احمدي نجاد وديبلوماسية ‘النانو تكنولوجي’!

حجم الخط
0

محمد صادق الحسيني لن تجد في قاموسه الديبلوماسي عبارة ‘فن الممكن’ مطلقا بل العكس تماما اذ يكفي ان ترفع عنه غطاء ‘بروتوكولات’ خارجية بلاده المثقلة بـ’الاتيكيت’ والمسكونة بـ’الاعراف’ التقليدية المكبلة للحراك الحر كما يصف كبار مستشاريه وزارة خارجية بلادهم حتى تراه مسافرا على بساط الريح من شرق العالم الى غربه ومن شماله الى جنوبه مقتحما ‘ضوابط’ مستحيل السياسة و’محرماتها’ البروتوكولية! ولو تركته على سجيته لكان غدا صباحا في القاهرة مفتتحا سفارة لبلاده فيها رغم ظلال كامب ديفيد الثقيلة على سكة العلاقات الثنائية بينها وبين طهران، وبعد غد في الرباط مطالبا الجانب المغربي بضرورة العودة عن قرار قطع علاقاتها غير المبرر وغير المنطقي مع بلاده، مطبقا المثل العامي الايراني الشهير ‘هل رأيت الجمل؟ لا ما رأيته’! ولهذا تراه اليوم يكثر من ارسال مبعوثيه الى الدول ذات العلاقات ‘الباردة او المشوشة’ مع بلاده على غير المألوف واضعا زعماء هذه الدول في دائرة الاحراج وتاليا القبول به كما هو واحدا ‘من جنس الناس’ في بلادهم! بهذا الشعار رشح لانتخابات الدورة الاولى، ففاز على كبار اركان في الدولة والنظام، وعلى خطى هذا الشعار مضى في معركة الدورة الثانية فهزم الاحزاب والتكتلات والعائلات و’الكارتلات’ الحكومية وها هو اليوم يمعن في ممارسة هذا الشعار سلوكا يوميا فيطيح بالسفير يوما وبالوزير يوما آخر ولا من مبارز!

لا شيء يفسر طريقة قرار اقالته لوزيره الاهم ورئيس ديبلوماسية بلاده والذي يشكل ‘نصف الحكومة’ حسب تعبير البعض من قراء مطبخ صناعة القرار الايراني، سوى هذه الحماسة المتدفقة التي تسري كالريح العاصفة في روح احمدي نجاد ما جعلته يضيق ذرعا بذلك النصف الصلد من حكومته فيخلعه كما تخلع الريح القوية الاشجار المعمرة!

من الكويت الى عمان الى صنعاء ومنها قد تكون الرياض هي المحطة اللاحقة، ترى ‘خليله المثير للجدل اسفنديار مشائي’ يتحرك فيما بين هذه العواصم وهو يحقق النجاح تلو النجاح حاملا رسائل الدعوة والتطمين الى زعماء بلدان قالت عنهم وثائق ‘ويكيليكس’ بانهم من المحرضين الاساسيين على بلاده، والهدف واحد دوما الا وهو وأد الفتنة في مهدها والعمل عكس اتجاه ريح المؤامرة التي تفوح من اوراق خريف امريكا كما تعبر بعض اوساط نجاد!

لم يسلم احمدي نجاد من النقد اللاذع على طريقة خلعه لوزيره ‘الاول’ حتى من اقرب الناس الى معسكره غير ان لا احد بالمقابل قدم مقاربة حول مضمون او محتوى الخلاف الذي اجبره على الاقدام على مثل هذه الخطوة غير المتعارف عليها ولا المألوفة، ما يبقي الرئيس عمليا ممسكا باليد العليا في هذا السياق ويترك الباب مفتوحا امامه لتغييرات قادمة لا محالة في ظل تسارع وتزاحم تحديات الخارج والداخل على خط سياسة رجل المفاجآت وجامع اضداد المقاربات الشعبية والحكومية!

انها ليست المرة الاولى البتة التي يخرج فيها الرجل على المألوف من ‘اعراف’ ديبلوماسية بلاده المثقلة بـ’الاتيكيت’ فعندما زار دولة الامارات العربية المتحدة مثلا في نهاية دورته الاولى وعقد قمة مع رئيس جارته العربية يومها قامت الدنيا في اروقة اليمين كما اليسار السياسي والديبلوماسي في بلاده ولم تقعد وهي تنتقده على ما سمته حينذاك بـ ‘تسرعه’ وعدم مراعاته ‘الاوزان والاحجام والبروتوكولات’ التي تقتضي زيارة معاكسة كان ينبغي ان يقوم بها الاول للثاني اولا!

الامر نفسه تكرر لدى زيارته لمكة المكرمة وعقده قمته الشهيرة مع الجارة العربية الثانية، وهكذا جرى الامر ايضا عندما قبل دعوة امير قطر للمشاركة في قمة مجلس التعاون الخليجي!

الذين يعرفون احمدي نجاد عن قرب ويعملون معه يقولون ان قراره الاخير باقالة الوزير اللطيف والديبلومسي المحنك والمجرب منوشهر متكي، لم يأت مطلقا على خلفية شخصية ولا حزبية او فئوية بقدر ما هو قرار اريد من ورائه احداث هزة في جسم الوزارة وآلياتها فتم اختيار الرأس، لعل في ذلك عبرة لكل عامل في هذه المؤسسة التي بات يشعر احمدي نجاد بانها اشبه بالعربة التي تتثاقل حركتها كلما اسرع الرئيس ما قد يتطلب تغيير بعض العربات الاخرى ايضا، ذلك ان الآلية المرتقبة لعمل الرأس الجديد قد تكون بالنانو تكنولوجي، على اعتبار ان المرشح الاقوى لخلافة متكي هو رئيس هيئة الطاقة النووية الدكتور علي اكبر صالحي!

مساعدو الرئيس نجاد يستعدون على ما يبدو لحراك ديبلوماسي من نوع جديد لا سيما على الساحة العربية، ويساجل هؤلاء بحماس بان المرحلة المقبلة تتطلب تجاوزا لكل مخلفات العهد الاقليمي المنصرم خاصة تلك التي هي من بقايا بصمات الدسائس والكيد الامريكي، وهو ما يتطلب برأيهم حركة مشاورات مكثفة ومتسارعة بين الطرفين الايراني والعربي لمواجهة مرحلة ما بعد الهروب الامريكي الكبير والذي سيرافقه في الغالب سياسة الارض المحروقة والتي ستعني فيما تعني من الجانب الامريكي حرق الحليف والصديق وليس الخصم والعدو فحسب!

انها ديبلوماسية مواجهة الفتن المتنقلة اذا والتي يعتقد الرئيس ومساعدوه وعدد من رموز الخارجية الايرانية الجدد ان الوقت لن يكون عندها كما كان عليه من قبل ما يتطلب نقلة نوعية في حركة الديبلوماسية العامة لبلادهم ان كان على مستوى مؤسسة وزارة الخارجية او على مستوى البلد ككل!

ديبلوماسية ‘من جنس الناس’ كما يفضل الرئيس نجاد تسميتها يكون شعارها اقتحام الساحات ‘المحرمة’ ديبلوماسيا عند الضرورة والتي تستطيع وحدها على ما يبدو ان تغلب ديبلوماسية زعماء ورموز عصر ‘فن الممكن ‘ المتحكمين بمعادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية!

ديبلوماسية يعتقد نجاد بانها اتت اكلها في المساهمة في صناعة نصر تموزاللبناني وكوانين الفلسطيني وهي في طريقها ان اتقنت هذه المرة ايضا ان تعبر تحديات مرحلة الحصار للسفر الاخير من المشروع النووي الايراني ومؤامرة المحكمة الدولية المخصصة ضد لبنان ومخطط حشر الفلسطيني في دائرة عبثية المفاوضات!

انها وباختصار شديد ديبلوماسية ‘النانو’ الذرية في مواجهة ديبلوماسية الناتو الامريكية الصهيونية التي تريد وقف انطلاق مراكب البحار الخمسة السورية الايرانية التركية العراقية اللبنانية المتجهة الى موانئ حيفا ويافا واللد والرملة وغزة هاشم كما يخطط ربانوها على حد تعبير مقربين من الرئيس!

اللافت والعجيب في ‘لا متعارفات’ احمدي نجاد هو ان الرجل تراه يلجأ الى مثل هذه الخطوة ‘الخطيرة’ في قاموس الاعراف الايرانية الحكومية التقليدية، في نفس الوقت الذي يقود فيه مواجهة غير تقليدية على جبهتين خارجية وداخلية وهما جبهة الحصار الاقتصادي وتحرير اسعار السلع الاساسية ما يعني ان الرجل من جنس ‘النانو تكنولوجي’ فعلا والا لما تمكن من الافلات من شباك مخاصميه بهذه السلاسة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية