خطيب بدلة أتوجه، عبر صحيقة ‘القدس العربي’، بأسمى آيات التبجيل والاحترام إلى السيد المواطن العربي الجميل، الوسيم، المحظوظ، الكامل الأوصاف، الذي يجدرُ به أن يحمد الله، آناءَ الليل وأطرافَ النهار، لأن الله، جل جلالُه، قد جعل أبويه الكريمين يُخَلِّفانه، أو (يبذرانه) ضمن رقعة الوطن العربي الممتدة- من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر- على حد تعبير رائد الصراخ والبعبعة الإعلامية في العصور العربية الحديثة، المذكور بالخير، أو المغفور له، السيد أحمد سعيد، الذي كان يكتب ويقدم التعليق السياسي من إذاعة ‘صوت العرب’ أيام انفصال الوحدة العربية التي زعم المطرب محمد قنديل أنها (ما يغلبها غلاب)،.. أحمد سعيد الذي لم يذهبْ صراخه وبعبعته سدى، بل تتلمذ على يده، عبر السنين، جيشٌ عرمرم من المعلقين الإذاعيين والتلفزيونيين، والمحللين الاستراتيجيين العرب الأشاوس الذين ما زالت السماء العربية تمطر وابلاً منهم فوق رؤوسنا، وأما فضائياتُنا الحكومية، وغير الحكومية أحياناً، فتعلقهم (كالأيقونات) في صدور كوادرها، منذ ذلك التاريخ وحتى ساعة إعداد هذه المقالة الفضائية.
أن يكون الإنسان عربياً، أو من قومية أخرى ولكنه يعيش على الأرض التي زعم السيد مكاوي أنها تتكلم عربي.. ليس أمراً نافلاً، أو عابراً، وليس كلمة في الفم، بل على العكس، إنها ليلة سعد، وضربة حظ.. ومن لا يصدق فليجلس على أقرب (صوفاية) في بيته، ويتسلح بجهاز روموت كونترول من فئة (الألف طقة)، أي أنه يستطيع أن يقلب ألف محطة عربية خلال أقل من ربع ساعة، ولينظر إلى الظهورات المختلفة للمواطن العربي، وهو يستعرض محفوظاته التي لقنه إياها الذين خلفوه، أو الذين (بذروه)، فحفظها غيباً، لا يتكُّ بحرف فيها ولا يعكّ، يتحدث عن الأخلاق، والله يعلم، ونحن نعلم، أنه قمة في الأخلاق، ولئن كان يكذب أحياناً، فكذباته معظمها بيضاء، ناصعة، وإن كان يغش في أحيان أخرى، فهو يغش لأجل غرض شريف،.. ولكنه، عندما تحق الحقائق، رجل يشق الشَّعْرة طولانياً إلى قسمين، ويقرض رأس الحية، يمشي، تماماً مثلما صوروه لنا في المسلسلات البيئوية الشامية التي تتسابق الفضائيات العربية إلى عرضها وإعادتها على مدار السنة، بطريقة (خصلة وعنقود والباقي فراطة)، يضع سلاحه (خنجره) فوق السلاح الذي خَلَّفَه له والدُه، لا لشيء إلا ليراه القاصي والداني، فلا يظنن أحد بأنه غير مسلح.
إنه رجل قوي، صامد، مقدام، أشوس، بدليل أنه لا يقف مكتوف الأيدي حينما تسقط القنابل الأميركية العملاقة فوق مدينته الآمنة، فتمزق أهله وجيرانه وأبناءه- على حد تعبير النحويين- إرْباً أرْباً، أو حينما ترتكب إسرائيل مجزرة جديدة تقتل فيها المئات من المدنيين الأبرياء.. يترقب رد فعل حكومته تجاه ما حصل، وبمجرد ما يأخذ الضوء الأخضر من مخابرات بلاده فإنه يخرج، مع أقرانه، في مسيرة (عفوية) غاضبة، يحرق فيها الإرَمَّ، ولا يترك شتيمة جارحة، ولا عبارة احتجاج واستنكار ضد أمريكا، والاستعمار، والصهيونية، إلا ويقولها بالفم الملآن، ودون تردد، أو خوف، أو وجل.. وحكومة بلاده، بدورها، تستجيب لنداءاته ونداءات أقرانه من المواطنين العرب الشرفاء العفوية، وتسارع إلى التنديد بالفعل الإجرامي الغاشم، واستنكار انحياز أمريكا إلى العدو المعتدي، والكيل بمكيالين.. إلخ.
إن هذا المواطن العربي المتميز، الذي نوجه له هذه التحية العاجلة، هو، في الوقت ذاته، إنسان عاقل، حليم، متفهم، غير متسرع، فإذا رأى فعلاً سيئاً تقوم به الحكومة الوطنية في الدولة التي يسكن فيها، كأن تعتقل أحد مواطنيه، وتخفيه فلا يعود الذباب الأزرق قادراً على معرفة مكانه، أو الوصول إليه، يقول إن هذا أمر لا بد منه، وإن الثورة تأكل أبناءها، ولا بد من تضحية البعض في سبيل المجموع، وإذا تطور الأمر قليلاً، ووصل (البَلّ) إلى ذقنه، فاعتقلت سلطات بلاده أحد أبنائه، يتمتم في سره: الحمد لله الذي ألهمني على تخليف عدد كبير من الأبناء، فإذا ذهب أحدهم في خبر كان، أو (إلى حيث ألقتْ رحلها أم قشعم)، يبقى لي الآخرون، وإذا مات ابنه تحت التعذيب، يترحم عليه، ويقول لنفسه:
اعلم، يا أخا العرب، يا رعاك الله، أن لا أحد يموت إلا في اليوم الذي وعده الله فيه.. المهم أن يتكرم علينا المولى القدير، فيحفظ لنا مولانا جلالة الملك، أو سمو الأمير، أو جناب السلطان، أو فخامة الرئيس.. (بحسب نظام البلد الذي ينتمي إليه المواطن الذي نتوجه إليه بهذه التحية)! المواطن وتسريبات ويكيليكس ويجدر بالمواطن العربي الظريف، اللطيف، المهضوم، أن يغسل وجهه في الصباح الباكر، فيزيل عنه آثار النوم، ويقف مدة طويلة أمام المرآة، مثل امرأة متوسطة الجمال تريد أن تذهب لمقابلة حبيبها الوسيم، ويبتسم بقدر ما يعطيه الله من قوة على الابتسام، حتى ولو كانت نفسه ميتة من الحزن والقهر والغلب، ويخرج من البيت، ويبدأ بتوزيع سلاماته على الآتي والآيب، ويوزع ابتساماته ذات اليمين وذات الشمال، يفعل ذلك ليقينه بأن الشارع العربي، اليوم، قد أصبح مزروعاً بالكاميرات، عدا كاميرات أجهزة الهواتف المحمولة، فما هي إلا مدة قصيرة وإذا به (أي هذا المواطن الظريف) قد تحول إلى موضوع وثيقة يسربها موقع ‘ويكيليكس’ الإلكتروني الذي فضح، خلال الأيام الأخيرة، مَنْ هب ودب من الناس، دولاً، وأنظمة، وشخصيات كبيرة بارزة، وتصدرت أخبار تسريباته واجهات ‘الفضائيات’ العربية الممتدة بين المحيط والخليج السعيدين (نسبة إلى أحمد سعيد)، فإذا سارت الأمور على هذا النحو، فلن يعدم ذلك المواطنُ موقعاً إلكترونياً، كويكيليكس، يسرب صوراً له ضمن منزله وهو يسب، بالقلم العريض، على جلالة الملك، أو سمو الأمير، أو جناب السلطان الذي كان يهتف باسمه ضمن المسيرة (العفوية) بالفم الملآن.. فتُعْقَدُ لأجله، أي لأجل هذا المواطن، محكمة دولية قوامها شهود الزور… وما أدراك ما شهود الزور! المناع والأردوجان إن الأخ المواطن العربي الذي وجهنا له، حتى الآن، تحيتين متتاليتين، ينظر بعين الاحترام إلى الدكتور هيثم مناع المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان بباريس، فالمناع يطمئننا ويطمئن المواطن العربي، بين الفينة والفينة، إلى أن حقوق الإنسان في الوطن العربي- والحمد لله- في تراجع مستمر! وفي آخر لقاء له على القناة التركية (تي إر تي) الناطقة بالعربية مع المذيعة المتألقة هاجر بن حسين، ذهب في تطميناته لنا إلى حد القول بأن ثقافة المنع، والاستبداد، والكبت، والتضييق على الحريات الشخصية، والمساءلة على ما فعله المواطن، وعلى ما لم يفعله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل أناس لا يعرفون ما هو (المعروف) وما هو (المنكر)، والتوقيف الاحترازي، والتوقيف على الشبهة، ومراقبة البيوت، وخطوط الهاتف، والموبايلات، والرسائل البريدية والإلكترونية.. هذه الشؤون التي كانت تعتبر، إلى زمن طويل، شؤوناً عربية و(عالمثالثية) خالصة، قد تم تصديرها إلى الغرب نفسه، أي نعم، إلى الغرب أبي الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان.. وقال المناع: إن عدداً كبيراً من القضايا التي تنظر فيها اللجنة التي يتحدث هو باسمها موجودة الآن في الدول الديمقراطية، بل وفي الدول التي اخترعت الديمقراطية ذاتها.
الحقيقة أن هذه التصريحات المناعية قد أثلجت قلب المواطن العربي الذي نوجه له، بهذه المناسبة، تحية عاجلة ثالثة، فصبرُه على البلاء، وبقاؤه سنين طويلة (على البلاء صبورا)، لم يذهب أدراج الرياح، وعوضاً عن أن يتخلى هو عن أحواله الرازحة تحت نير الديكتاتوريات، و(يتفرنج) أي يذهب بعقله وفكره باتجاه بلاد الفرنجة الكافرة، الملحدة، جاءت بلاد الفرنجة، بجلالة قدرها، إليه، وتعلمت من حكامه الأشاوس أصول المنع والتوقيف وتشييد المعتقلات التي لا يمكن للذباب الأزرق، ولا الأصفر، أن يعرف إليها سبيلا. كاتب من سورية[email protected]