الاقصي صخرة وطنية
هشام نفاعالاقصي صخرة وطنية الاقصي جزء من القضية الوطنية الفلسطينية، وليس العكس. خدمة قضية الاقصي ومكانته تستدعي الدقة في وضع المعادلات، ضمن رؤية الصورة بتركيبتها كلها. طالما ان القدس الشرقية محتلة، فهو قضية سياسية اولا. وحصرُ هذا المعْلم الحضاري التاريخي، في هذه الحال، ضمن اطار الشعائر الدينية فقط، ستكون له تداعيات سلبية. ومن نافلة القول انه لا نقاش حول مكانة الاقصي الدينية بالنسبة الي كل اصحاب الايمان الديني. وهو ايمان يحترمه كل ذي فكر حر. فمعني حرية الفكر والفكر الحر هو احترام معتقدات الآخرين.من المريح لاسرائيل الرسمية حصر الجدل، في ما يتعلق بالاقصي والمقدسات عموما، ضمن اطار وحيد هو اطار الشعائر الدينية. وكان الامر ينتهي بحسم مثل هذه القضايا عبر تفاهمات مع ذوي شأن ديني، وليس عبر مفاوضات سياسية مع قيادة الشعب الفلسطيني. (ولننظُر الي استيراد وفد المراقبة التركي الذي سيُفتي في القضية!). لكن اي حسم بغير التفاوض السياسي سيكون اشبه باللعب في ملعب المؤسسة الاسرائيلية وسادتها. فلو ان النقاش انحصر في عدم الاقتراب الملموس من الاقصي او القيامة او اي معلم مقدس في المناطق الفلسطينية المحتلة، ماذا ستكون الحجة في هذه الحالة، علي سبيل المثال: لنفترض ان المؤسسة الاسرائيلية تقرر عدم الاقتراب من تلك المقدسات، بل تبتعد عن محيطها مئات الامتار، لكنها في الوقت نفسه تبقي القدس الشرقية الفلسطينية تحت الاحتلال العسكري، فهل سينهي هذا الامر مس تلك المقدسات؟هل يمكن القول عندها ان مس حرمة الاقصي انتهي؟ هل يتوقف مسُه فيما تواصل اسرائيل ضرب حرية العبادة ومنع شريحة واسعة من المصلين من الوصول اليه، بأدوات الاحتلال؟ ان عزل الاقصي عن مصليه هو مس للحرية والمعْلم الدينيين. وهو ما يؤكد، ثانية، ان القضية سياسية اولا. ثم ان مس الاقصي وحرمته وقدسيته لم يبدأ اليوم. بل منذ حزيران (يونيو) 1967، حين بدأ الاحتلال الاسرائيلي. ومن المؤسف ان بعض التوجهات، ومن خلال تشديدها علي البعد الديني، تقلل عمليا من تاكيد هذه الحقيقة، وبالتالي من الشاو السياسي الكامن في قضية الاقصي. وهكذا، حين تأتي مناشدة تلك الجهات الانظمة العربية والاسلامية التدخل، من دون تاكيد قضية الاحتلال، فهي تعفي هذه الانظمة، دونما قصد، من المسؤولية التي يجب ان تتحملها في الجانب السياسي. وهي انظمة مكبلة سياسيا ذاتيا باذدنابها لحامي الاحتلال الاسرائيلي الاكبر المتمثل في الولايات المتحدة. هنا تكمن الجذور، ومن هنا ستظل البداية.ان المؤسسة الاسرائيلية تسعي بكل جهد للانخراط في التوجه الامريكي الذي يبغي تسعير ما يسمي بـ صراع الحضارات بمفهومه الديني. لان هذا الجدل يغيب جوهر الصراع. ينزع عنه ماهيته الاستعمارية والاحتلالية ويبقيه في فضاء فضفاض كاذب، كان قوامه الصراع الرمزي بأدوات روحانية. هذا مع ان الصراع ملموس ومحسوس وممارَس ماديا علي الارض. انه، بالاساس، صراع علي موارد وخيرات وسيادة وليس علي رموز. من لا يقبل بهذا فهو كأنه يقبل بالخطاب الامريكي.من هنا: من يحصر قضية الاقصي في المساحة الدينية فانه يضر بالقضية، بقضية الاقصي. ومن يمنح اولوية الامر لهذا البُعد، فهو يقوم من دون ان يدري بالانخراط في خطاب صراع الاديان المشبوه. لانه يقدم لاصحاب الخطاب المهيمن، طواعية، الشق الثاني من المعادلة التي بها تكتمل هيمنتهم. وهي هيمنة نحتاج الي مقاومتها عبر التاكيد علي انه ليس هناك صراع اديان، بل صراع حول مصالح سياسية يهتم طغاة الاستعمار بتغليفها بالاديان، غايتها مواصلة السيطرة علي- والتصرف- بخيرات شعوب المنطقة.زيادة في التوضيح اقول: ان من يدعي ان الصراع ديني بالاساس فهو يقول عمليا ان التوجه الاسرائيلي ليس احتلاليا توسعيا، بل انه ديني. وهذا يخلق مساواة وتوازيا بين من يمارس البطش والقمع والسيطرة العسكرية وبين من يتصدي له؛ لا يعود هناك قامع ومقموع، بل اثنان متمترسان كلٌ في دينه! وهو يقول، دونما ان يقصد ايضا، ان توجه البيت الابيض هو الصحيح: مجرد صراع اديان وثقافات لا توجد معايير لحسمه، وليس صراعا بين قامعين متعجرفين استعماريين وبين مقموعين مقاومين وطنيين، معيار حسمه هو ذلك الفاصل بين الاستعمار الاستغلالي وبين التصدي له ومقاومته.ان قدسية الاقصي، وفقا لكل المؤمنين بها، ستظل قدسية مطلقة حتي لو وقع تحت اي حُكم. فلم تنتقص كل الاحتلالات السابقة للقدس، ولا هذا الحالي الاسرائيلي ايضا، من قدسيته. لكن المسألة ليست القدسية فحسْب، بل المعاني الحضارية والوطنية المرتبطة بها. وهكذا، يظل السؤال الحقيقي الاول هو الوطني التحرري. وهو ما يجعل قضية الاقصي، ايضا، قضية العلمانيين الرافضين والمقاومين للاحتلال والاستبداد.ان تحرير الاقصي لا يمكن ان ينحصر في تحريره من جرافة عابرة، ولا من حفريات راهنة، ولا من مخططات عينية. فحتي لو تحرر منها في حين تبقي القدس الشرقية، فضاؤه الوطني، تحت الاحتلال الاسرائيلي، سيظل منتهكا. لذلك فان تحرير الاقصي هو جزء من التحرير الوطني الفلسطيني للقدس الشرقية من الاحتلال. ان علي الوطنيين الفلسطينيين العلمانيين عدم ترك الخطاب الاسرائيلي المتامرك يبتلع القضية وكانها تفصيل آخر في صراع اديان وثقافات. وعلي المؤمنين والمتدينين الفلسطينيين ان يحذروا من الوقوع، دونما قصد، في فخ هذا الخطاب. فالقضية الفلسطينية كانت ولا تزال مسالة تحرر وطني قبل كل شيء. والدين، كل دين، والحق في ممارسة شعائره والحفاظ علي مقدساته، هي جزء من القضية الوطنية. القضية الوطنية وقضايا التحرر عموما هي اكبر من قضايا ممارسة الاديان. فالاديان ليست شعائر فقط، بل نهج حياة وحضارة وثقافة، لا يمكن ان تُمارس سوي علي ارضية من الحرية والسيادة الوطنية. وضمان حرمة معالم الاديان في القدس الشرقية مشروط بشكل تام وواضح بضمان التحرر الوطني الفلسطيني بما يشمل القدس الشرقية، كعاصمة للدولة الفلسطينية التي ستقوم حتما. في مراحل التحرر الوطني، السقف الوطني هو السقف الاعلي، وشعبنا الفلسطيني لا يزال يعيش بصمود في هذه المرحلة، وهذا هو سقف قضيته. وان الاقصي، ايضا، صخرة وطنية.ہ كاتب من فلسطين8