‘ليل واحد في كل المدن’ لسنان انطون: موت غرافيكي!

حجم الخط
0

زينب صالحديوان ‘ليل واحد في كل المدن’ للشاعر العراقي سنان أنطون، والصادر حديثاً عن دار الجمل، هو رسم وتشريح لحالة الحرب المستمرة التي يعيشها العراق منذ ثلاثين عاماً. وعلى الرغم من ان الديوان يضم قصائد كتبت على مدى عشرين سنة (1989-2009)، فإن الحرب الاخيرة (2003) تشكل الجزء الأكبر من القصائد التي كتبها الشاعر بين برلين، نيويورك، القاهرة وبغداد، أي عشية سقوط نظام صدام حسين وتزايد العنف والموت. ومع أن الديوان يبدأ باحدث القصائد المكتوبة في برلين، فان قراءته من آخره الى أوله تكشف عن تغيير، ليس فقط في أسلوب الشاعر، وإنما في همومه اليومية – والوجودية – والتي تعكس واقع مجريات الامور في العراق خلال العقدين الماضيين منذ احتلال الكويت وحرب الخليج الاولى الى الوقت الراهن. فمعظم القصائد في آخر الديوان والمكتوبة بين عامي 1989 و1990 هي وصف حسي للحبيبة ولجسدها. ففي قصيدة ‘درب اللبانة’ مثلا، نقرأ: ‘حلمتك/ سنوات مدورة من الفراولة/ولساني/ قبيلة من الاصابيع اليتيمة/ تقرأ الحليب النائم/ على قبة معبد وثني/ تتأوه ملائكة/وشياطين/ أعوم في نافورة/ من لغات سحيقة/ لكنها مجرة مؤقتة/ ففي الصباح/ سيخنق استعاراتي/ حرير المشد’. فالشاعر هنا منغمس باللذة والجسد الانثوي. وما يعكر هذا الاستمتاع هو اقتراب الصباح، إذ يعلن انتهاء اللذة وسجن جسد أمراته في الثياب. لكن هذا الابتعاد عن الحبيبة يظل مؤقتاً. فحلول الليل يعني تجدد فرصة اللقاء والاستمتاع. فالحياة هنا تبدو طبيعية، وما يفصل الشاعر عن الحبيبة هو ايقاع الحياة الروتيني والذي يعني ان هذا الابتعاد عابر.

وما يجعل هذه القصائد الأيروسية ذات دلالة قوية هي الغفلة التي يعيشها الشاعر وتصوره بأن الموت والحروب انتهيا. فالاستغراق في الحبيبة يمثل فسحة صغيرة من العيش/الديوان، إذ يخيم الموت والدمار واليأس على العراق من جديد، وبالتالي، على القصائد. فالعراق الذي خرج من حرب استمرت ثماني سنوات مقبل على حرب أخرى. وأنطون يستعمل استعارات معبرة لوصف ما أصبح يعرف بالحرب المنسية. ففي قصيدة عن أسير عائد من الحرب العراقية-الايرانية (ونحن لا نعرف إن كان ايرانياً اوعراقياً)، يدخل الاسير غرفته متجاهلاً أوتار عوده التي انتظرته لسنوات ولكن نشيجه في الليل يعلمنا ان سبب هذا الجفاء هو فقدانه لأصابعه. فالعودة هنا لا تنم عن فرح، بل تذكر بالأحلام والمواهب المحطمة، والجسد المبتور، والحياة الضائعة، ليس للأسير فحسب وانما لأوتار عوده التي عاشت في عزلة خلال أسره. والعود هنا هو كناية عن الحياة والعائلة والحبيبة. فاستعارة عزلة الاوتار تستحضر صورة الحبيبة والاهل وعبء الانتظار. وقسوة الحرب تصبح ملموسة أكثر عندما يبدأ الشاعر بفتح النوافد ليجد حرباً بعد حرب، وكفناً بعد كفن، حتى ان الامهات أخذن في نسج الأكفان لأطفال لم يولدوا بعد (قصيدة ‘حروب’ 1990). ففي هذه القراءة العكسية للديوان، تصبح الحروب امتداداً لبعضها البعض، لكأن الشاعر كتبها ارتجاعياً (retrospectively) وليس تأريخياً.

وما يميز قصائد أنطون هو ما معنى ان يعيش الانسان في حالة حرب ودمار مستمرين تحت نظام قمعي، لا يكل في اغراق مواطنيه بالشعارات والبيانات والمآسي. فإيقاع الحياة في العراق مثقل بالحروب، والناس أخذت تردد: ‘كل حرب ونحن (لسنا) بخير!’ (‘موشور مبلل بالحروب’، 1991). وعلى الرغم من أن إحدى عشرة سنة تفصل هذه القصيدة عن القصيدة التي تليها، فمن المحتمل أن يواصل القارئ القراءة من دون الانتباه الى هذه الفاصلة الزمنية بسبب استمرار الحروب. فقصيدة ‘مريم عراقية’ كتبت في آب/اغسطس 2002، أي قبيل حرب عام 2003، ولكنها تبدو وكأنها مكتوبة بعد قصيدة ‘موشور مبلل بالحروب’. فالشاعر يخاطب ‘مريم عراقية’: ‘هزي جذع هذه اللحظة/ تساقط عليك/ موتا سخيا’. فعوضاً عن التمر الذي تساقط على مريم العذراء بعد ولادة يسوع، تجد مريم العراقية الموت بسخاء بعد ولادة طفلها. وتصبح النخلة، في هذه الحال، مرادفة للموت بدلاً من الحياة في…. بلاد النخيل.

وعلى الرغم من طغيان موضوع حرب 2003 وما لحقها من تدهور في الاوضاع في العراق، فهناك اختلاف في رؤية الشاعر وانفعالاته بين القصائد المكتوبة في برلين/نيويورك (2008-2009)، وتلك المكتوبة قبلها. فالعراق والحرب المستمرة حاضران بشكل مباشر في القصائد المكتوبة في نيويورك/القاهرة (2002-2008). فنحن نقرأ عن جنين عراقي، وشارع المتنبي، وبغداد، ودجلة والفرات، والرصافة، ومريم العراقية. والحرب تنتظر في كل مكان وزاوية، وليس هناك من مهرب. وتعكس قصيدة ‘تجاعيد: على جبين الريح’ (2003) هذا الواقع: ‘كم هو ضيق/ هذا الممر الذي ينام/ بين حربين/ لكني سأعبره… يلعب الطفل/ في حديقة الزمن/ فتناديه،/ من الداخل،/ الحرب:/ هيا! … القبر مرآة/ ينظر الطفل فيها/ ويحلم:/ متى أكبر/ لأصير مثل أبي/ أكثر موتاً؟… الفرات ودجلة/ وتران/ في قيثارة الموت/ ونحن أغنيات/ أو أصابع… هنا أنا/ منذ حربين ونصف/ في غرفة/ شباكها قبر/ أخاف أن أفتحه/ على الجدار مرآة/ حين أقف أمامها/ عاريا/ تضحك عظامي/ وأسمع أصابع الموت/ تدغدغ الباب…’ فحتى الطفل هنا لن ينجو من الموت في الحرب، والمستقبل مكفهر بالحروب والدمار، والانسان لا يستطيع فعل أي شيء سوى انتظار الموت.

وأنطون لا يكتب عن الحرب فقط وانما عن الحبيبة ايضاً، وتشف هذه القصائد عن حساسية وانغماس في الحبيبة. ففي ‘مساء عابر،’ يخاطب الشاعر امرأته: ‘يطفو صوتك/ كنرجسة نعسانة/ فوق ماء الليل/ فأصير ساحلاً/ يفكر بالغرق… حتى اصابع الليل/ تتهامس/ وتفكر بتعريك’. ولكن يد الحرب تطال الحبيبة ايضاً، كما يمتزج الموت مع الحب احياناً. ففي قصيدة ‘امتدادات الاوتار’ (2003) يكتب انطون عن خطوط على وشك الاندثار او التحطم، مثل مسار هجرة طيور، خطوط موسيقية، الحبل السري، خيط طائرة ورقية، اوتار عود، رف، خط حدود، وسطور. فهذه الاوتار مثلت استمرارية الحياة أو الفرح في لحظة ما في الماضي ولكنها تتدمر في النهاية. والحبيبة هي جزء من هذه الخطوط التي يكتب عنها الشاعر: ‘خيط حرير يتأوه/ ويفكر بالهرب/ من مشد أسود/ خيط تعب/ ولا يريد منع نهدين/ من تقبيل بعضهما البعض! … شعاع لا مرئي/يلضم قلبي/ خلفه عطر امرأة/ كانت ستمر امامي/ بعد عشرين سنة/ لو لم تمت/ في الحرب الأخيرة!’ فما يفصل الشاعر عن حبيبته المفترضة هنا هي الحرب وليس الصباح. فالانفصال هنا هو نهائي وقاطع. وتعكس القصائد المكتوبة في برلين بين 2008-2009 تغييرا في نبرة الشاعر على الرغم من عدم وجود انقطاع زمني بينها وتلك المكتوبة في نيويورك في 2008. إذ يصبح الموت أكثر غرافيكياً، فتحل الجثث والرؤوس المقطوعة محل الموت ورائحته. كما اننا لا نقرأ عن الموت في الحرب بشكل تجريدي، وإنما عن الجثث والرؤوس المتدحرجة. فالرأس المقطوع في قصيدة ‘رأس’ (2009) ينظر الى جسده الراكع والمربوط الى شجرة ويرى الكلاب الجائعة تقترب، ويخاطبها: ‘فقلت لها: خذي حصتك/ ولا تبقي شيئاً من جسدي/ لكني توسلت إليها/ أن يظل رأسي/ هنا/ في قعر القصيدة’. وفي ‘يوم عادي،’ يخبرنا صبي ما عن تأخر ابيه عن العودة في يوم ما، وعن وصوله الى المنزل من دون رأسه. وهنا تصبح الاشلاء جزءاً من الحياة اليومية ويصبح الموت ظاهرة يومية وعادية: ‘صرخت امي عندما فتحت له الباب. كان بلا رأس وكانت ثيابه ملطخة بالدم. عانقها ليخفف عنها، لكنها ظلت تبكي. من يومها لم يأكل معنا أبداً وقال بأنه لن يشاهد التلفزيون… ثم ركع ليصلي ويحمد الله على ما تبقى…’. وأنطون ينجح في وصف ضيق الحياة وفي نقل الاجواء الخانقة (في العراق)، فكل شي مكبوت ومكبل، فحتى الريح تصبح ثوراً هائجاً مثخناً بالجراح لا يجد فضاء أو مستقراً، والشاعر يلوح له ويطلب منه ان يريح قرنيه فيه كي ينزفا معاً. وكما يلاحظ فإن انطون لا يذكر العراق مباشراً في هذه القصائد، فالقارئ سيخمن المكان من خلال التركيز على الجثث المبعثرة. وتعكس عدم الاشارة المباشرة للعراق عن نظرة الشاعر لما يحصل للعراق في سياق إنساني عام. فالموت والدمار في العراق هما جزء من تاريخ البشرية. ولعل قصيدة ‘ الملاك الجديد’ هي الأكثر تعبيراً عن هذه اللمسة التأريخية. فالشاعر يقف أمام لوحة ‘الملاك الجديد’ للرسام بول كلي والتي صارت مرتبطة بالفيلسوف الالماني فالتر بنيامين لإشارته إليها في مقالته عن التأريخ. والشاعر ينظر الى اللوحة من منظور بنيامين ويرى حروباً بعد حروب، ويخاطب الرسام: ‘… لكن ملاكك الجديد/ ما زال ينظر نحونا/ ستستيقظ العاصفة عما قليل/ وتواصل عملها الدؤوب/ الحرب جميلة/ هنا/ في لوحتك/ على جدار في برلين/ العويل غارق في الالوان/ لدي سؤال واحد فقط:/ ماذا سأفعل بعد أن اخرج من المتحف؟/ فحالما أصل الى الشارع/ تحاصرني أكوام الموتى/ الذين رآهم بنيامين في لوحتك/ ما زال الجدل مستمرا/ حول عدد الضحايا/ ووسادتي ملأى بالاشباح’. فحالة الحرب، كما يذكرنا بنيامين، هي القاعدة وليست الاستثناء. كما انها تحّول الضحايا الى أرقام وتجردهم من انسانيتهم ومعاناتهم وآمالهم ومخاوفهم، والشاعر يشعر محاصراً بهذا الواقع الأليم، ويخاف مواجهة الجرائد والاخبار التي تزخر بضحايا الحروب والعنف. فيصبح الهّم العراقي مدخلاً لضحايا الحروب بشكل عام ومصير العراقيين يصبح انعكاساً لمصير الملايين الذين قضوا في الحروب والعنف أينما كانوا وفي أي زمن. وتتمظهر مقاربة الشاعر العامة نحو تاريخ البشرية كذلك من خلال قصائد عن الطوفان ونوح والآلهة والكتب السماوية.

وما يميز القصائد البرلينية أيضاً هو تلاشي الحبيبة. فمع انتشار الجثث والرؤوس المقطوعة تختفي الحبيبة من القصائد الى درجة كبيرة. وعندما تظهر، تكون في ‘ملاحظة عابرة’ حول شفتيها. فعوضاً عن ‘ارشيف الرغبة’ والتواصل الحسي والجسدي معها، نرى الحبيبة بشكل خاطف. وحتى عندما يحلم الشاعر بالرغبة فهي رغبة للتحرر من ‘الانا’. وفي قصيدة ‘كلمة’ ما يعذب الشاعر هي كلمة وليست امرأة: ‘دوختني/ تكره المعاجم وتسخر منها/ تراوغ كل الجمل/ تريد ان تركض وحدها/ تسبح في الصمت/ تفضل أن تتأرجح/ بين شفتي مجنون/ أو أن تطل من همسة/ على أن تكون مع أقرانها/ توسلت إليها أن تهدأ/ وتقف بهدوء/ ولو للحظة/ أن تبتسم وتعانق جاراتها/ من أجل القصيدة’. فالكلمة هنا تبدو كامرأة لعوب لا تكف عن مشاكسة الشاعر الذي يرغب بإمساكها ووضعها في سطر مع باقي الكلمات، ولكن غنجها ولعبها يجعلان مهمته عسيرة. ومع ان الكثير من القصائد في هذا الديوان عن الحرب والدمار، فهي تشف عن حساسية وانسانية عميقتين، ولذا تستغرق القارئ. فالاستعارات والتشبيهات التي يسخرها أنطون للتعبير عما يجول في باله ذات تأثير قوي. فنحن نقرأ عن أم تحوك كفناً لجنينها، وعن العيش بين حربين ونصف، وعن نوح الذي لا يصل الى أرض يابسة لاستمرار الطوفان، وعن غيوم ورياح تلف الموتى. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن للقارئ ان ينسى قصيدة ‘الى جنين عراقي’ (2002): ‘أتعلم/ بأن كوة الرحم/ تطل على وطن مصادر؟/ أتعلم/ بأن غدك بلا غد؟/ ودمك حبر/ للخرائط الجديدة؟… لا تخف!/ لن تكون وحيدا/ فأصدقاؤك كثر/ ويزدادون كل يوم/ ستلعب/ ارواحكم معا/ … لا تتأخر!/ فقبرك ينظر الى ساعته/ سنرتب عظامك برفق/ ونضع جمجمتك كزهرة/ فوقها/ هيًِا!/ تقدم!’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية