين إليها وانهيار نظرية الإجماع الوطني وفشل تحديد ماهية الدولة اليهودية وعدم يقين الصهاينة من مستقبلهم في دولتهم التي أنشأوها وعزوف الشباب الصهاينة عن الخدمة العسكرية وعدم قدرة الصهاينة على القضاء على السكان الأصليين بالقتل أو بالترحيل القسري وتحول إسرائيل إلى عبء على الإستراتيجية الأمريكية واستمرار المقاومة الفلسطينية بشتى أشكالها، وإن كانت تمر بمرحلة ضعف حالياً، ولأن إسرائيل أصلاُ مشروع استعماري مكلف مادياً وبشرياً مما يجعله مشروعاً فاشلاً، فهو قائم على المساعدات الغربية ومنها الأمريكية على وجه الخصوص، ومن مؤشرات زوال إسرائيل عدم استقلالها اقتصاديا وعدم إمكانية عيشها من دون الدعم الغربي، ومنها التفاوت السكاني بين العرب واليهود، والتمييز العنصري حتى بين اليهود أنفسهم، وغير ذلك، لقد برهنت هذه الحرائق على هشاشة الكيان الصهيوني القائم على حصر الاهتمام بالشأن العسكري بالدرجة الأولى وبالشأن السياسي القائم على نسج المؤامرات لإضعاف الصف العربي والإسلامي، فقد برر مسؤولون في أجهزة الإطفاء والإسعاف الصهيونية إخفاقهم في السيطرة على الحرائق، بالقول إن ‘الجبهة الداخلية كانت متحضرة ومهيأة لكل الاحتمالات في الحرب والسلم، لكنها لم تكن مجهزة لحوادث مثل هذا الحادث’، ويُذكر ان كافة القطعات العسكرية وما يعرف بالدفاع المدني تدخلت لتطويق الحريق بما فيها الجيش وحرس الحدود والشرطة من دون أن تفلح في السيطرة على الحريق، وأشارت صحيفة ‘هآرتس’ إلى أن الحرائق كشفت النقاب عن عدم استعداد قوات الإنقاذ لمواجهة أية كوارث كبرى، مؤكدة أن إسرائيل بدت غير مستعدة لحرب أو لهجمات إرهابية كبيرة، وذلك يعني إمكانية وقوع العديد من الإصابات بين المدنيين، وقالت الصحيفة الصهيونية: وفي تلك الظروف فإنه من الأفضل لإسرائيل عدم الدخول في حرب مع إيران، التي ستقوم بإطلاق آلاف الصواريخ على تل أبيب، وقد كشفت حرب لبنان أصلاً عن مدى ضعف جهاز الدفاع المدني الإسرائيلي، وبمجرد أن وضعت تلك الحرب أوزارها شرع الخبراء في كتابة التقارير عن كيفية تطوير جهاز الدفاع المدني، وبدأت إسرائيل في إجراء تدريبات غير أن كل شيء انهار بعد الحريق الذي شب في منطقة جبل الكرمل، التي عانت كثيراً من صواريخ ‘حزب الله’ خلال الحرب اللبنانية. فإذا كانت هذه الحرائق قد جعلت اسرائيل تطلب مساعدة ست عشرة دولة لإطفاء الحرائق، فكم ستحتاج إسرائيل للمساعدة في حال حصول حرب صادقة وحقيقية وواسعة إذا ما وقعت وعادت أمور العرب إلى نصابها وأيقنوا أن إسرائيل في النهاية كيان يجب محاربته؟! لقد سارع عدد من الدول القائمة في العالم الإسلامي ومنه العربي إلى جانب السلطة الفلسطينية بتقديم المساعدات العاجلة، فيما لم يشهد قطاع غزة حجم هذه المساعدات وبهذه السرعة عندما شنت الدولة الصهيونية حرباً شرسة على سكان قطاع غزة أواخر 2008 بالقنابل الفسفورية والحارقة، التي حرقت الأخضر واليابس، والمدهش أن تركيا سارعت بتقديم النجدة من خلال إرسال طائرتي إطفاء، مما جعل نتنياهو يخص رئيس وزرائها أردوغان بالشكر، وبحسب تقارير إسرائيلية فإن إسرائيل لم تطلب المساعدة من تركيا، إلا أن الأخيرة عرضت إرسال طائرتين، وهذا يجعلنا نتساءل عن صحة صعوبة العلاقات وتوتراتها بين تركيا والكيان الصهيوني، فهل الأمر مجرد نجدة إنسانية؟ أم خطوة دبلوماسية لتحسين العلاقات المتأزمة؟

صحيح أن (إسرائيل) ستأخذ العبر والدروس من هذا الحادث، وستعزز قدراتها في مواجهة مثل هذه الكوارث الطبيعية، ولكننا نتساءل: هل يستطيع هذا الكيان مواجهة فيضانات بحجم فيضانات باكستان الأخيرة التي ذهب ضحيتها الآلاف من الأشخاص؟ إن إسرائيل ستبقى موصلة بالحبل السري الإمريكي، حبل المساعدات والتي بدونها لن تستمر إسرائيل بالتنفس الطبيعي، وهذا يذكرنا بعزم نتنياهو أن يقلل تعلق إسرائيل بالمساعدة الأمريكية بنسبة 20′ بإلغاء المساعدة الاقتصادية التي ـ برأيه ـ لم يعد لها مسوغ. فقرر سنة 1998 تقليص المساعدة الاقتصادية الأمريكية بمقدار 120 مليون دولار في السنة، كان نتنياهو يأمل أن ينتهي الاعتماد على المساعدات الأمريكية سنة 2008، وعندها لن تحصل إسرائيل بعد على مساعدة اقتصادية بل ستكتفي بمساعدة عسكرية فقط بمقدار 2.4 مليار دولار. ولحاجتها للمساعدات؛ لم يمض كثير وقت حتى جاء وفد إسرائيلي إلى واشنطن وفي جعبته طلب أن يُزاد بالتدريج مبلغ المساعدة السنوية (50 مليون دولار في كل سنة لمدة عشر سنين) حتى يبلغ 2.9 مليار دولار، وأن تُعاد بذلك إلي الوراء مسيرة الاعتماد على المساعدات، وعلى ذلك فستبقى إسرائيل تحت رحمة المساعدات الأمريكية، وهذا أحد مقاتل هذا المشروع الاستعماري، وعليه فإن الكوارث الطبيعية ستكون عنصراً آخر سيلعب للمسارعة في نهاية إسرائيل.

زياد أحمد سلامة[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية