لنمتلك الشجاعة ونُخضِع تراثنا للتحليل

حجم الخط
1

تمر المنطقة الإسلامية من شرقها إلى غربها في مرحلة يمكن اعتبارها من أشد المراحل قتامة في تاريخ لياليها التي امتدت دهرا طويلا، فأينما وليت وجهك تطالعك مشاهد القتل والنزوح والخراب والجهل والتخلف والتباغض لتشكل صورة نمطية لهذه المنطقة أضحت مثار سخرية وتندر الجميع. ففي الوقت الذي نتبجح فيه بكوننا أصحاب ثقافة سمحة ورؤوفة نجد أن واقعنا اليومي بعيدا كل البعد عن هذه الشعارات النظرية. في هذه المنطقة كل شيء أضحى لعنة سواء تعلق الأمر بالثروات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها أو بالجوار والعلاقات بين دوله حيث أننا لانكاد نجد دولة مجاورة للأخرى تعيش وفق مبادئ التعاون وحسن الجوار سواء تعلق الأمر بمنطقة المغرب الكبير أو بمنطقة الشرق الأوسط.
بطبيعة الحال هناك عوامل عدة ساهمت في خلق مثل هذا الواقع المزري والبائس لعل احدها سنوات الاستعمار الذي تعرضت له شعوب الدول الإسلامية والتي مازالت مفاعيلها سارية بالرغم من موجة الإستقلالات الشكلية التي عرفتها. وبغض النظر عن الخوض في كل هذه التفاصيل التاريخية والسياسية والتي قد تؤدي بنا تلقائيا إلى اجترار نظرية المؤامرة التي لا يمكن من الناحية الموضوعية إنكارها على اعتبار أن تاريخ الأمم هو تاريخ تدافع وتنافس وصراع مستمر من أجل التفوق وما يقتضيه هذا الصراع من أدوات شتى منها المؤامرة، إلا أن المشكلة الأساسية هنا تكمن أساسا في ذات الأمة الإسلامية القابلة، وبكل سهولة، للانخراط في هذه النظرية وإنجاحها، مما يثير الكثير من الإستفهامات العميقة المرتبطة بالثقافة والتراث الذي يشكل جزءا رئيسيا من هذه الذات التي تشكلت عبر تاريخ سياسي وسلوكي مفعم بالتناقضات الصارخة بين النص الديني والعمل التطبيقي . وهذا استند إلى تأويلات وفتاوى تعسفية ومصلحية وتبريرية للأهواء والنزوات، حيث تصدى لهذا العمل مجموعة كبيرة من الفقهاء التكسبيين من غير ذوي الاختصاص. وتكفلت الآلة الدعائية الضخمة بترويج كل ذلك على أنها حقائق مما أنتج لنا بحارا من الدماء والنهب وانعدام العدالة واستبعاد العقل من دائرة الحياة العملية. فظاهرة التكفير والتقتيل والاغتيالات السياسية التي تشهدها هذه البلدان اليوم ما هي إلا انعكاس منطقي لكل هذه الممارسات العميقة في التاريخ الإسلامي وما رافقها من صبغة مقدسة عبر نصوص وتأويلات ملفقة وبعيدة عن روح ومقاصد الإسلام الذي يخاطب الفطرة والعقل الإنساني ويحث على البناء والعمل ويتسع للجميع بغض النظر عن اللون والعرق، وبالتالي فإن عدم امتلاك الشجاعة العلمية لمواجهة هذا التراث التحريفي والتخريفي مواجهة صارمة تدور رحاها في رحاب العلم و ما يقتضيه من أصول وقواعد موضوعية ومنهجية قد أدى بنا اليوم إلى أن يواجهنا هذا التراث مواجهة دموية وشرسة.
وفي هذا الإطار تناسلت الحركات الإرهابية المتطرفة في المنطقة وتعددت تسمياتها ومشاربها وولاءاتها ليبقى القاسم المشترك والخيط الناظم الذي يجمع بين كل هذه الحركات سواء تعلق الأمر بصيحة الموسم «داعش» أو بالنصرة أو قبلها طالبان وغيرهم هو الإرهاب والدموية ومحاربة العقل باعتباره الآلية الوحيدة التي تميز الإنسان عن غيره من الحيوانات والبهائم.
في هذا السياق يمكن القول إنه حتى ما بدا حراكا شعبيا في هذه البلدان كان يستند إلى مبررات وتناقضات اجتماعية واقتصادية وسياسية صارخة، سرعان ما تم إجهاضه من قبل التيارات الإرهابية المتأسلمة والتي يتم تفريخها وتمويلها من أجل الإجهاز على كل بارقة أمل يمكن التأسيس عليها لخلق واقع آخر بديل عن كل هذا البؤس الفكري والحضاري للأمة. فأينما حلت هذه الحركات الإرهابية في بلدان المغرب الكبير ومنطقة الساحل، أو في بلاد الكنانة أو في بلاد الشام والعراق يحل القتل والخراب. والواقع أنه لا يمكن فصل «داعش» وأخواتها السابقة واللاحقة والمعاصرة لها عن حاضنتها الفكرية والعقائدية والمالية المتمثلة في مجموعة من الدول البدوية والعشائرية التي تستحوذ على إمكانات مالية ضخمة تستغلها لتمويل ودعم كل هذه «الدواعش». كما أن أي تحليل علمي لهذه الظواهر لابد أن يستدعي الماضي بكل تراثه ووقائعه وبنياته المادية والمعنوية والتي وصلت إلينا عبر قنوات تحتاج إلى كثير من البحث التدقيق.
ولأننا لا نمتلك الشجاعة الكافية لإخضاعه لمناهج البحث العلمي الرصينة أدى إلى ارتكاب أكبر جريمة في تاريخ الأمة وأجيالها اللاحقة، هذا الخطأ الجسيم الذي كان من نتائجه الحتمية أن نظل ندفع أثمانه باهظة من أنفسنا وأموالنا وثرواتنا، ليستمر البؤس المادي والفكري مرافقنا إلى أجل غير معلوم.
محمد الخليفي – المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية