مأساة المهاجرين في «خازن معاطف العابرين»: تداخل الأزمنة وتقنية «التمثيل داخل التمثيل»

في نصه المسرحي الموسوم «خازن معاطف العابرين» الصادر عن المركز الدولي لدراسات الفرجة في المغرب عام 2018 يقترب ضياء حجازي من مساحة التحولات التقنية التي يشهدها النص المسرحي الحديث، في بنيته التي باتت تشتغل على إزاحة سلطة الكلمة الملفوظة، باعتبارها مفردة مهيمنة في بنية النص التقليدي، بينما هي أضعف وسائل التعبير المسرحي في مقابل التركيز واستحداث كل ما يمكن ان يُعلي من شأن ووظيفة تقنيات العرض المسرحي، ويأتي هذا الجهد في إطار تأكيد سلطة العرض أمام سلطة النص الأدبي في أولويات التجربة المسرحية، وتفكيك العلاقة مع المتلقي وإعادة صياغتها بشكل آخر على اعتبار أن عملية التلقي إنتاجية وليست استهلاكية.

نصوص ليست للقراءة

منذ مطلع القرن العشرين كان العرض المسرحي، وليس النص، مثار اهتمام وتفكير عدد من المخرجين المجددين في عدد من البلدان الأوروبية، أمثال إرفين بيسكاتور وفيسفولد مايرهولد وماكس راينهارت وأدولف أبيا، إذ انصب بحثهم في سياق إعادة اكتشاف ما يمكن أن تحتمله وظيفة العرض من مستويات جمالية، من خلال إنعاش الدور الدلالي لتقنيات العرض. من جانب آخر كان هناك عدد من كتاب المسرح قد دفعوا بالنص المسرحي إلى مساحة جديدة الاشتغال في بنيته، فأحدثوا تغييرات كبيرة فيها بالشكل الذي منحته أفقا أوسع مما هي عليه في بنيتة التقليدية، وليتحرك من خلالها في مساحة تقع ما بين الحلم والواقع، كما في أعمال بيتر فايس وسترنبرك وآخرين، وإذا ما تأملنا النص الذي قدمه لنا ضياء حجازي نجده متأثرا بهذه المقترحات الفنية، وعند الحديث حول تجربته هذه سيكون من باب التوصيف أن يُكتب عنها باعتبارها تنضوي تحت تسمية «مشروع نص» ولن تكتمل بنية هذا النص إلى أن نجده قد تحول إلى عرض مسرحي يُقدَّم على خشبة المسرح، إذ لم يكتب باعتباره نصا مسرحيا للقراءة، لاعتماده في إيصال خطابه على جملة أدوات وتقنيات لاعلاقة لها بعناصر بناء النص الأدبي المسرحي، بقدر ما تنفرد بخصوصية حضورها وانتمائها إلى مشغل الخشبة المسرحية، وهذا يعود إلى أن حجازي يعمل في ميدان الإخراج والتمثيل، وليس متفرغا لعالم الكتابة المسرحية باشتراطاتها الأدبية.

تكتسب اللغة في نص حجازي أهميتها وحضورها من ارتباطها بالفعل المسرحي وليس بالمفردة المنطوقة.

لغة الفعل

تكتسب اللغة في نص حجازي أهميتها وحضورها من ارتباطها بالفعل المسرحي وليس بالمفردة المنطوقة، وإذا ما كانت الكلمة حاضرة فإن حضورها يأتي في إطار من الإيجاز والإزاحة بعيدا عن تقنيات المجاز والاستعارة والوصف الحسي والخطابي، التي لا تخدم البناء الدرامي للنص المسرحي، وهذا ما أوضحه المؤلف في ملاحظة عامة عن اللغة العربية سجلها في الصفحة الأولى: «النص مفتوح على كل المقترحات الدراماتورجية المتعلقة بالاحتفاظ باللغة العربية المبسطة أو انتقاء اللهجات المختلفة، حسب البلد والبيئة التي ينتج فيها العرض». هذا الفهم لخصوصية اللغة المسرحية انعكس على بنية النص الفنية إجمالا، حيث توفرت فيه عديد المفردات التقنية التي تقع ضمن دائرة خطاب اللعبة المسرحية المتفق عليها افتراضيا ما بين المُرسِل والمرسَل إليه، وفي مقدمة ذلك تكنيك التمثيل داخل التمثيل، تداخل الأزمنة، الانتقال بين الواقع والخيال في البنية المشهدية، وصولا إلى كسر المنطق والمعقول في مسار الحدث، لنقف بالتالي أمام عالم متخيَّل يتشكل ويتطور أمامنا عبر أشخاص/رموز، ينتمون بأحلامهم وآلامهم إلى الحياة الواقعية بكل ما تحمله من تراجيديا إلاَّ أنهم يتحركون في فضاء مسرحي متخيَّل يعكس ما كان يدور في ذهن المؤلف من أفكار سعى إلى إيصالها للمتلقي، كانت تنحصر في إدانة واقع لاإنساني يدفع البشر إلى أن يغامروا بوجودهم ويرتموا في متاهة عالم مجهول، غير عابئين بالمخاطر التي تنتظرهم، طالما ينشدون عالما آخر يحمل لهم إشارات الاطمئنان والسلام والكرامة الآدمية، وقبل أن ينطلقوا في مغامرتهم يتوجب عليهم أن يتخلوا عن معاطفهم التي يخبِّئون فيها رسائلهم التي تحمل الجانب الحميم من ماضيهم، فلربما تصل إلى أحبائهم الذين فارقوهم مرغمين، في أوطان أنكرت عليهم آدميتهم وأدمَتهم بالحروب والقمع والتهميش والإذلال، ومن هنا جاء العنوان معبرا عن فكرة النص «خازن معاطف العابرين».

ليس هناك ما يجمع النص تقنيا مع مفردات الإطار التقليدي للنص المسرحي، إنما جاء على شكل مجموعة مشاهد منفصلة ومتداخلة في آن، تتناول حكايات عن مهاجرين يائسين.

بنية تعبيرية

في بنائه الفني ينتمي النص إلى المدرسة التعبيرية، فالفضاء الدرامي الذي يتجسد أمامنا لا يحتمل تعدد الألوان بقدر ما ينقسم إلى حالة من التضاد لا تخرج عن اللونين الأبيض والأسود وما يتدرج بينهما من ظلال، وهذا يبدو في تركيبة الشخصيتين الرئيسيتين (هو) و(المهرب)، وكذلك بقية الشخصيات (الأب والأم، جنود، مهاجرون، عشاق، أطياف) وتعبيرية النص تبدو بما تضمنته السينوكرافيا من فضاء يوحي بالبرودة في بيئة قاسية وعدائية تعبر عنها قطع ديكور وإكسسوارات ذات خطوط وسطوح صارمة، واستثمار للصرخات والهمس والأقنعة والأشباح والمناطق المعتمة (هو في وسط المسرح، في الوقت الذي تختفي فيه مجموعة المهاجرين تظهر مجموعة من الأطياف، يتوزعون في أرجاء المكان باحثين عن ملابسهم وأغراضهم). بناء على ذلك ليس هناك ما يجمع النص تقنيا مع مفردات الإطار التقليدي للنص المسرحي، إنما جاء على شكل مجموعة مشاهد منفصلة ومتداخلة في آن، تتناول حكايات عن مهاجرين يائسين يلتقون عند شاطئ البحر لزمن قصير جدا لا يتيح لهم أن يحكوا لبعضهم بعضا حكاياتهم قبل أن ينقلهم المهرب إلى القارب الذي سيعبر بهم إلى الضفة الأخرى، ودائما ما كان البحر يبتلعهم قبل أن يصلوا مبتغاهم. والأسلوب التعبيري الذي جرد من خلاله الشخصيات والأماكن والأزمنة من أسمائها وعناوينها، لم يكن إلاّ محاولة تقنية استثمرها حجازي ليعكس حالة التشظي التي بات الإنسان يعيشها في مناطق محددة من العالم، فيحاول الهروب منها، بشتى السبل، لعله يلملم شتات وجوده الضائع، فلم يجد مفرا من هذا الوضع إلا أن يغامر بمصيره في بحر محفوف بالمخاطر، وجميع شخصيات النص يلاحقها ماضيها التعيس في أوطانها التي غادرتها.. هو: «إحم نفسك يا مهاجر! سد أنفك وأنت تعبر تلال الجثث التي تسكن في ذاكرتك. كن حريصا على جسدك واقمع بكل رشاقة المهاجر هذا الجزء الحي من ذاكرة روحك! إنسَ أنك كنت جزءا من غبار الموت هناك، سد بالوعة الوسخ تلك التي فتحتها الحرب هناك. هيا! احمل معك ما فيك من موت وحقد وأمل باهت. هناك كان لا بد لك من أن تترك غثيانك وقرفك وأنت تركض إلى حافة العالم هذه».
يبدأ النص مشحونا بمشاعر متوترة يحملها (هو) الشخصية المحورية أزاء الحياة والعالم المصاب بالتبلد، نتيجة للحروب والانتهاكات التي يتعرض لها البشر من أنظمة وسلطات، فكان البحر معادلا موضوعيا لوحشيتها وصورة رمزية عن عبثية المصير الذي انتهى إليه الكائن الإنساني، ولن تتوقف هذه الشحنات من المشاعر المتأججة أو تهدأ حتى آخر سطر منه.. هو: «ماذا يا بحر! كعادتك كل صباح، تتظاهر بالهدوء، تكون قد صلت وجلت ليلة أخرى، جشعك لا يسمح لك بأن تغفو، تخادع الجميع فتكون المنتصر الأوحد في لعبتك الشريرة».
ما يؤخذ على حجازي في عمله هذا أنه بقي يدور حول فكرة الهروب، ولم يوظفها من أجل أن يتوسع في مستوى الأفكار التي يمكن أن يضخها في بنية حوارته، فبقي سياقه الفكري بسيطا ومن السهولة بمكان الإمساك به، من غير أن تبعث دلالاته امتدادات تأملية تأخذ المتلقي إلى حافات بعيدة من التفكير العميق، إضافة إلى سلبية الشخصية المحورية، حيث منعه خوفه وتردده من أن يجرؤ باتجاه البحر متوسلا إلى المهرب في أن يبقى مقيما في حجرة تكدست فيها ملابس تركها خلفهم مهاجرون من طالبي اللجوء.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية