مبالغة في تضخيم أعداد المستوطنين

حجم الخط
0

منذ تشكيل حكومة نتنياهو الأخيرة، وبصورة أدق منذ انتخاب ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، نحن نشهد سيلاً من الإعلانات حول رفع كل القيود والمعيقات السياسية لتطوير مشروع الاستيطان في الضفة الغربية. وزراء وأعضاء كنيست في اليمين وأعضاء مجلس «يشع» و«شبيبة التلال» عادوا واحتفلوا بنمو المستوطنات وتثبيت حقائق على الأرض لا يمكن تغييرها. ولاستكمال النشوة، وضعوا عشرات مشاريع القوانين والخطط لضم أجزاء من الضفة الغربية وربما جميعها. كل ذلك كما يبدو هو واقع متخيل نتاج العقيدة الوطنية ومحاولة لتبرير الميزانيات الكبيرة التي تصب هناك.
الإيهام وتضليل الجمهور خلال السنوات الأخيرة، تتحطم على صخرة منشورات المكتب المركزي للإحصاء. عدد الإسرائيليين في يهودا والسامرة ارتفع في عام 2017 مثل كل سنة من السنوات الخمس الأخيرة بـ 14 ألف شخص، من 399.043 في نهاية 2016 إلى 413.400 في نهاية العام 2017. ليس نصف مليون، وبيقين ليس 300 ألف إسرائيلي يعيشون في يهودا والسامرة، مثلما يواصل ممثلو اليمين المسيحاني تضليل الجمهور. 13 في المئة فقط من إجمالي السكان في الضفة الغربية (باستثناء شرق القدس).
هذا المعطى هو «الأكثر وردية» من ناحية مؤيدي مشروع الاستيطان. الزيادة السنوية في منطقة يهودا والسامرة، التي ما زالت أعلى من المتوسط في إسرائيل، تستمر في الانخفاض كل سنة تقريباً. والأهم من ذلك هو أن ميزان الهجرة في 2017 هو الأدنى منذ عام 2005، وبلغ 1300 شخص فقط. نعم، فقط 1300 شخص أكثر اختاروا الانتقال من إسرائيل إلى يهودا والسامرة من أولئك الذين اختاروا العودة إلى داخل حدود إسرائيل السيادية. هذا المعطى يعود مرة أخرى ليشير إلى منحى «التصويت بالأرجل» للإسرائيليين في العشرين سنة الأخيرة رغم كل المزايا التي تقدمها الحكومة لسكان هذه المنطقة. أيضاً «موجة الهجرة» ذات الـ 800 شخص من خارج البلاد الذين وصلوا مباشرة إلى المستوطنات، لم تحسن الصورة البائسة.
إذا كان الأمر كذلك، وكما في العقدين الأخيرين، فإن مصدر الزيادة هو التكاثر الطبيعي. هذا المعطى يتعلق أساساً بالحريديين، الذين يعيشون في معظمهم في المدينتين الأكثر فقراً في إسرائيل ـ موديعين عيليت وبيتار عيليت. وهما تقعان على الخط الأخضر وغير متماهيتين مع أيديولوجية اليمين المسيحاني والسكان فيهما اجتازوا الخط الأخضر فقط بسبب أزمة السكن للحريديين في القدس وفي بني براك (مستوطنون رغم أنفهم). السكان فيهما يبلغون اليوم 30 في المئة من إجمالي السكان اليهود الذين يعيشون في 127 مستوطنة، التي في معظمها هي مستوطنات معزولة وصغيرة. وهذه السنة أيضاً ساهمت المدينتان تقريباً بنصف الزيادة العامة لعدد المستوطنين (6156 نسمة).

الإحصاءات الرسمية تظهر أن عددهم أقل مما يشاع من قبل اليمين

وكما هي العادة، معظم السكان (80 في المئة تقريباً) يتركزون في كتل وبلدات «الصف الأول» الذي يقع غرب مسار جدار الفصل. من جنوب غوش عصيون ومن شمال الفيه منشه ومن شرق معاليه ادوميم، نسبة الإسرائيليين من إجمالي عدد السكان تتراوح بين 1 في المئة في معظم المنطقة وحتى 4 في المئة في جزء صغير منها. الهيمنة الديمغرافية والمناطقية الفلسطينية الكاملة، التي يتم خرقها من قبل مستوطنات صغيرة ومعزولة وبؤر استيطانية غير قانونية، وبالأساس من قبل نشاطات الجيش الإسرائيلي المطلوبة من أجل الدفاع عنهم.
هذه هي السنة الرابعة على التوالي التي تكون فيها نسبة الزيادة في المستوطنات المعزولة في حالة انخفاض، رغم أن هذه تشكل بيت أتباع أرض إسرائيل الكاملة، و«غوش ايمونيم» على مر أجيالها، ومصوتي البيت اليهودي بالأساس. مشروع الاستيطان الذي استثمرت فيه خلال العقود الخمسة الأخيرة مئات مليارات الشواقل لم ينجح في تحقيق الهيمنة اليهودية في المكانة والديمغرافيا باستثناء «الكتل» التي تمتد على أقل من 5 في المئة على أراضي الضفة الغربية.
رغم حقيقة أن أقلية يهودية صغيرة في الضفة الغربية تسيطر ديمغرافياً على نسبة صغيرة من الضفة، وأن ثلثها هو الأكثر فقراً في إسرائيل (العنقود 1) و71 في المئة منها تحت متوسط المؤشر الاقتصادي ـ الاجتماعي في إسرائيل، يواصل من يرفضون الاتفاق الدائم تقديس الوضع الراهن. الوهم الذي لا يتحقق منذ خمسين سنة، بأنه بالتدريج سيحدث الانقلاب، لا يتوقف عن الإضرار بإسرائيل: الجمود السياسي الذي يقوض مكانة م.ت.ف والسلطة الفلسطينية ومن يقف على رأسهما، محمود عباس، الذي يمكن أن يؤدي إلى حل السلطة الفلسطينية وإعادة المسؤولية عن 2.6 مليون فلسطيني إلى أيدي إسرائيل؛ وجولات العنف المتكررة مع حماس في القطاع، التي تجبي ثمناً باهظاً من سكان بلدات غلاف غزة والجنوب، ومن اقتصاد إسرائيل، ومن صورة الجيش الإسرائيلي ومن مكانة إسرائيل في العالم.
هذا الفشل الذريع لا يضعف عزيمة من يؤمنون بهذا الوهم، الذين يواصلون محاربة حل الدولتين لشعبين، الذي هو مطلوب لمستقبل إسرائيل والفلسطينيين. هم في أعماق قلوبهم يدركون الفشل في تثبيت وقائع غير قابلة للعودة عنها على الأرض، وتهيئة الظروف المطلوبة لضم يهودا والسامرة دون المس بالحلم الصهيوني. بناء على ذلك، نحن نشهد محاولات «تحقيق مكاسب متخيلة» عن طريق ضم أجزاء من المناطق ج أو جميعها، لإسرائيل، والانتقال من «الضم الزاحف» الذي فشل إلى «الضم بواسطة قانون سيحول إسرائيل إلى دولة واحدة تمارس سلطة الابرتهايد الرسمية أو تفقد طابعها اليهودي لصالح الأغلبية العربية.
الاحتمال الوحيد لإنقاذ مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والحفاظ على نظام وهوية دولة إسرائيل، هو من خلال اتفاق دائم، حتى لو احتاج إلى وقت لإنجازه وتحقيقه بالتدريج. في كل اقتراح للحدود الدائمة ستحظى إسرائيل بالحفاظ على 80 في المئة من الإسرائيليين الذين يعيشون خلف الخط الأخضر تحت سيادتها.
لعدد من الإسرائيليين، الذين ينتمي معظمهم إلى التيار القومي المتطرف ـ المسيحاني، سيكون هذا نهاية سيئة تتمثل في الإخلاء وتصدع صعب بالإيمان. من الأفضل لإسرائيل نهاية سيئة (التي يجب فعل كل ما يمكن من أجل تقليصها) لـ 1 في المئة من السكان على شر لا نهاية له لجميع السكان.

شاؤول اريئيلي
هآرتس 19/11/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية