الذهبية لعمل جزائري تونسي عن معركة بنزرت ضد الفرنسيين

حجم الخط
0

اختتام المهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران:

وهران ـ ‘القدس العربي’ ـ من فاطمة عطفة: كنت أشعر وأنا أودع هذه المدينة الجزائرية الجميلة بما يحز في القلب من تأثير البعد الذي تشكله المسافات الجغرافية، التي تفصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه وتجعل اللقاءات بين الأشقاء قليلة متقطعة، لا تتواصل إلا بالمناسبات. هذا الشعب الجزائري العظيم بكل فئاته لا تتجلى عظمته فقط في تاريخه الجليل وذكريات ثورته المضيئة، بل في بناء وطنه وإنجازاته الحديثة كذلك. كان استقبال مدينة وهران وأهلها لضيوفهم القادمين من جميع الدول العربية، من مخرجين وممثلين وإعلاميين ومنتجين، وما لاقيناه من اهتمام ومحبة لكل عربي من دون تمييز، شيئا يشرح الصدر ويشعرك بأنك التقيت أهلا لك كنت غائبا عنهم، وها أنت بينهم بكل ما تحمل من شوق ومحبة. هكذا كانت أيام ‘المهرجان الدولي للفيلم العربي بوهران’، بدورته الرابعة، علامة فارقة في الاستمتاع بجمال المدينة وروعة الاستقبال وكرم الضيافة وحسن التنظيم وجدية النقاش، ما أضفى على العروض السينمائية التي قدمت على مدى ثمانية أيام مزيدا من البهجة، وخاصة في وسط هذا الحضور الكبير من جمهور ومحبي السينما في هذه المدينة الجميلة، بغض النظر عن تميز بعض الأعمال التي اختيرت لهذه العروض والتي تفاوت بعضها الآخر بين الوسط والضعيف، هذا بين الأفلام الروائية الطويلة. أما على مستوى الأفلام القصيرة، وأكثرها أعمال شبابية، فقد كان أغلبها مبشرا وأثبت صانعوها حضورهم في الإبداع والنجاح، سواء من حيث اختيار الموضوع أو بناء السيناريو أو الإخراج. وقد بدأت كتابة هذه الأسطر قبل الإعلان عن الأعمال الفائزة.

إن نتيجة الأفلام الفائزة ومن يحصل على الجائزة لم تكن تشغلني بعد أن شاهدت معظمها وسمعت من بعض الحضور عن قوة الأعمال التي قدمت في المهرجان، لأن نتائج التحكيم خاصة بأصحابها، ولا بد أن يكون للرصيد الثقافي والتوجه الفكري والذائقة الفنية والحس الجمالي لدى كل عضو في هذه اللجان أثره وقناعته. وأنا سأقدم في هذا التقرير السريع رؤيتي المتواضعة الخاصة بي وبما شاهدته في العروض التي قدمت، إضافة إلى رأي بعض المختصين بالفن السينمائي وبعض المشاهدين لهذه الأعمال.

وكان أمرا سارا أن تلتقي نتيجة التحكيم مع آراء معظم النقاد والجمهور في حصول فيلم ‘النخيل الجريح’ لعبد اللطيف بن عمار على الجائزة الذهبية، وهو عمل جزائري تونسي مشترك، وهو يعود إلى معركة – بنزرت- في 1961 التي جرت بين الجيش الفرنسي والآلاف من الوطنيين التونسيين المتطوعين. حيث بدأت – شامة – عملها لدى كاتب كلفها بنسخ مخطوطة له عن تلك المعركة فتكتشف من خلال النص أشياء مخيفة عن تلك المجزرة وفقدان أبيها ودور مؤلف الكتاب في هذا. وكان جديرا أن يحظى هذا الفيلم بالجائزة الذهبية للمهرجان، وإن خرجت حوله همسات من الغيرة بدعوى أنه يتناول موضوعا قديما، وخاصة عند المقارنة بأفلام تطرح موضوعات حديثة. وكانت جائزة أفضل سيناريو من نصيب الفيلم المغربي ‘منسيو التاريخ’ لحسن بن جلون. وهو يعالج فيه يأس الشباب في بلدان الجنوب، وكذلك الاستغلال الجنسي للنساء، عبر العالم. ويندد المخرج بالاستعباد الجنسي للمرأة، الذي تمارسه منظمات إجرامية تمتد شبكاتها إلى أكثر من مكان في هذا العالم. أما الفيلم اللبناني’شتي يادنيي’ للمخرج بهيج حجيج فقد حصل على جائزة أفضل إخراج. وحصل فيلم ‘الساحة’ للمخرج الجزائري دحمان اوزيد على الجائزتين الذهبيتين لأفضل ممثل وأفضل ممثلة بشكل جماعي، وهو كوميديا تلعب الموسيقى فيه دورا مرحا، في إطار المسابقة الرسمية حيث أخذ المخرج دحمان أوزيد خلال ساعتين من البهجة والفرح في حي شعبي، حيث تعيش مجموعة من الأصدقاء الشباب الذين تختلف أحلامهم وهواجسهم ورغباتهم، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة، وهي حب الموسيقى. وبالموسيقى والغناء يعبر هؤلاء عن أحلامهم ورؤاهم حول واقعهم الذي يغرق في المشاكل الاجتماعية. تبدأ العلاقات العاطفية وينمو حب تشكيل فرقة موسيقية عصرية، يختلفون ويتفقون.. يتناقشون ويتشاجرون، لكنهم يقفون صفا واحدا في وجه مخطط للاستيلاء على فضائهم الوحيد. وفي هذا العرض الجميل الذي تجاوب معه جمهور كبير دليل على أنه من الأفلام الجميلة التي لاقت قبولا من الحضور، خاصة وهم يرفعون الحذاء لبوش بشكل كوميدي مضحك، إضافة إلى العديد من اللقطات السياسية والكوميدية.

أما لجنة التحكيم فقد منحت جائزتها للفيلم العراقي’كرنتينا’ إخراج عدي رشيد، حيث يحكي قصة قاتل محترف يجسد على أرض الواقع مهاراته في بغداد. يعيش في عمارة مهجورة إلى جانب عائلة مهجرة يحاول متابعة أحزانها. والفيلم يتحدث أيضا عن الوضع الذي وصل إليه العراق وقدر العديد من الشخصيات.

وفي فئة الأفلام القصيرة، منحت الجائزة الذهبية مناصفة لفيلمي ‘صابون نظيف’ للمخرج التونسي مالك عمارة، و’كراكوز’ للجزائري عبد النور زحزاح. وحصل الفيلم السعودي القصير ‘القندرجي’ للمخرجة عهد كامل على جائزة لجنة التحكيم.

وكان حفل افتتاح مهرجان وهران قد بدأ بفيلم ‘الخارجون عن القانون’ للمخرج الجزائري رشيد بو شارب، ويعتبر سابع عمل لرشيد بو شارب، وكان قد اختير في القائمة الرسمية لمهرجان كان. تبدأ أحداثه مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويتحدث عن ثلاثة أخوة جزائريين تربطهم علاقة حب لأمهم ولوطنهم. يلتقي هؤلاء الأخوة في باريس وينضمون للحركة السرية الجزائرية في نضالهم ضد الاحتلال، وتضامن مع قضيتهم بعض الفرنسيين، وحين يكتشف الأمن الفرنسي التزام الجالية الجزائرية المهاجرة بالنضال من أجل استقلال بلادها، تتعرض لقمع دموي رهيب في قلب العاصمة باريس.

وتناول فيلم ‘بس يابحر’ للمخرج الراحل خالد الصديق، جوانب من تاريج الكويت البحري، وحياة الكويتيين وبعض التقاليد الشعبية بشكل درامي مؤثر، ما يجعل له مكانة متميزة ليس على مستوى منطقة الخليج العربي وإنما في تاريخ السينما العربية.

ومن الأعمال التي لاقت إعجاب الجمهور والنقاد معا ‘عقارب الساعة’ للمخرج القطري محمد خليفة، حيث عرض حكاية شبه أسطورية قائمة على مشاركة الجن، تعود بأحداثها إلى بداية القرن العشرين وتقع في قرية صيادين في شمال قطر.

ومن تونس جاء عمل معز كمون ‘نهاية ديسمبر’. ومع نهاية ديسمبر، تنتهي السنة وتبدأ ثلاث شخصيات لا تعرف بعضها بعضا بحياة جديدة: آدم الطبيب لم يعد يطيق حياته العادية الرتيبة والحزينة، يقرر العيش في قرية صحراوية بعيدة، بينما عائشة الفتاة العشرينية تعمل في ورشة خياطة وقد وقعت ضحية رجل ادعى حبها ثم تركها خائبة شبه محطمة، وسفيان مهاجر يبحث عن زوجته ويعود إلى قريته، ويدور الفيلم حول مصادفات الحياة والتقاء الإرادات والعواطف.

أما ‘حراس الصمت’ للمخرج السوري سمير ذكرى، فكانت أصداء عمله غير إيجابية وشكل العرض انتقادا كبيرا من الحضور، وكان هناك تململ من طول الفيلم، رغم أن كلا من الممثلة نجلاء خمري ومديحة كنفاني كان أداؤهما مريحا وجميلا وربما كان لجمالهما أثر واضح في ذلك، لكن المخرج لم يكن موفقا في حبكة الفيلم والإخراج، وإن اعتمد على رواية لغادة السمان تعالج موضوع البحث المضني عن الحقيقة والمصاعب التي تواجهها الفتاة ‘زين’ وهي تسعى للكشف عن جريمة مصرع امرأة اسمها ‘معزز’، وهي تدري أن أمها قتلت في ظروف مشابهة، لكنها تجابه دائما بجدار من الصمت.

فيلم ‘ميكرفون’ للمخرج المصري أحمد عبد الله قدم في آخر أيام المهرجان، ويحكي عن شباب مصريين يتجهون بشغف إلى أشكال جديدة للتعبير. حيث يعود خالد من الغربة إلى مدينة اسكندرية، ويلتقي مع مغني ‘الهيب هوب’ على أرصفة المدينة الساحلية، ويشتركون برقصة ‘الروك’ على سطوح العمارات المهجورة، بالإضافة إلى فنانين هواة الرسوم الجدارية التي ينجزونها في الليل على الحيطان، وعن دافع الشبان وكانت الرؤية كأنها تحكي ما يجري في الأنفاق والبارات الأوروبية والفرق الموسيقية التي تعزف فيها، وكانت أصداء الفيلم غير موفقة من قبل الحضور. وقد عبرت الناقدة المصرية صفاء الليثي عن عدم رضاها عن نتيجة التحكيم وكانت تتمنى أن يحصل هذا الفيلم على جائزة.

ويروي محمد الدراجي في فيلم ‘ابن بابل’ قصّة المفقودين العراقيين بسبب الظروف الأمنية المتدهورة التي يعيشها العراق جراء الحرب، من خلال حكاية عجوز تصطحب حفيدها في رحلة بحث عن جثمان ابنها المفقود، وتذهب لإحدى المقابر الجماعية لعلّها تجده. وفي نهاية الفيلم تتوفّى الجدة وسط صراخ حفيدها الذي يترجّاها بألا تتركه وحده.

أما فيلم ‘ثوب شمس’ للمخرج سعيد سالمين فيصور في بيئة (الإمارات- سورية)، يعالج الفيلم من خلال قصّة معاناة صمّاء، فكرة الإنسان المعاق ضمن تساؤلات عن مدى إمكانية تحقيق أحلامه وسط صراعه المستمرّ مع المحيط الذي يعيش فيه. تتخلّل الفيلم أحداث درامية تنتقل بشكل فانتازي بين واقعين مختلفين.

وفيلم ‘طاكسيفون’ للمخرج محمد السوداني من الجزائر يقدم قصة زوج سويسري وزوجته، يعبران الصحراء الجزائرية باتجاه طومبكتو حيث ينويان بيع شاحنتهما لتاجر مالي، وبعد أن تعطلت الشاحنة في الصحراء، وخلال معاناتهما يكتشفان محلا للتحف التقليدية والأدوات الحرفية ويقومان بعمل مشروع وتنتهي حياتهما الزوجية بالفشل.

جدير بالذكر افتتاح صالة ‘المغرب’ التي شهدت عروض الأفلام الطويلة، وكانت مغلقة حوالي مئة عام، إضافة إلى صالة ‘السعادة’ التي استقبلت عروض الأفلام القصيرة، وصالة ‘متحف السينما’ لوهران.

ومع انتهاء المهرجان، أتوجه بكل المحبة والتقدير والشكر لهذا البلد العربي الأصيل وهذه المدينة الجميلة، ولجميع من التقيناهم في وهران أو في العاصمة من منظمين لهذا المهرجان ومشاركين فيه، إضافة إلى جمهور السينما وعشاق الفن الأصيل من أهلها الكرام، نودع الجزائر ونتمنى لها ولشعبها العظيم الاستقرار والأمان والازدهار حتى يتمكن من مواصلة مسيرة البناء، والثقافة في طليعة المسيرة لأنها منارة الأمة وزاد تطورها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية