ترنيمة فلـسطينية بلكنة فرنسية ‘الزاسية’

حجم الخط
0

خليل قانصو تتباهي مدينة ستراسبورغ الفرنسية عاصمة منطقة الالزاس، والواقعة على حدود ألمانيا بأنها ‘عاصمة الميلاد’ أيضا، إذ تلبس في شهر كانون الأول/ديسمبر زينتها وتتحلى بالاوشحة المرصعة بالأضواء.. وتجاريها في هذا التقليد المدن والبلدات القريبة منها، مما يـُصبغ حلـّتها بألوان زاهية تزيدها ابهارا نتف الثلج المتساقطة فوقها، وهذا كله يجذب إليها الكثيرين من الزوّار والسيـّاح الذين كنت، هذا العام واحدا منهم. وبالمناسبة أتيح لي أن أستمع في ليل 18.12.2010، في كنيسة مدينة ميتزيك التي تبعد مسافة قصيرة عن ستراسبوغ، إلى جوقة انشاد، قدمت حفلا لصالح جمعية تعمل على تحسين شبكة الكهرباء في بعض الأماكن في بوركينافاسو، تضمن ترانيم وأشعارا عن العدالة والسلام والأمل، مختارة من تراث الشعوب المعذبة في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وكم كنت سعيدا عندما صدح المغنون، على أنغام لحن شرقي، بترنيمة فلسطينية صيغت على وزن الموّال الشائع في أنحاء الأقطار السورية ‘عالياديل يادي ياديل’. وكان في نطقهم للعربية لكنة أضفت على خليط الطرب والجمال مسحة سحرية. لقد سرني أن يصل من الفلسطينيين صوت أو نشيد أو رسالة، إلى ستراسبورغ، ومنطقتها الالزاس، وهي بامتياز، منطقة فرنسية ألمانية، بمعنى أنه على مدى التاريخ، حاربت أجيال من سكانها إلى جانب الألمان ضد الفرنسيين، وسبقتها ثم أعقبتها أجيال حاربت إلى جانب الفرنسيين ضد الألمان، إلى إن صارت الحدود بين فرنسا والمانيا، أقرب الى الحدود بين مدينتين أو بلدتين، منها إلى الحدود بين دولتين. لا مجال للمقارنة بين هذه الحدود وتلك التي تفصل بين دول الأشقاء العرب، ومن ضمنها لبنان وسورية طبعا، اقتساما للإرث من ناحية، ومشاركة وتعاونا من ناحية ثانية، أو أن الاشقاء يتنازعون عندما يموت الأب، غير أن العمال والبنائين يتنازعون أحيانا في البدء، ولكنهم لا يلبثوا أن يتبينوا بأن انجاز العمل والاستفادة من مردوده يتطلبان المشاركة بأمانة واستقامة.

من البديهي أن تترك ترنيمة فلسطينية، أو لحن فلسطيني، في كنيسة ألزاسية، أثرا كبيرا في النفس وان تحرك مشاعر كامنة في دخيلة السائح المهاجر من قطر عربي، هربا من تقاتل الجماعات والقبائل والطوائف والمذاهب، كل يريد الإرث له وللمستعمرين حصرا. فالدلائل والوقائع تؤكد أن القضية الفلسطينية هي جوهرة التاج، أو شريان الوجود الجمعي في غالبية الأقطار العربية، لذا لا مفر من استعادتها ومعالجتها، قبل أن يتعاظم الاضطراب الدائر في الراهن، وتنقلب الأوضاع رأسا على عقب، عندئذ لا ينفع الندم، ولكن هل تنفع قولة يكررها مهاجر؟ هذا كله يحمل على التساؤل عن الغاية من وراء الهجوم الذي وقع في 31 تشرين الأول/اكتوبر 2010 على المصلين في كنيسة النجاة في بغداد، وهو ليس الهجوم الأول من نوعه، إذ من المرجح أن في العراق الذي يحتله الأمريكيون، أناسا يحاولون إجبار العراقيين أتباع الديانة المسيحية، على الرحيل عن بلدهم، أو الانفصال عنه. وهذا يذكرك بالانفجارات التي كانت تحدث، في سنوات الخمسين من القرن الماضي في المعابد اليهودية في المدن العربية، وفي بغداد والقاهرة على وجه الخصوص، وبالتحقيقات التي كشفت آنذاك، بصورة قاطعة، أن انفجارات القاهرة تمت بأيدي اسرائيلية. تتوجب الإشارة في هذا السياق إلى الخطاب الذي سوقته، في سنوات 1948 ـ 1949، بعض التيارات الدينية ـ السياسية، التي عادت من جديد في السبعينيات، بقوة إلى الساحة العربية، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 تحديدا، حاملة الخطاب نفسه، الذي وجد فيه العملاء الإسرائيليون في البلاد العربية دائما ما يساعدهم على إقناع العرب من أتباع الديانة اليهودية بالذهاب إلى فلسطين والانتظام في الحركة الصهيونية، ضد العرب المسيحيين والمسلمين، في فلسطين (لطف الله سليمان). ومن نافلة القول، ان المستعمرين الصهيونيين والأمريكيين وحلفاءهم يفضـّلون أن يتجند المسيحيون العرب في جيوشهم، أو على الأقل أن يتخذوا موقفا محايدا، إزاء الهجمات المتتالية من أجل بسط الهيمنة الاستعمارية على المنطقة العربية، لاسيما أن هؤلاء المستعمرين استطاعوا في هذا الزمان أن يكسبوا ود الكثيرين من حكام العرب وأن يبدلوا مهمة الجيوش العربية من الذود عن أرض الوطن، إلى الدفاع عن أمن النظام وقمع الحركات الشعبية الهادفة إلى تجاوز حدود الطوائف والمذاهب، وإلى إعادة تأسيس الكينونة الوطنية القومية بما هي لبنة ضرورية لا غنى عنها في سيرورة التطور والتقدم والإنماء والمنعة.

ولنا على ذلك مثال في قطاع غزة، حيث يدّعي الإسرائيليون أن قصف طائراتهم ومدافعهم إنما يستهدف ‘الإسلاميين’ وليس الفلسطينيين، ويقولون نفس الشيء تقريبا عن لبنان. والمفارقة هي أن غالبية الحكومات العربية توافق على اختزال القضية الفلسطينية، على هذا الشكل، بمعنى أن المشكلة لم تعد في نظرها اسرائيل، ولكنها في المقاومة ضدها، وأغلب الظن أن الكثيرين من الناس في ديار العرب وقعوا في هذا الغش، منهم عن وعي ومنهم عن غير وعي فلا غرابة إذا إن تظهر العصبية وتجزئ الشعوب إلى أحزاب ومذاهب لا تختلف من حيث طبيعتها ولبها عن التكتلات القبلية، فصدق فيها القول: ‘يتزايلون بالبغضاء ويتلاعنون عند اللقاء’. كلما تفاقمت أزمة الوجود، واتضح بجلاء أن المشروع الجمعي الوطني في القطر العربي مصاب بعطل، أو انه ملغى، أو أنه كان وهما، بان الفرق الشاسع والجوهري في آن بين المواطن من جهة وبين الفرد المندمج في الجماعة القبلية من جهة ثانية، وبكلام آخر، هناك فرق كبير بين أن يكون المرء عراقيا أو لبنانيا، وبين أن يكون شيعيا أو سنيا أو مسيحيا أو كرديا من العراق أو من لبنان. وأغلب الظن أن هذا التمييز ينطبق على سكان البلاد العربية الأخرى، بمعنى أن الانتماءات الجمعية الضيقة، يمكنها أن تتغشى بأثواب ذات أشكال وألوان مختلفة، منها العرق والنسب والبدع والهرطقات في الدين وفي السياسة أيضا، إلى ما هنالك من أسباب لزيادة عدد الفرق والزعماء داخل القطر الواحد. وليس من حاجة إلى بسط وتوسع، للدلالة على أن الأوطان لا تقوم ولا تدوم الا بفضل الجهود التي يبذلها المواطنون، شرط أن يقتنعوا بأنهم انما يبنون ويدافعون عن وطن هو ملكية جماعية لهم، ولأولادهم من بعدهم.

لقد أوصلنا سلوك النهج الذي فرضه نظام الحكم في القطر العربي، إلى الحال التي نحن عليها، أي إلى حافة الهاوية. ومن المحتمل جدا، إذا سارت الأمور على المنوال نفسه، أننا سنسقط فيها. وجملة القول ان ما يجري في فلسطين ولبنان والعراق يقدم البرهان القاطع على أن هذا النهج هو نهج خاطئ وأن الاستمرار فيه ينم عن ذهنية تميل إلى التهور. ان القول بوجود ‘أقلية دينية’ أو ‘أقلية مذهبية’ أو ‘أقلية عرقية’ بين سكان البلد الواحد يستشف من ورائه مفهومية مبنية على التمييز المسبق، بما هي تبطن اللامساواة في الحقوق فضلا عن أنها قاصرة عن إدراك معنى الدولة والوطن. ويعتبر هذا القول من وجهة نظري، استنادا إلى معطيات هذا الزمان، في مجالات المعرفة والإنتاج والاتصالات والتنقل، نوعا من الغباء والتخرّق ودليلا على التخلف، اذ ما من أنسان عاقل إلا ويرفض إن استطاع إلى ذلك سبيلا، أن يبقى مدى الحياة عضوا في أقلية، أو مواطنا من درجة ثالثة أو رابعةن وبالمقابل، فإن الوطن يتسع ‘لأقلية وطنية ‘ و’أغلبية وطنية’، ولكن ضمن اطار السياسة والفكر الذي يـُبقي احتمالية التحول من هذه إلى تلك والعكس قائمة.

وما أود التأكيد عليه هو أن التنميط العرقي، أو المذهبي أو الطائفي، نقيض للانتماء الوطني. ووطن لا ينتمي إليه الذين يعيشون على أرضه، ليس وطنا. وبتعبير آخر يمثل الوطن قاسما مشتركا، أو ميثاق شراكة بين جميع سكانه، على اختلاف معتقداتهم وأعراقهم. وأختم هذا الفصل بقول للشيخ عبد الله العلايلي ورد في كتابه ‘مقدمات لفهم التاريخ العربي’: ‘وسياسة النبي تتلخص بالسمو ببيئة العرب والقضاء على المزاج العقلي القبلي باعطائهم مزاجا عقليا جديدا خليقا بتصريف حركاتهم في كيانهم الدولي الجديد وتهيئتهم مع الزمن لما يسمونه بخلق الأمة على شكل صالح’. وبناء عليه، ومن خلال نظرة استعادية للماضي، البعيد والقريب، يظهر أن السبب الرئيسي للإخفاقات والهزائم العربية هو التخلي عن المشروع التعاوني العربي، وإدارة الظهر له. فنتج عن ذلك أن مفهوم المواطنة لم يترسخ في البلدان العربية التي لم تشهد ولادة المواطن، بل عاد الناس إلى سيرتهم الأولى، أفرادا يخدمون طوائفهم ومذاهبهم وقبائلهم، وليس أوطانهم، فلا عجب إذن ان طرد الناس من منازلهم، وقتل المصلون في مساجدهم وكنائسهم. إن بث بذور الفرقة بين الناس مقدمة لتقسيم بلادهم، ولكن هل يعتبر العرب من تجارب الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين؟’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية