دعونا نتفق اولا على ان ما حدث بشكل مفاجئ في العراق لم ينجزه تنظيم داعش وحده، رغم ما يرّوج له المالكي وسوريا وايران وأمريكا. ودعونا نقّر بان داعش ليس غائبا عن المشهد العسكري في شمال العراق وغربه، فهناك جماعات سنّية اخرى مسلحة وأكثر اعتدالا، وقيادات عسكرية من العشائر العراقية. داعش قد لا يكون اللاعب الرئيسي، ولكن لا يستطيع احد تقزيم دوره. أما الدور الكردي فسنتناوله لاحقا.
كما يقال في السياسة لا صداقات دائمة ولكن مصالح مؤقتة. قد تكون بدأت كثورة شعبية اتحدت فيها مصالح العشائر ضد المالكي، مع مصالح داعش ضد الشيعة. المتحدث باسم القوى العسكرية العشائرية الذي ظهر على شاشة الجزيرة، من دون ان نرى وجهه، ينكر اي تعاون او تنسيق او اتصالات مع داعش، وهذا صعب التصديق مع ما يحدث على الارض. على أي حال اهدافهما متوافقة على الاقل مرحليا، وهذا خطير، فحلفاء أو ثوار اليوم قد يصبحون اعداء يتقاتلون غدا. الغريب في الموضوع ان كل الاطراف المتصارعة على الساحتين السورية والعراقية ترفض التقسيم، مع ان ممارساتها لا تنبئ بنفس الهدف.
اللاعب الكردي لا يستهان به، يقول البيشمركة والسياسيون وراءهم انهم تحركوا لملء الفراغ وحفظ الامن، وهذه مهمة نبيلة، ان صدقّناها. انهم لا يحاربون داعش ولا العشائر ولا قوات المالكي الطائفية، معهم حق، لماذا يدخلون في عراك عسكري، لم يتعد احد عليهم، وكل الجهات تخطب ودّهم. انهم يعملون على الارض، وضعوا ايديهم على كركوك واعلنوها مدينة كردية، بالاضافة الى مناطق اخرى من المحافظة التي تحمل اسم المدينة، وعلى مناطق اخرى في محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى، توسعوا بهدوء، ولم يعترض احد، لا المالكي ولا العشائر ولا داعش، هذا لا يعني انهم يؤيدون هذه الخطوة، ولكنها دلائل على حروب اخرى طويلة قادمة بين مختلف الفرقاء عند انتهاء هذه المرحلة وبدء مرحلة اخرى لا يعرف احد متى تنتهي الاولى وتبدأ الثانية.
نعود قليلا الى الحرب الاهلية اللبنانية، هل يذكر احد، خلال الاعوام الستة عشر الدامية، تغيرت خارطة التحالفات بين المتحاربين على الارض، بكافة مشاربهم الدينية والمذهبية والقومية واليسارية والوطنية والفلسطينية، عشرات المرات أكثر مما تحتمله قوانين العقل والمنطق، او معادلات التباديل والتوافيق الرياضية الصعبة! ان لم تصدقوا، إرجعوا الى الارشيف ان لم تسعفكم الذاكرة.
قد يعتقد البعض ان التقسيم هو انجع الحلول لوقف مسلسل سفك الدماء، وليقتطع كل طرف حصته من خارطة العراق ويحكم فيها كما شاء، وهذا ليس صحيحا، الكل يريد القطعة الاكبر من الكعكة، متعللين بالعوامل الديموغرافية والتاريخية والمذهبية، لتبقى المعارك مشتعلة الى الابد.
عندما قسّم مارك سايكس السياسي البريطاني وفرانكيس جورج بيكوت (حذفت التاء من الاسم لأنها بالفرنسية صامتة) القنصل الفرنسي السابق في بيروت خارطة العراق وبلاد الشام، لم يخطر على بالهما انه بعد اقل من مرور مئة عام على ذلك سيأتي داعش ليرفض هذه الخطوط على الرمال لاقامة دولة خلافة اسلامية. ايامها قسمت المنطقة بين متنافسين فقط، فرنسا وبريطانيا، اما الان فربما تقسم بين السنة والشيعة والاكراد والعلويين، وربما يستمر الاقتتال لسنوات من دون تقسيم.
الاطراف المتنازعة كلها تؤكد ان افضل الحلول هو الحل السياسي، الاصوات تتعالى منادية بتنحي المالكي، الاطراف الشيعية التي تضامنت سابقا مع الحراك السني في وجه المالكي، على الاقل قولا لا فعلا، ولم تسقطه في البرلمان، عادت لتصطف وراءه بميليشياتها لمحاربة «الارهاب»، والكثير من نواب السنة ما زالوا في البرلمان، من دون ان ينسحبوا لصالح «الثورة»، يبدو ان المالكي لن يتنحى قريبا، ومثل الاسد، سيحارب «الارهاب» الى ان يقضي عليه، ويحلم بإعادة الامن والاستقرار الى العراق، الذي لم يعرف لا الامن ولا الاستقرار منذ 2003، هذا لا يعني ابدا ان العراق كان مستقرا حتى قبل ذلك. الا يوجد بين كل هؤلاء الطائفيين من سنة وشيعة حكيما مثل الحسن بن علي (رضي الله عنه) الذي تنازل عن دم اخيه الحسين وعن حقه بالخلافة، لسبب وجيه جدا، لا يتذكره هؤلاء، حقنا لدماء المسلمين. داعش تريد استئصال الشيعة، وتسميهم الرافضة، والمالكي يقول انها حرب بين علي والحسين من جهة ويزيد من جهة اخرى في استحضار سيئ للتاريخ، لأغراض سياسية.
هذه الحرب الطاحنة في العراق التي تؤججها دول الجوار وأمريكا لن تلبث الا ان تمتد الى هذه الدول وتكون وبالا عليها، افلا يتدّبرون. ان كانت ثورة، نتمنى لها النجاح لاحقاق الحق واحترام كرامة الانسان وحرياته بغض النظر عن دينه ومذهبه وعرقه. وان كان صراعا طائفيا فليسرع العقلاء الى اخماده قبل ان يمتد لهيبه فيدمّر العراق وجواره، وان كان مشروعا للتقسيم، فليعرف المتصارعون، ان الطرف المستفيد منهم، هو لا أحد.
اذا كان دينكم يقول لأصحاب الملل الاخرى، قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا يجدر ان تكون القاعدة ايضا بين اصحاب الملة الواحدة، ان اتفقتم اصلا على انكم من ملة واحدة، خاصة في رمضان.
في الصميم: يا أهــــل العراق.. هلا كففتم عن الشقاق، طريقكم الاسرع الى الهلاك.
٭ كاتب فلسطيني
د. خليل قطاطو