مزوار الإدريسي’آبار الليل’ هي المجموعة القصصية الأخيرة للروائي والقاص عمر وُالقاضي، بعد إصداره لثلاث روايات (البرزخ، والطائر في العنق، ورائحة الزمن الميت)، ومجموعة قصصية (سوء الظن)، وسيرة قصصية/روائية (الجمرة الصدئة). تتألَّف ‘آبار الليل’ من اثنتي عشرة قصة قصيرة تمَّت تشظية بعضها، فغدت في حالات كثيرة قصصا قصيرة جدا متضَمَّنة في أخرى، تميزُها عناوينُ فرعيَّة تجعلُها بحقٍّ بمواصفات القصص القصيرة جدا، التي بالوُسع قراءتها في انفصال تام عن النص الإطار أو الأم.
تحتجن قصصُ ‘آبار الليل’ بحكايات متنوعة، مسرودة بلغة رفيعة، تضمن لها الانتماء إلى قائمة الأعمال الأدبية؛ فهي حكاياتٌ تتوزع بين استعادة المعيش الطفوليّ واليوميّ للذَّات، التي تُسبَرُ عوالِمُها، ومعيشِ الآخر في محيطه المتاخم للذات الساردة.
يتمثَّل العالَم في’آبار الليل’ قائما على الإيجاز. والإيجاز سمة بلاغية، بل إنه لُبّ البلاغة، حتى إنها عُرِّفتْ به، فقد امْتُدِح قديما بأن قيل ‘البلاغة الإيجاز’، كما نُوِّه به حديثا، ويكفي أن نُذكِّر بخورخي لويس بورخيس الذي رأى في ‘الرواية وعدا بالملل’ وبذلك برَّر عدم إتمامه قراءة عوليس لجيمس جويس، بل إنه التزمه في إبداعه جميعه، ولعل ذلك ما يفسِّر اكتفاءه بكتابة القصص. إنَّ الإيجاز في ‘آبار الليل’ مهيمنة تَسِمُ الجملة السردية والقصةَ حين تشظِّيها، والصورةَ القصصية، ولن تعوز القارئ ولا الناقد الشواهد على ذلك، ولكأني بعمر والقاضي يطبق المبدأ الإبداعي والنقدي لبورخيس في ذهابه إلى أن ‘القصيدة الطويلة ليست سوى توال لقصائد قصيرة’، بإبدال كلمة قصيدة بقصة، فتكون ‘القصة الطويلة ليست سوى توالٍ لقصص قصيرة’. ذلك أن التأمُّل في قصص المجموعة يكشف عن أنَّها في أساسها قصص قصيرة جدا، تكاد تكون ومضات، تَتَضامُّ إلى بعضها لتُقدِّم لنا قصة أطول، يَخْلُص قارئُها إلى أنها- لا محالة – إبداع أدبيٌّ مطبوع بالكمال والمتعة. تهتم مجموعة ‘آبار الليل’ بمعالجة قضايا عديدة بجرأة فنية عالية، فهي تنتقل من مآسي الهجرة إلى الضفة الأخرى، إلى جور السلطة، إلى واقع المرأة، إلى نقد الحداثيين، إلى النقد الأدبي، إلى فضاء المقهى، دون أن تغفل عن استلهام التراث كقصة إسماعيل وإبراهيم، أو التعابير والأساليبب التراثية في هجنة لطيفة، يمكنُ تأويلها بلاغيا بأنها ‘افتنانٌ’ موسَّعٌ، بما يعنيه من ‘الاختلاف بكل أشكاله وتجلِّياته- التي تتجاوز الاقتصار على عنصر الجمع بين غرضيْن متضاديْن’، كما الحال مع الالتفات.
لا تحمل أي قصة من قصص ‘آبار الليل’ هذا العنوان، ومع ذلك فإن القارئ الحصيف لن يعدم في النص إحالات تسمح له بتأويل العنوان، وبإيجاد تخريجات منطقية لدلالته، تُفسِّر هذا الاختيار. يتسرب المعيشُ، الذي يغدو متَخَيَّلا، في لغة أنيقة عبر نافذةِ الُحُلم، ليؤكِّد صدْقَ قولةِ خورخي لويس بورخيس بأن ‘الأدب ليس شيئا آخر سوى حُلُم موجَّه’. يقوم الحلم في ‘آبار الليل’ بدور السَّداة التي تلحم القصص، بل إنه الثابت في القصص، حقيقة أنه يتخذ تجليات متنوعة، لكنه يظل ما يطبعها جميعا سواء بالإعلان عن ذاته عبر التصريح بلحظة الاستيقاظ من النوم، كقول السارد ‘تراءت له قريته مبتسمة، فابتسم بدوره. عندما استيقظ استحسن نهاية حلمه!'(ص22) أو ‘ولهول السيل الذي رآه مقبلا نحوه استيقظ'(ص47)، أو و’دفقة أيقظتني من حلمي، لكن الشيء الذي آلمني هو: لماذا يسمونه بيت الراحة؟!'(ص76) أو قوله: ‘كنت أعرف كل شيء كما يحدث في الحلم!'(ص92)، أمْ بإضفاء أجواء تحيل على الحلم، كما حدث في قصة ‘مجرد دخان’، حيث نهاية الرجل صاحب ‘الشورط’ وكلبِه تقترن بالتلاشي وسطَ الدخان، واندثار أثرهما. وكما في قصة ‘خيول الرهان’ التي تستهل بالحلم هكذا: ‘.. هو بين النوم واليقظة، يغفو ويصحو.'(ص49)، وكما في ‘قصة البئر’ التي يختمها السارد بالقصة القصيرة ‘ثالثة الأثافي’ التي ينتهي الأمر فيها بالبطل على النحو الآتي: ‘في الصباح، وجد نفسه في فراشه في كوخه الصفيحي'(ص62)، وكما في قصة ‘شهادة الوفاة’ التي مدار الحكي فيها حُلُم يتذكَّرُه البطلُ جيدا؛ يقول السارد: ‘إنه يتذكر الحُلُم جيدا، قد يحتفظ به لنفسه لافتقاده إلى الزمان والمكان، لكنه حُلُم يمكنه التحرر منه من متى وأين؟'(ص65)، إنه حلُم يتقاطعُ مع الموت، لأن السارد يُطلِعُنا على أن البطل ‘عاد إلى منزله، وهناك نصبوا له كمينا لم يستطع النجاة منه. مات. فكَّكوا نسيجه، خيطا خيطا حتى لم يبق شيء يدل عليه'(ص70)، هذا البطل نفسُه الذي يعيش حالة قرينة بالحلم، بل هي الحلم نفسه، تتمثَّل في عدم القدرة على التكلُّم، لأن الحُلُم لا كلام فيه، ‘شكرَهم في سرِّه، لأنه منذ اختفاء قرَّة عينه وحبة سويداء قلبه، فقَدَ النطق!’. إن حالة فقدان النطق هذه هي المسوِّغ الذي يسمح باعتبار قصَّة ‘ندم’ الراصدة للقاءٍ بين السارد من جهة ومعلِّمه وأستاذه من جهة ثانية قصَّةَ حُلم، وتصرُّف الشخصيتيْن لا يمكن أن يكون إلا في حلم، ثم إنَّ ختْمَها على الصيغة التالية: ‘بصوتٍ متهدج، مبحوح، متحشرج ناديتهما: – أبو.. اي. أب.. واي!'(ص10) يحيل على الحلم، حيث التقطُّع والحشرجة، وتشتت المشهد.
يتحوَّل الحلم إلى سرد لا نهائي، يلتقط تفاصيل الحياة، فيصيِّرها فضاء لغويا تحضر فيه الذاتُ والهويَّةُ واللحظة التاريخية والحياةُ مرئيَّةً، وفي الوقت ذاته يتحوَّل هذا الحلم أيضا إلى أداة للبحث في الواقع باعتباره حصيلة تجارب، أي أنه أفلح في’تحويل الحلم إلى حياة وفي تحويل الحياة إلى حلم’، حسب عبارة مارْيُو فارْغاس يُوصَا في كلمته في ستوكهولم، بل إنه يلجأ إلى إطالة الحياة بالحُلم وإلى إطالة الحلم بالحياة. ***ينتهي المُطلُّ على’آبار الليل’ إلى أن القاصَّ عمر والقاضي يمتلك ناصية الخلق الأدبي بمقوماتها الناضجة، فهو يكتب انطلاقا من منظور إبداعي أصلي، حيث التفاعل المبهج بين اللغة والأسلوب والتقنية والإيقاع والرؤيا، أي أنه تتوافر لديه أدوات إحكام صنعة الكلام التي تستوفي الأدب حقَّه، لأنه يتقن ملء الفراغات التي تنقص القصص إمَّا باستحضار وقائع تاريخية أو غيرية، أو ذاتية، وتلك لعمري غاية الأدب. ‘ كاتب من المغرب