شعارات الدولة الأردنية الرسمية لمن؟ د. لؤي منور الريماوي الدفاع عن الأردن في الخارج (سواء في الصحافة الدولية الخارجية أو من خلال تسليط الضوء على التطورات الإيجابية في الأردن في المجلات الأكاديمية البريطانية والأوروبية القانونية) هو واجب وطني. خدمة المملكة الأردنية الهاشمية هو شرف لا يمكن المساس به، ويجب أن تتم بأعلى درجات النزاهة، من خلال عدم الاستفادة من العلاقات الشخصية تحت ستار الخدمة العامة. وفي هذا الصدد نود أن نقول انه من الواضح تماما أن الأردني يجب ألا يفرض احترامه من خلال التلاعب في صورته العامة، ولكن من خلال العمل الجاد والتضحية الحقيقية في خدمة الأردن العظيم. هذا الدعم للأردن والاعتزاز به ليس منذ العام الماضي أو العام الذي قبله. هو منهجية طويلة حتى من أيام دراستي في وقت مبكر في جامعة كامبريدج. فرئيس الوزراء الحالي السيد سمير الرفاعي قال لي (قبل 16 عاما تقريبا خلال حفل استقبال في جامعة أوكسفورد على شرف الأميرالحسن بن طلال) إنني كنت ‘ JORDNIN LIKUDNICK’ بسبب دفاعي القوي عن الاردن، الذي كان قد لاحظه من خلال قراءة آرائي في الصحافة الأجنبية في ذلك الوقت. كما اشاد الأمير الحسن بن طلال في ذلك اليوم بمساهماتي في الدفاع عن الأردن قائلا لي: ‘بارك الله في كتاباتك’. في الواقع، رحيق هذه المشاعر الدافئة من قبل الامير بقي معي حتى اليوم. ناهيك عن رسائل التقدير من العديد من رؤساء الوزراء الأردنيين لهذه الجهود، بمن في ذلك الأمير زيد بن شاكر (رحمه الله) والسيد معروف البخيت الذي قال لنا حرفيا بحكم منصبه رئيسا للوزراء: ‘انه مما يبعث على الاطمئنان أن يكون هناك مثلك من الأردنيين الذين يدافعون بشدة عن مصلحة الأردن…’. أيضا من خلال العديد من الرسائل التي تلقيتها نيابة عن الملك عبد الله بن الحسين من مدير مكتبه العسكري (قبل ممارسة صلاحياته الدستورية) وفي وقت لاحق من الأميرة زين الحسين من مكتب الملك عبد الله الخاص. أيضا شفهيا عندما كان لنا شرف مناقشة هذه المسألة مع الملك عبد الله في حفل استقبال أقامته السفارة الأردنية في لندن.
بكل تواضع أقول إن جهودي كانت ولا تزال نتيجة إيمان عميق بالأردن والوطن، وانه على الرغم من عدم الكمال لا يزال لدينا العديد من السمات الإيجابية التي يجب أن ندافع عنها بقوة. فلا يوجد تعارض بين حبنا لأمتنا العربية ورغباتنا لدعم الجهود المخلصة من أجل تحسين الظروف على الأرض للمواطن العادي. في الواقع الخدمة الحقيقية للأردن تكون من خلال خدمة قضية مواطنيه العاديين، الذين عانوا من الفساد والمحسوبية والعلاقات الحميمة بين الانتهازيين، من دون اعتبار للضرر الكبير على النسيج الوطني. فأكثر من أي وقت مضى الأردن بحاجة إلى الجهود المخلصة لجميع مواطنيه من أجل بناء صرح قوي لحماية وحدته وتعزيز المسيرة الوطنية. لكن هذه المسيرة تتطلب الاحترام الكامل لهذا المواطن الاردني واعطاءه حوافز وطنية لتحقيق مزيد من التقدم. فهل نحن فعلاً بحاجة إلى شعارات رسميّة نقرأها صباح مساء؟
وهل نحن فعلاً بحاجة إلى تبريرات وراء فلسفة هذا الشعار أو عبقرية ذلك الطرح؟ وما هي الغاية أصلاً من الشعار الرسمي للدولة؟ هل هي عدوى الدول العربية المجاورة؟ فالشعار الرسمي هو استهلاك عربي لبعض الدول العربية، التي امتازت بالدكتاتورية وعدم الثقة بالنفس وعدم القدرة على التعامل مع أي طروحات أو آراء أخرى، فرأيناها تلجأ إلى ترديد العبارات الرسمية، التي جهلاً فرضتها على مواطنيها استهتاراً بذكائهم وحق مواطنتهم. الخائف وغير الواثق من نفسه هو الذي يحيط نفسه بالشعارات والمبالغات ونراه يرتبك بردة فعل إذا ما تهددت هذه الشعارات الزائفة.
وهل نحن فعلاً بحاجة إلى قوانين ما يسمى بالمحافظة على هيبة الدولة؟ من أي منطق ومن أية عصور وسطى تنطلق مثل هذه النداءات؟ ثم ما هي هيبة الدولة أصلاً؟ هيبة الدولة ليست بفرض القيود الدكتاتورية أو التعسفية لحماية هذا المسؤول أو تلك الشخصية ‘المهمة’ أو تنزيهه ذلك الجهاز أو تلك المؤسسة الرسمية من الانتقاد. فهنالك القضاء الأردني النزيه يلجأ له أي متضرر، سواء أكان مواطناً أو جهازاً حكومياً.
هيبة الدولة تتحقق عندما تتحقق هيبة أبسط مواطنينا، سواء أكان هذا المواطن بائعا على ‘بسطة’ أو عامل نظافة يكنس شوارع ضواحي عمان الراقية نراه يمارس عمله ورأسه مرفوع وهو يعلم أن هيبته كمواطن لا يستطيع أن يعتدي عليها كائن من كان. نراه يمتلئ بالفخر والاعتزاز لا يجرؤ أحدٌ على الانتقاص من حقه أو التطاول عليه… هذه هي هيبة الدولة، هذه هي المعركة الحقيقية والصعبة، التي يتوجب الانتصار فيها. فهل سمعنا مطلقاً بقوانين أسمها هيبة الدولة في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو الاتحاد الأوروبي؟ وبكل أسف في وقت عندما يكون فيه صراع الدول الواثقة من نفسها في كيفية إعطاء المزيد من الهيبة لمواطنها البسيط وحمايته القانونية من تطاول المتنفذ والمتسلط، نجد صراع المواطن العربي في كيفية أن لا يكون مواطناً، هروباً من التسلط والتطاول.
ففي بريطانيا مثلاً ضمن الانتخابات العامة قبل الأخيرة كانت ثلة رفيعة من الوزراء توزع مناشير دعائية عشية الانتخابات في شوارع لندن بمرافقة تلفزيونية، حيث اقتربت ثلة الوزراء البريطانية وعلى رأسها وزير الدفاع من مدرسة ثم مشوا إلى داخلها يوزعون مناشيرهم على الطلاب وهم يمازحونهم. فما كان من حارس المدرسة وأمام مشاهدة الملايين إلا أن ثار غضباً لأن الوزراء وعلى رأسهم وزير الدفاع دخلوا المدرسة من غير إذن رسمي فقام بطردهم جميعاً أمام الملأ، وعبثاً حاول وزير الدفاع البريطاني (ومن ورائه هيبة الدولة البريطانية بمؤسساتها العسكرية وقوتها النووية والاستخباراتية) أن يتجادل مع حارس المدرسة الذي أصر على موقفه. فما كان من وزير الدفاع وثلة الوزراء البريطانيين إلا أن خرجوا مطرودين من مدرسته واحداً وراء الآخر. هذه هيبة الدولة التي هي من هيبة أبسط مواطنيها وعلمه المطلق بأن أحداً لا يجرؤ على أن يتدخل في عمله كائن من كان. هذا المواطن الذي يرفع رأسه عالياً لأنه لا يخشى تطاول المتنفذ أو المتسلط. فمصطلح ‘القانون يحمي الجميع’ هو مبدأ حقيقي وليس شعاراً مفروضا. فهيبة أردننا لن تتحقق إلا إذا دافعنا عن هيبة أضعف مواطنينا وأكثرهم حاجة وعجزاً، يحمي سياجها جهاز قضائي يتمتع بكل الصلاحيات الضرورية. هذا هو التحدي الحقيقي الذي لن يحققه سوى الأوفياء والشجعان من أبناء وبنات هذا البلد الأبيّ، الذي بإذن الله سوف تحمل الكلمات فيه معانيها الحقيقية بعيداً عن زيف الشعارات ومظاهر الولاء المصطنع.
وحتى نصنع مجتمعاً أقوى بتعدديته وأصلب بوحدته الوطنية فلا بد من تركيز أعمق على المفهوم الجماعي للعطاء والانتماء وبشكل حساس هدفه تسخير كل الطاقات الإيجابية لرفعة الأردن وجعله الوطن الأسمى الذي نريد. لذلك لا بد من تركيز مفهوم أن ‘الأردن هو للجميع’ وليس لفئة منتفعة أو متنفذة، سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، فملكية الأردن يجب دخولها من خلال باب الانتماء والذي مفتاحه المواطنة الصالحة بالمعنى الموضوعي البعيد عن المحاباة.
فحتى نتفاعل مع المرحلة القادمة من البناء والتطوير وحتى نكون أهلاً لكل التحديات التي تتطلب شعوراً موضوعياً بأن المواطن هو سيد الموقف، لا بد من أن يكون الأردن هو فعلاً للجميع. عندما يتحقق هذا الشعور يكون من السهل عندها أن يكون الجميع بالمقابل ملكاً لهذا الوطن الجامع، ويكون لازماً مستوجباً أن يكون ‘الجميع للأردن’. فكلما احترمنا عقل المواطن وقدمنا له الحقائق ولو صعبة وجعلنا منه سيد الموقف بشكل موضوعي لا يسعى إلى غبنه أو الانتقاص من مقدراته كان هذا المواطن أكثر إبداعاً في عطائه.
وليبارك الله عز وجل في كل قطرة من ضمير حيّ يحملها كل مواطن أردني شريف يحس بألم الوطن والأمة. فمسؤولية خدمة هذا الوطن وهذه الأمة واستعادة بعض من أمجادها هي رهن بالإسهام الإيجابي والبناء لكل واحد منا في أي موقع كان. فعندما يكون الصدق هو العنوان والثقة بالذات أرضية لا تهتز والتصميم حديدا لا يصهر يكون عطاؤنا بحجم رفعة هذا الوطن… هذا الأردن. وليكن ‘الأردن للجميع… والجميع للأردن’.’ا لمحاضر السابق (غير المتفرغ) في القانون الدولي العام في (LSE). محاضر زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في قانون المالية الإسلامي في جامعة PPB/ لندن