ديمقراطية مخيطة بصميل

حجم الخط
0

عندنا باليمن إذا رأينا شيئا تم إنجازه بطريقة غير صحيحة وغريبة بحيث يظهر مشوها ومثيرا للاستعجاب نطلق هذا المثل ‘مخيط بصميل’ والمعروف أن الخياطة تستخدم فيها إبر صغيرة ورقيقة بحيث لا يظهر الخيط ويشوه مظهر القماش أو اللباس الذي تمت خياطته وما أشبه الديمقراطية العربية وخصوصا المصرية بهذا المثل. ديمقراطية مفصلة على مقياس الحزب الحاكم بلا مراقبين ولا مندوبين ولا منظمات مجتمع مدني والأدهى والأمر عندما نسمع أناسا محسوبين على الأحزاب الحاكمة يتحدثون وبكل تبجح أن العملية الانتخابية ديمقراطية وشفافة ونزيهة. وأنا لا أعرف عن أي ديمقراطية أو شفافية أو نزاهة يتحدثون عنها وما هو المقياس الذي اعتمد عليه حتى يطلق هذه الأوصاف الجميلة والمعبرة وذات الدلالة على العملية الهزلية التي يسميها ديمقراطية. هذه المهزلة التي تجري في منطقتنا لا نقدر حتى تسميتها بالديمقراطية المشوهة بل هي أبعد بكثير عن هذه التسمية وهي أسوأ حتى من الديكتاتورية وهي أقرب لأن تكون ديكتاتورية مشوهة لا تحترم حتى أدنى درجات الفهم والمنطق.

هل يعقل أن شعبا يعاني من البطالة والفقر والأمراض يختار كل من تسبب له بهذه الآفات ويتخلى عن أناس كافحوا كثيرا من أجل هؤلاء المساكين وأي ديمقراطية تمنع طرفا من المشاركة فيها لمجرد أن له شعارا لا يرضي الطرف الاخر وما هي الانتخابات إلا شعارات وبرامج فإن وافقت رأي الأغلبية وجب الإذعان لها ومنحها الفرصة وإن كانت هذه الشعارات لا تناسب المجتمع فالمجتمع والناخب ذكي ويستطيع أن يتجاوزها ولا يلتفت إليها وسيكون نصيبها الخسران والاضمحلال.

من أغرب الغرائب أن يحكم على أشخاص بالسجن لمدة عامين ليس لأنهم رفعوا سلاحا أو لأنهم أرغموا أحدا على أن يقبل ويقتنع ويفعل ما يريدونه أو لأنهم أجبروا أناسا على الانضمام لجماعاتهم وبرامجهم السياسية بل لأنهم مارسوا أداة من أدوات الديمقراطية وهي الدعاية الانتخابية ونشر الشعار الذي يرونه مناسبا للمرحلة القادمة. غريبة هذه الديمقراطية فنحن نعلم أن مراكز استطلاعات الرأي هي التي تقدر عدد المقاعد التي سيفوز بها كل طرف وهي التي تقدر أي مرشح سيفوز والنسبة المئوية التي سيحصل عليها من الأصوات ومع ذلك نجد اختلافا من مركز لاخر رغم الإمكانيات والكوادر التي تتمتع بها هذه المراكز ليس هذه فحسب ولكن نلاحظ اختلاف ولو بسيطا بين التوقعات والواقع أما الانتخابات في منطقتنا العربية فالحزب الحاكم وحكومته يتنبأون بنتيجة الانتخابات وتأتي تنبؤاتهم دقيقة وبشكل يثير الحيرة والدهشة من مدى دقة وحرفية هؤلاء المسؤولين والمتنبئين بنتائج هذه الانتخابات لدرجة أنهم لو قالوا سنفوز بنسبة مائة بالمائة فإن النتيجة ستكون على هذا النحو وإلا من يصدق أن جماعة تملك أكثر من ثمانين مقعدا يتنبأ الحزب المنافس لها بأنها لن تكرر النجاح الذي حصلت عليه سابقا وبالفعل فقد فشلت فشلا ذريعا ولم تفز بأي مقعد وكأن ما حصلت عليه بالسابق كان غلطة أو لنقل تسامحا من الحاكم الذي سمح لها بالحصول على تلك المقاعد أو لنقل أنها كانت هبة لم تشكره عليه الجماعة لذلك عاقبها هذه المرة بالخسارة لكل المقاعد.

ما أجمل الديمقراطية التي تتم فيها تعبئة بطاقات الاقتراع فوق صناديق الاقتراع وما أجملها حينما يمنع مندوبو المرشحين الحضور وحتى المرشحين من التصويت بالترهيب واستخدام العنف حتى إذا تطلب الأمر القتل وليس العنف فقط.

وما أجمل الديمقراطية التي تأتي بالصناديق معبأة من اليوم السابق وتستبدل بالصناديق الفارغة التي زهدها المصوتون أو منع عنها المعارضون وهنيئا لنا ديمقراطية معيبة مشوهة خيطت بصميل وللعلم فالصميل هو العصا الغليظة ولمن لم يعرفها بعد فهي الهراوة التي تستخدمها قوة مكافحة الشغب عندما تخرج لتفريق المظاهرات أو الاعتصامات السلمية وشكرا للهراوات لأنها لو لم توجد فسيكون البديل لها الرصاص الحي. جلال الوهبي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية