بين الحب والعلم تتوزع تحفة غاردر الجديدة ‘قلعة في البيرينيه’ رواية تستحق أن تُقرأ مليا وأن تُناقش

حجم الخط
0

زهرة حموديمثل الكاتب النرويجي جوستاين غاردر ظاهرة فريدة ومتميزة في عالم الأدب والرواية، حيث يستقي الرجل من مخزونه الثقافي والفكري والتعليمي، مادة أعماله، ويوظف موهبته الفنية الفائقة، ليقدم من خلال كل ذلك كتابات، يقال إنها أعمال روائية للفتيان والناشئة، بينما يعاني البالغون أحيانا من اللحاق بأفكاره المتداخلة بين الفن والفلسفة وعلم الفلك وعلم الأحياء. ويقال أيضا إن عمله أستاذا للفلسفة وتاريخ الفكر أصابه بالصدمة، لعدم اهتمام الناشئة بالمعرفة الفلسفية والفكرية، مما جعله يقوم بمحاولة تسهيل وتبسيط هذه المعرفة، وإخراجها على شكل نصوص روائية، لعلها تصل إلى متلقيه من أصحاب الأدمغة الغضّة. من الصعب على القارئ العربي الجاهل باللغة النرويجية، أن يدرك مدى سلاستها وشاعريتها، وذلك لعدم تمكن الكثير من العرب من هذه اللغة. ولذلك فهي غالبا ما تُنقل إلينا عن طريق لغة وسيطة مثل الإنكليزية أو الفرنسية. فإذا كانت الترجمة عن اللغة الأم خيانة، كما يقول النقاد، فما بالك إذا كانت عن لغة ثانية أو ثالثة؟

ومع ذلك نجد النص العربي الذي يصلنا قويا مترابطا بلغةٍ متينة، وعبارات أنيقة، تحثّ القارئ على التحليق في أجواء العمل، بشغف ولهفة، وكأنه مشحون بروح كاتبه، فلا يجد ركاكة أو تخلعا في السياق، ولا يعاني من الخلل الذي يستوطن الكثير من المُتَرجمات، ولعل الفضل في ذلك يعود إلى حرص الدار الناشرة؛ ‘دار المنى’، على الركون إلى أناس متمكنين من اللغة العربية، لا تنقصهم على ما يبدو القدرة على امتلاك ناصية اللغة التي ينقلون عنها، فتصل نصوصهم المترجمة إلى القارئ مشبعة بالروح الأصيلة التي لا شك أن المؤلف بثها فيها بداية، وإذا كانت الترجمة خيانة في النصوص الشعرية، فإنها في النصوص النثرية وسيلة ناجعة لتلاقح الثقافات، والإطلال على الإبداع القادم من بلاد أخرى وعلى رأسها الدول الاسكندينافية. يغوص غاردر في عوالمه العميقة، وينتقل من ‘سر الصبر’ الرواية التي شهرته بين أبناء جلدته إلى ‘عالم صوفي’ الكتاب الذي حمله إلى ما يزيد على ثلاث وخمسين لغة، منها العربية، مرورا برواية ‘فتاة البرتقال’ و’مايا’ الشاهدة على ولادة الألفية الثالثة، وصولا إلى ‘قلعة في البيرينيه’ موضوع هذا النص.

لقد اعتمد غاردر المراسلة أسلوبا لطرح أفكاره، ففي ‘عالم صوفي’ أوصل لقرائه تاريخ الفلسفة منذ فجر انطلاقتها وحتى اليوم، عبر البريد العادي، لتتحول كتاباته إلى رسائل إلكترونية في روايته ‘قلعة في البيرينيه’، الرواية التي تبدو حكاية عاشقين، كُتب لهما بعد فراق دام ثلاثين سنة أن يلتقيا في المكان نفسه الذي شهد آخر تواصلٍ بينهما. إذن التقيا، واستعادا في بضع ساعات سنوات حب، يبدو أنه ما زال كامنا في فؤاديهما، بالرغم من الحياة الأسرية التي بناها كل منهما بعيدا عن الماضي، وقبل أن يفترقا بعد ذلك اللقاء الخاطف، اتفقا على تبادل الرسائل الإلكترونية، في القادم من الأيام، فكرة اقترحها ستاين، وبادرت سولرن بإرسال الرسالة الأولى، وفيها اقترحت فكرة محو الرسائل فور قراءتها: ‘هل يمكن أن نتعاهد بصدق على حذف الرسائل الإلكترونية التي نتبادلها بعد الانتهاء من قراءتها؟ أعني حذفها مباشرة، في الحين والساعة، ما يعني حتمًا عدم الطباعة. أرى تواصلنا الجديد هذا أشبه بدفق فكري يتذبذب بين روحين، وليس مجرد تبادل رسائل تبقى بيننا إلى الأبد. أما مكافأتنا فهي أننا سنستبيح الكتابة عن كلّ شيء. لكلّ منا زوج، ولكلّ منا أبناء. وفكرة بقاء رسائلنا محفوظة في الكومبيوتر لا تروقني.'(ص:8)وتروق الفكرة لستاين، وبعد أن يعلن عن فرحته بعودة التواصل بينهما، يقول: ‘يناسِبني اقتراحك حذف الرسائل فورا بعد قراءتها، وحذف الردود حالما نرسلها. أنا مثلك لا أُحبّذ وجود أي شيء في حافظة الكومبيوتر قد أضطر إلى الكذب بشأنه. أحيانا يشعر المرء بالعِتْق عندما يجد مُتنفسًا لأفكاره وتداعِياتها. وفي وقتنا الحاضر كثيرة جدا هي الكلمات التي تُخزّن وتُصنّف على صفحات الإنترنت، أو في شرائح الذاكرة والأقراص الصلبة.’لكن هذه الرسائل تصل إلى كل الدنيا عبر رواية تحمل وجهتي نظر متباينتين واحدة يمثلها ستاين؛ بصفته الدعامة الأولى في الرواية، وثانية تمثلها سولرن بصفتها الدعامة الثانية التي تقوم عليها الرواية. وتعارض الآراء هذا تسبب بافتراق الحبيبين في الماضي البعيد، كما تخبرنا سولرن في إحدى رسائلها: ‘لا بأس يا ستاين، أفرحني التواصل معك، وفي الوقت نفسه تضمّن هذا التواصل تذكيرا بالأسباب التي باعدت بيننا. كان أحدها آنذاك، وهو كذلك الآن، الاختلاف الكبير بيننا في طريقة تفسيرنا لأشياء معيّنة اختبرناها معا. سببٌ آخر هو فَوقيتك وحَطّك دائمًا من شأن تأويلاتي’. (ص 18 ـ 19). كأن الروائي النرويجي يتحاشى مواجهة قرائه بحقيقة أن كتاباته تهدف إلى توصيل كل ما يشغله من تطور العلوم والمعارف، وما ينتج عن هذا التطور من منافع ومضار للبشرية جمعاء، لذا يحمّل أبطاله هذه المهمة عبر الرسائل المتبادلة بينهم، ولكن تبقى رواية ‘قلعة في البيرينيه’ نصا يدهش متلقيه، فهو حوار إلكتروني بين عاشقين، يحمل البطل فيها رؤية عقلانية علمية خالصة لكل ما حوله، وتؤمن البطلة بعالم الغيب والماورائيات، فترى أن اللقاء بعد هذه السنوات الطويلة لم يكن محض صدفة كما يؤكد صديقها: ‘لا تقُل لي إنها ليست إلا محض صُدفة. لا تقُل لي ليس هناك قوى خفية توَجّهنا!’ (ص:7) تردد ذلك مرتين في السطور الأولى التي تخطها، وكأنها تريد التأكيد على ما تؤمن به. وهو يجيبها بزلة لسان: ‘… بسحر ساحر هناك كنتِ (…) إلا أنني لا أومن بالقدر يا سولرن، أنا حقا لا أومن به’. ( صً:16). هكذا يبدأ تبادل الرسائل ليستمر بالوتيرة عينها من تعارض الأفكار، مما يوقع المتلقي بحيرة، هل يقرأ حكاية حبيبين فرّق بينهما تمسّك كل منهما بوجهة نظره، أم يبحر في أفكار عن الكون وكيفية انبلاجه، عن الفضاء وكواكبه ونجومه، عن الحداثة ومخاطرها على البيئة… وعن… وعن… كل ذلك موجود بين صفحات الرواية الـ 218، ويتمازج ما جمع ستاين بسولرن، وما حدث بينهما وما فرقهما، بأسلوب رشيق، لا يحتاج إلى اعتماد مقاطع جديدة، أو افتعال فواصل، فيختلط العشق بالنظرية العلمية من دون أن يُرهق القارئ، وتتداخل الأزمنة في الرواية ـ كما هي عادة الكاتب بطريقة جميلة، ومشوقة من زمن عشق مضى، إلى زمن اللقاء الصدفة، وصولا إلى زمن تبادل الرسائل. والتداخل هذا لا يشعر المتلقي بالتشوش، بل على العكس يحمله على التمسّك بقراءة كل التفاصيل، حتى لا تفوته جمالية الصياغة الأدبية، أو يضيع منه ترابط الأحداث، أو يفقد لذة ما يريد الكاتب شرحه له من نظريات علمية. ففي الروايات الرومانسية، قد يعمد القارئ إلى تجاوز بعض الصفحات، شوقا لمعرفة نهاية القصة، وفي الأعمال العلمية المتخصصة، قد تُضْجر المادة الجافة المطلع عليها، فيغلق الكتاب، ويبحث عن سواه. لقد عمد عالم الفيزياء الأمريكي كارل ساغان إلى الكتابة عن الكون بأسلوب أدبي لأنه، كما قال، أراد أن يبسّط الفيزياء للقارئ العادي، ولا أحد يستطيع أن ينكر مدى ما حققه من نجاح في هذه المهمة. إلا أن جوستاين غاردر؛ الأستاذ الجامعي والأديب في آن، أراد أن يوصل جل ما يختزنه من معرفة إلى قرائه عبر أعماله الروائية، لتأتي روايته التي بين أيدينا تحفة علمية وتحفة أدبية في الوقت نفسه، حيث يمكن القارئ أن يُلمّ بكثير من أسس القضايا الحياتية المعاصرة، التي تهم كل من يسكن هذه القرية الكونية، وحيث أيضا يروي ظمأه العاطفي بمتابعة حكاية حب جميلة، قد تحدث في أي بقعة من الأرض ومع أي عاشقين. والملفت في الأمر أن ‘دار المنى’ عمدت إلى تزيين غلاف الكتاب الداخلي بخريطة تبين الأمكنة التي شهدت أحداث الرواية، حفاظا على أمانة النقل عن الرواية بلغتها الأم. ولا يمكن إلا أن نسجل على غاردر إشاراته الخفية إلى التميز ‘الذكوري’، كما لو أننا نقرأ عن أحداث دراما تأخذ مجراها في عوالمنا العربية ‘القبلية’، وليس من البلاد الاسكندينافية التي حملت راية المساواة بين ما هو ذكوري وما هو أنثوي. ففي الرواية نجد أن البطلة، كانت صاحبة فكرة محو الرسائل فور قراءتها، ثم لا نلبث أن نكتشف لاحقا أنها قد احتفظت بها، بينما التزم البطل بالاتفاق، وكأنما الرجال أينما كانوا، كلامهم كلام رجال!

وعود على بدء، ما تسبب بتفرق العاشقين كما تذكّر سولرن حبيبها القديم:’… سببٌ آخر هو فَوقيتك وحَطّك دائمًا من شأن تأويلاتي.’ القصة هي، هي منذ أبينا آدم حتى اليوم قصة اتهام النساء بأنهن يقلن ولا يفعلن، والرجال يقولون ويفعلون! يتضمن العمل الأدبي عادةً جانبا من جوانب شخصية الكاتب، وقد يكون الكاتب نفسه هو الراوي وهو البطل الرئيسي في ذلك العمل. وفي أعمال غاردر نتلمس دائما شخصية الأستاذ الجامعي في كل ما يطرحه من نظريات. لكن المهم في أعمال غاردر، أنه على الرغم من النظريات التي يبثها في أعماله، والتي ربما تنبع عن قناعة شخصية، لا يمسك بخناق القارئ محدّدا له الدرب الذي ينبغي أن يختاره، بل يترك له حرية الاختيار، مقتصرا على تحريض ذهنه على التحليق في عوالم ربما لم يطرقها من قبل. وفي الختام لا يمكن إلا القول إن رواية ‘قلعة في البيرينيه’ رواية تستحق أن تُقرأ مليا وأن تُناقش. * قلعة في البيرينيه رواية من 218 صفحة من القطع الوسط المؤلف جوستاين غاردر النص العربي بقلم سكينة ابراهيم صدرت عن دار المنى ـ السويد عام 2010

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية