عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان مراكش ‘حياة غير عادية’: الواقعية الايطالية بنكهة هوليوودية

حجم الخط
0

حسن بنشليخةعندما واجهت السينما الايطالية مأزقا، الواقعية منها والواقعية الجديدة، اقترحت عليها هوليوود تجديد أسلوبها ونهجها لمسايرة العصر. وهذا بالضبط ما صنعه كلوديو كوبيلي في ثاني إخراج مطول له إذ يفتتح فيلمه بانفجار في فندق بألمانيا اضطر معه مجرمان ايطاليان من عصابة الكامورا، كانا قد نزلا به، إلى الرحيل إلى فندق آخر يمتلكه مهاجر ايطالي ويحمل اسمه: روزاريو. وروزاريو هذا رجل توج بالنجاح في إدارة مطعمه وفندقه مع زوجته الألمانية المخلصة المحبة التي أنجبت له طفلا هو الان في التاسعة من عمره واستقر معهما في ألمانيا لينعم بـ’حياة هادئة’، عنوان الفيلم المضلل. لكن الانفجار هو في حد ذاته رمزي حيث يرفع الستار على القلب العاطفي للقصة ويقلب حياة روزاريو رأسا على عقب يتحول معها إلى بركان يقذف الحمم. سينما تحاول استعادة مجدهاقلب قصة ‘حياة هادئة’ هو في واقع الأمر قصة رجل في الخمسين من عمره تقريبا يحاول تحقيق التوازن بين الماضي والحاضر على أمل تحقيق السعادة والراحة في المستقبل. لكن ماضيه يرجع فجأة ليطرق على بابه وينهي سنواته الخمس عشرة التي نعم بها في ألمانيا ويرغمه مع نهاية الفيلم على انتحال هوية جديدة والهرب من جديد. فاحد المجرمين، دياغو، الذي نزل ضيفا في فندق روزاريو لإنهاء مهمته في صمت لعصابة الكامورا الايطالية بوقف مسودة تتعلق بالنفايات، هو في الواقع ابنه الذي تخلى عنه في الماضي. ولن يضيع الابن الوقت الكثير ليضع أباه أمام ماضيه الدامي وتضطرب حياة روزاريو. وتتقلص الدائرة ولا مفر من الصدام ولا سلم قبل معالجة المحنة. إنها قصة تمتزج خيوطها لتبحث في العلاقة بين الضوء والخيال بنكهة واقعية عميقة وقوية عاطفيا وبصورة جذابة. كما أنها تحقق في العلاقات بين الأجيال وخطايا الماضي والضمير اللامسؤول والصمت والارتباك والتوتر الدائم حتى نقطة الانهيار. وتتراكم الأحداث ويلوح الموت في الأفق ولا مخرج أو مفر لبطل الفيلم. ويحمل الفيلم بتقنية جمالية جديدة البصمة الهتشكوكية، اذا صح التعبير. فالقصة حبلى بالمفاجآت التي أعدها المخرج للمشاهد. وهكذا يأخذنا في العديد من التحولات المفاجئة للشخصيات فكان دائماً يستخدم عامل المباغتة وعدم التوقع ليجعل المشاهد في حالة مستمرة من الترقب والإثارة. ولا يمكن فهم ملابسة المؤامرة كليا، رغم أن الفيلم يسرد لنا بعض الوقائع في حلقة متواصلة تظن معها انك اقتربت كثيراً من فهم القصة، وتأمل جيداً أن المشهد القادم سيوضح لك الصورة أكثر. لكن يجب على المشاهد أن يكون متأهبا للمشاهد المفاجئة المتلاحقة التي لن تستطيع التحول عنها حتى ينتهي الفيلم، فجأة. كل هذا بإخراج قياسي رائع وادوار مقنعة للابطال لكن على الطريقة الهوليوودية وليس في الفيلم ما يوحي بأنه ايطالي لولا اللغة والممثلون. والفيلم في الحقيقة يتمتع بلمسات فنية خاصة بالمخرج على كل المستويات والتفاصيل الخاصة بصناعة الفيلم ككل، من سيناريو، وموسيقى ومونتاج بالإضافة لأسلوب الإضاءة وحركة الكاميرا والتصاعد في الدراما حتى يصل بالأحداث لذروتها. ويستغل المخرج كل طاقات ممثليه الإبداعية ويوفر لنا الحطب والزيت لتظل القصة مشتعلة ويقدم الفيلم بطريقة مشوقة مثيرة تجعل الأنفاس تتلاحق والفزع يسيطر على المشاهدين ليستمتع به المتفرجون حتى المشهد الأخير. ويعمل المخرج كذلك على التركيز على النواحي النفسية والمشاعر المختلفة لدى أبطاله، والدوافع التي تدفعهم لارتكاب جريمة معينة، فيصدم المشاهد عندما يرى شخصية هادئة وسوية هي التي كانت وراء الجريمة ونكتشف في نهاية الفيلم أن هذه الشخصية مضطربة نفسياً وهذا ما دفعها لارتكاب الجريمة. وعند انتهاء الفيلم، عند هذه اللحظة فقط، يمكنك أن تلتقط أنفاسك مرة أخرى. حمل توني سيرفيو الذي لعب دور روزاريو، وزر بطولة هذا الفيلم بكل براعة وأوصل رسالة المخرج في أبهج صورها وبرع في التعبير عبر جميع المراحل المؤثرة في الفيلم وحقق انجازا وإبداعا هائلين على كافة المستويات وذكرنا بالممثلين الايطاليين العمالقة أمثال فيتوريو غاسمان، روبيرتو بنيني، جيان كارلو جيانيني ومارسيلو ماسترياني وغيرهم. إلا أن الفيلم سرعان ما يبهت لونه وتتلاشى أهميته حيث تحول من فيلم يحمل في طياته الوعي الاجتماعي أو السياسي بقضية تدور حول مسألة حساسة ومهمة مثل مشكلة النفايات التي تتجاوز حدود محليتها إلى عنوان رخيص يعتمد على الجنس والعنف والانتقام. وسقط الفيلم إلى الحضيض بالطريقة التي تخلص بها روزاريو من ادواردو، شريك ابنه. إنها طريقة غير مقنعة بالكامل ألحقت الضرر ليس بالفيلم فقط بل بالسينما الايطالية التي استقطبت المشاهد العالمي بسحرها واستحوذت على مخيلته بإبداعات التصوير والإخراج والموسيقى والتشويق في شكلها المبسط والتزامها الهادف. ورغم الدور المتميز للبطل الرئيسي والبطلين الآخرين يستحيل على الفيلم أن ينال أي جائزة. وعموما يعتبر الفيلم محاولة لاستعادة المجد الضائع لكن بدون اللمسة الايطالية التي تحمل في ثناياها النفحات الروحية والقيم الجمالية والرسائل الإنسانية التي تعودنا عليها من زمان خلا.’ مخرج وناقد سينمائي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية