ما زلت أذكر أوّل مواعيدي الغرامية وأنا شابّ.. كان التّواعد وقتها كالمعارضة في عصر الاستبداد.. شيء فيه كثير من التّقيّة. اتّفقنا على أن يكون الموعد أمام محطة القطار في السّاعة العاشرة والربع. أنا لا أدري لمَ هذه الساعة بالذّات، ولكن هكذا عنّ لي وأنا أضبط الموعد، ربما لأنّ منظر العقربين في هذه السّاعة منظر هندسي بديع. المهمّ أنّني استيقظت يومها باكرا ولم أفتح خزانة الثياب، ولا بحثت عن ثياب جديدة، فلم أكن ممّن يحتاج خزائن اللباس ولمَ أحتاجه وليس لي منها غير ما ألبسه في يومي وأنزعه في ليلي. كنّا ننتظر بفارغ الصبر أن يتمزق الثوب حتى يشتروا لنا غيره؛ لكنّ الثّوب كان يرأف بحالنا ويسترنا حتى وإن تمزّق.. كان الثوب يصبر على وخز الإبرة وعلى الخيط الذي يلملم سداه.. تسهر على خياطته في الليل وعلى ضوء خافت عينُ أمٍّ أضناها البُكاء على زمان لم يرحمها. أنا إلى اليوم لا أعرف لمَ كانت جدتي تبكي وأمّي حين تمسكان ثوبا لخياطته؟ كنت أعتقد أنّ الإبرة هي التي تؤلمهما، كنتُ أتظاهر بأني لم أرَ الدّمعة ولكنّها كانت تنزل على فؤادي حرّا وسعيرا، وأسكت وألعن الإبر الواخزة وثقوب ثيابنا التي تُري شيئا من أجسادنا غير محايد.
بما أنّ الناس عندنا مسالمون لا يقطعون شيئا غير المكان جيئة وذهابا بلا معنى، فإنّ الزمان دائما ما يقطعهم.
مالي أعكّر صفوكم وأنا أحدّثكم عن أوّل مواعيدي؟ الفقراء الذين يواعدون ليسوا كالأغنياء الذين يواعدون.. أولئك يفعلون لأنّهم يريدون أن يجاروا هؤلاء. لم يدخل في ذهني وقتها لمَ عليّ أن أواعد من أحبّ حتى ألقاه؟ تعوّدنا أنّ كلّ شيء إن أتانا جاءنا بلا ميعاد.. فكل ضيوفنا يحلون أهلا بلا ميعاد، وكلّ الأمطار إن هطلت دخلت دورنا الهشة بلا ميعاد، وكلّ القضاء والقدر المسلّطين على رؤوسنا يأتياننا بلا ميعاد، نحن لا نذهب لأحد بموعد إلاّ إلى الطبيب فلماذا أذهب أنا اليوم بميعاد؟ أقنعت نفسي يومها أنّ الموعد الغرامي هو نقيض نوعيّ للقضاء الذي يحمّ فجأة علينا؛ الموعد علينا أن نذهب إليه فقط لأنّه شيء جميل.. الشيء الجميل إن لم تذهب إليه لن يأتيك سيفتكّونه منك في الطريق لهذا استيقظت باكرا وذهبت إلى محطة القطار في المدينة المجاورة. لم أركب القطار لأنّه بطيء أنا لا أشعر بأنّه بطيء لكنّ الناس يقولون عن قطاراتنا إنّها بطيئة.. ربّما يقولون ذلك لأنّ حبيباتهم لسن معهم أو أنّهم يسرعون مثلي إلى شيء جميل كالحبيبة، أو ربّما كان أجمل لذلك لا يشعرون أنّ القطار سريع. حاشى أن يكون من يستبطئون القطار ممّن يخشون أن يصلوا متأخّرين؛ في بلادي يصل المواطن إلى العمل في الوقت، لكنّ الوقت هو الذي يصل قبل موعده يريد أن يفضحهم، الوقت هو يكرههم وهو يضمر لهم الشرّ ولذلك يقولون إنّه كالسّيف إن لم يقطعوه قطعهم إربا إربا.. وبما أنّ الناس عندنا مسالمون لا يقطعون شيئا غير المكان جيئة وذهابا بلا معنى، فإنّ الزمان دائما ما يقطعهم.
وصلت إلى محطّة القطار بلا قطار ونظرت في الساعة كانت عقاربها تشير إلى الرابعة إلاّ عشر دقائق.. ذهلت وأسقط بين يدي لقد فاتني الموعد قبل أن أفرح به أتراها جاءت وعادت سريعا أم انتظرت؟ وحين انتظرت كم انتظرت؟ التأخير يكون ربع ساعة أو ساعة لكن أن يكون التأخير ساعات فهذا ما لا يقدر عليه فؤاد محبّ.. لكن لمَ يكتب العشاق في رسائلهم: سأنتظرك الدّهر كلّه؟ هم يكذبون لأنّهم على ساعة أو بعض ساعة من ساعات الدهر لا يقدرون.. تفرّست في الوجوه المسافرة دخلت المحطة وخرجت مرات، ثمّ عدت أنظر في الساعة، ذهلت حين رأيت عقاربها متوقّفة في موعدها نفسه.. خرجت كل القطارات ودخلت والعقارب جاثمة في محطتها القديمة: الرابعة إلا عشر دقائقǃ جريت في كلّ اتّجاه أبحث عن ساعة أخرى.. كلّ ساعات المدينة كانت متوقفةǃ لكلّ ساعة زمانُها الذي توقّفـــت فيه لكنّ أكــــثر السّاعات عشقا ساعة توقفت في تمام الثّانية عشرة: عقرب على عقرب لا أدري أمات العقربان عشقا أم ماتا سمّا؟
تذكّرت هذا وأنا في درس الفعل عند النّحاة العرب. مجاميع الأفكار عندهم بريئة لا علاقة لها بزمن تواعد فيه أو لا تواعد أو بزمن تلتقي فيه بمن تواعد أو لا تلتقي. الفعل عند النّحاة حدث مقترن بزمان والزمان النحوي ليس كالزّمان الطبيعي تحرّكه الأفلاك، بل يتحكّم فيه المتكلّم: يكون آنُ النطق لديه حاضرا ولا يوجد زمان غيره للحديث. يتحدّد زمن الحدث بالنسبة إلى زمن الحديث فالماضي هو ما وقع قبل زمان حديثي عنه مثل (واعدْتُها) أقولها الآن وأعني أنّ المواعدة سابقة لزمن حديثي عنها؛ والمستقبل هو ما وقع بعد زمان حديثي عنها مثل (سأجدُها)؛ والحال هو ما تقاطع زمان الحدث فيه مع زمان الحديث كقولي (أنتظرها وآمل وأحلم).
الزمان في الفعل لا ينفعني في ميعادي الأوّل إلاّ إذا تحدّثت عنه؛ لكنْ كيف سأتحدّث عن فعل لم يقع وعليه أبني كلّ آمالي؟ والزمان الطبيعي أو الفلكيّ زمان لا يسعفني؛ فباستثناء أنّني أعرف أنّ الشّمس ساطعة وأنّ الليل ما يزال بعيدا لا أعرف بالتّدقيق كم الساعة الآن حتى أعرف هل جاءت أم لم؟ لا أحد يحمل ساعة ولا يهتم أحد بالسّاعة أكانت العاشرة أم قبلها بكثير أم بعدها؟ من لا عاشرة له لا ربع له ومن لا ربع له لا نصف له.
تكون الأشياء جميلة ولكنها يمكن أن تتواعد مع من يأتيها فيخرجها من طلاقتها إلى الاقتران.
في درس الفعل نقيض لابدّ أن تتحدّث عنه وهو أنّ المصدر حدثٌ غير مقترن بزمان.. لو كنت يومها أعلم لجعلت موعدي الأوّل حدثا بلا زمان حتى لا يأسرني الوقت وترميني السّاعات المعطّلة على ساحات النسيان. المصدر حدث ولا زمان؛ يمكن أن تواعد وتعشق وتلتقــــي بدون أن تتقــــيّد بزمان لموعــــدك أو لعشقك أو للقائك قل: هـــل لي مـــوعـــد معك؟ أو هل لي إلى لقياك ســـبيل؟ وانصرف واثقا من أنّ اللقاء كائن ولكن بلا ميعاد وتذكّر قول صاحب «غرناطة»:
في مَدْخَلِ الحَمْراءِ كَان لِقَاؤُنَا .. ما أطْيَبَ اللُّقْيَا بلا مِيعَادِ
الأماكن تَجمع ولكنّ الأزمنة تُفرّق.. أرى المحطّة.. المحطة محطة هي هنا لم تتحوّل ولا تحتاج زمانا.. في الأماكن نلتقي حتما، ولكن يصعب أن نلتقي في الزمان إن نحن قرنّا الحدث به. شيء مخجل حقّا أنّ المصدر تنصّل من حياده وتعلّق بالزمان، خاننا المصدر مع الزمان فجعل أحداثنا مشترطة بالتعلّق به.. ما أجملنا بلا زمان: نكون اختصارا أو حدثا بلا قافية في الزمان. تكون الأشياء جميلة ولكنها يمكن أن تتواعد مع من يأتيها فيخرجها من طلاقتها إلى الاقتران.
نظرتُ في اتجاه الباب.. لقد جاءت من واعدتني كان تمشي فتجري كانت تشير بيدها وتتحرك قلت: أخيرا جاءت. شعرت بأنّه لا قيمة للمكان فتحت ذراعيّ واحتضنتها: ابنتي العائدة بعد غياب طويل.. لا طعم لحدث بلا زمان قلتُ لزوجتي فقالت: أتذكر هذه المحطّة نفسها والمكان نفسه؟ قلت لكنّما هو الزمان.. نظرتْ ابنتي ولم تأبه بهذا العبث وخاطبت من تطمئنه على السّلامة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسيّة