رامي أبو جبارةكم هو صادم وقاس عالم السياسة الذي اثبت عدم اتساعه للحالمين الرومانسيين ولا للرحماء ولا حتى لأصحاب المواقف والمبادئ الثابتة. ابدأ بهذه العبارة لأنني ترددت كثيرا قبل أن اشرع في كتابة هذا المقال لأنه يعبر عن واقع مرير يصطدم بقناعات على ما يبدو أنها باتت منتهية الصلاحية في عصر العولمة هذا. وقبل أن أخوض في الحديث أرى أن هناك توطئة لا بد منها حتى لا يساء فهم المقال، ومفادها أنه رغم تحفظ الكثيرين على طريقة وصول الرئيس البشير إلى السلطة، والتحفظ على العديد من سياساته المتعلقة بالحرب الأهلية سابقا والحريات والسياسات الاقتصادية، إلا أن الرئيس البشير وبسياسته المناوئة للمشروع الامبريالي في المنطقة استطاع أن يكسب الكثير من التأييد والتعاطف على المستوى الشعبي، لأن قرار المواجهة أو حتى الممانعة صعب وجدير بالتقدير في ظل بلوغ الامبراطورية ذروة توحشها واستبدادها، ولكن مرة أخرى أقول ان هذه العواطف لا مكان لها في المعادلات السياسية. تبدأ القصة خلال لقاء عابر مع احد ارفع الدبلوماسيين السودانيين في لندن سابقا حين اسرّ للجالسين وقتها – قبل خمسة شهور- أن انفصال الجنوب سيقع عاجلا أم آجلا، وأقول اسرّ لأن مثل هذه التصريح كان محرما آنذاك، حيث يذكر الجميع رفض السودان بشكل مطلق في العاشر من أيلول/سبتمبر العام الجاري تصريحات هيلاري كلينتون التي أشارت فيها إلى حتمية انفصال السودان. ولكن في لقاء عـُقد مؤخرا بين مجموعة من الناشطين السياسيين والسفير السوداني في الأردن تحدث السفير مطولا عن الانفصال ومؤشرات حدوثه بشكل علني، وها هو التصريح الأخير لنافع علي نافع مستشار الرئيس السوداني يأتي في نفس السياق الذي رجح فيه احتمالية انفصال السودان. وما أردت توضيحه أن مجموعة المواقف هذه من الدبلوماسيين وكبار المسؤولين السودانيين لا تأتي في اطار الصدفة، وجميعها تصب في نفس الاتجاه وكأنها سيمفونيات باتت تعبر عن الموقف الرسمي وتعزف بشكل ممنهج للتمهيد للانفصال القادم. ورغم أن جميع المعطيات منذ توقيع اتفاقية السلام الثانية وحتى الآن تشير إلى أن انفصال السودان اصبح مسألة وقت، الا أن التصريح الأخير لنافع علي نافع أثار غصة في القلب ما بعدها غصة، وأقول أن هذا التصريح بالذات أثار الغصة دون غيره من التصريحات والمعطيات الأخرى، لأن مسلسل اطلاق مثل هذه التصريحات بات يتكرر كثيرا في الآونة الأخيرة واصبح يشارك فيه حزب المؤتمر الوطني وبشكل رسمي على نحو يثير القلق ويرجح احتمالية ابرام صفـــــقة توافقت فيها جميع اطـــــراف الصراع المحلية والخارجـــــية على الانفصال والتقسيم. سأبدأ بسرد تسلسلي لاحتمالية ابرام صفقة من هذا النوع، حيث أن أولى هذه البوادر تعود إلى نيسان/ ابريل عام 2003 التي تمثلث بالاطاحة بنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين رحمه الله، وكانت بمثابة فاتحة رسائل التهديد إلى حكومة البشير ومفادها، أن الادارة الأمريكية لن تتوانى عن اسقاط أي نظام يعارض مصالحها في المنطقة ورؤيتها لمستقبل الشرق الأوسط حتى لو كان ذلك عبر التدخل العسكري المباشر، مما أدى إلى مسارعة حكومة البشير إلى بدء التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ومحاولة انهاء الحرب الأهلية في نفس العام لتتوج تلك الجهود باتفاق السلام عام 2005. رغم توقيع اتفاقية السلام التي أعطت الحق للجنوب بتقرير المصير الا ان الحكومة السودانية كانت جادة في المحافظة على وحدة السودان وسيادته، لتتوالى التهديدات الامريكية للرئيس عمر البشير والتصعيد ضده حتى وصلت الحملة ذروتها عقب اصدار مذكرة الاعتقال الدولية، مما شكل ضغطا كبيرا على شخص الرئيس البشير.
يرى المراقب للشؤون السودانية أنه حتى ذلك الحين كان الخط العام للحكومة السودانية هو المحافظة على وحدة السودان أولا حتى بعد اصدار مذكرة التوقيف المجحفة، وكان ذلك سواء عبر تصريحات المسؤولين السودانيين الشماليين وحتى مواقفهم من مسائل حساسة، مثل تحديد الشكل النهائي لمفوضية الاستفتاء وشروطه وترسيم الحدود بين الجنوب والشمال، أو عبر الممارسات على الأرض في أبيي وجنوب كردفان وغيرها. وعلى ما يبدو أن الحكومة السودانية كانت مستعدة لمنع الانفصال حتى لو كان ذلك عبر التراجع عن اتفاق السلام والعودة الى الحرب الأهلية، ومما يعزز مثل هذه الفرضية تصريحات وممارسات عديدة منها على سبيل المثال، دعوة الرئيس البشير عام 2008 بإعادة فتح معسكرات الدفاع الشعبي الذي اعتبرته الحركة الشعبية حينها بمثابة دعوة إلى الحرب. ولكن ما أن لمست الادارة الأمريكية نوايا الرئيس البشير هذه، خصوصا مع اقتراب موعد الاستفتاء، حتى صعدت وبشكل غير مسبوق ضده وضد حكومته حتى هددت بشكل مباشر في 15 أيلول من العام الجاري بالتدخل عسكريا حال منعه استفتاء الجنوب. بعد هذا التهديد الصريح وتحديدا خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر نرى الخلاف بين الرئيس البشير والحركة الشعبية يتأجج ويتهم الرئيس البشير قادة الجنوب بالتراجع عن بنود اتفاقية السلام تمهيدا منه لمحاولة إلغاء الاستفتاء، ولكن يعود ليعم هدوء نسبي غريب على الساحة السودانية بشكل عام وتصريحات الادارة الأمريكية ضد السودان بشكل خاص، حتى نتفاجأ بعرض أمريكي في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2010 بشطب السودان من قائمة الارهاب، مقابل اقامة استفتاء الجنوب في موعده، وبطبيعة الحال أعتقد أن هذا العرض يشمل الكف عن الملاحقة القضائية للرئيس البشير. أقول وبكل أسف ومرارة، يبدو أن سياسة العصا والجزرة الأمريكية أتت ثمارها في السودان بعد أن أيقنت الحكومة السودانية أن مساعي عرقلة الاستفتاء لن تفلح، والتي كانت آخر خياراتها لمواجهة الانفصال، ولذلك اختارت عقد صفقة مقابل البقاء في السلطة في شمال السودان على الأقل، وهذه الافتراضية تعززها التصريحات والمواقف المذكورة أعلاه وتلميحات من البشير نفسه في الاسابيع الاخيرة، وتحديدا في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2010 عندما أعلن في كلمة القاها امام اجتماع مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني الحاكم، أن انفصال الجنوب متوقع وأنه لن يعود للحرب في حال حدث ذلك. أنا لا ابرر للرئيس البشير القبول بالانفصال ولكنني أرفض كذلك تحميله مسؤولية كل ما يجري في السودان. ولكن بعد أن فقد الرئيس عمر البشير فرصة اجهاض المساعي الانفصالية بتوفير مناخ أكثر ديمقراطية على الصعيد السياسي والحريات والتطوير الاقتصادي منذ توقيع اتفاقية السلام عام 2005 وحتى الآن، وها هو يفقد خيار عرقلة الاستفتاء لأنه سيؤدي إلى تدخل عسكري أمريكي والاطاحة بنظامه تماما وتفتيت السودان إلى دولتين وربما دويلات، كما أن الوحدة مع مصر – وهو خيار طرح مؤخرا – غير ممكن لعدة أسباب، أبرزها عدم رغبة الحكومة المصرية في ذلك، لم يعد أمام البشير الكثير من الخيارات لمواجهة الانفصال، وباعتقادي أن الخيار الوحيد والأنسب هو استقالة البشير من منصبه واتاحة الفرصة لانتخابات شفافة وديمقراطية ليختار الشعب السوداني العظيم بجميع أطيافه، حكومته على أساس برنامج عمل وطني ديمقراطي وحدوي يلبي طموحات وتطلعات كل فئات الشعب السوداني. ختاما وبعد اعطاء الفرصة لمبادرة الرئيس البشير الأخيرة بالتنازل عن آبيي مقابلة الوحدة، وأنا اعتقد أن التوافق عليها أمر مستبعد كون المسألة أكبر من آبيي، وإذا كان الرئيس عمر البشير جادا في مساعي الوحدة، يجب عليه التضحية من أجل الوحـــــدة ولن يكون ذلك إلا بالتخلي عن السلطة والسماح بتداولها بشـــــكل ديمقراطي وسلمي، على غرار ما فعله طيب الذكر المشير عبد الرحمن سوار الذهب. وأختم وأقول فليكن شعار المرحلة التخلي عن السلطة وليهتف جميع السودانيين بصوت واحد نعم للوحدة، نعم للعدالة والديمقراطية، لا للانفصال وألف لا للتدخل الأمريكي- الصهيوني بجميع أشكاله. ‘ كاتب من الأردن