مور التشولر خرجت في الأسبوع الماضي بدعوة مؤثرة ليهود الغرب الليبراليين ـ لا سيما يهود الولايات المتحدة وبريطانيا ـ من أجل التنازل عن الهدف المثالي عديم الجدوى حسب رأيها، لأن تصلح بروح الحرية والعدالة المجتمعات غير اليهودية التي يعيشون فيها. وبدلاً من ذلك أوصتهم بأن يفحصوا بشكل جدي خيار الهجرة إلى إسرائيل (هآرتس، 13/11). أنا أوافق على دعوتها: أجل، يجب على يهود العالم الغربي التفكير بجدية بالهجرة إلى إسرائيل، لكن ليس بسبب التخلي عن «إصلاح العالم»، حسب القيم الإنسانية وتقبل الآخر، بل بالعكس، من أجل الإسهام في تجسيد هذا الهدف في دولة إسرائيل ـ من خلال تغيير صورتها المأمولة من دولة عرقية ـ قومية متطرفة وعنصرية على شاكلة دول شرق أوروبا الآن، وبين الحربين العالميتين، إلى مجتمع مثالي ومتساو وديمقراطي وليبرالي ومنفتح، بروح حلم آباء الصهيونية.
عندما تعمل بكل ما أوتيت من قوة من أجل إقناع المثقفين اليهود الليبراليين في الغرب على التخلي عن الإيمان الساذج والمتعصب، حسب رأيها، بالمبادئ العالمية والإنسانية، فيبدو أنها تعتقد أن هذه القيم كانت من النصيب الحصري لليهود «الكوسموبوليتانيين» العالميين المندمجين، مثل اليهود البلشفيين الذين يكرهون إسرائيل جداً ـ في حين أن الصهيونية، هكذا يظهر في أقوالها، طلقت تلك القيم طلاقاً لا رجعة عنه لصالح خصوصية قومية يهودية بحد ذاتها. ولكن هذه رؤيا خاطئة من الأساس وهي تعكس الصورة المشوهة للفكرة الصهيونية، التي شكلوها لتصبح متناسبة مع القيم القومية المتطرفة والقومية المركزية التي تميز المجتمع الإسرائيلي الحالي. هذه الرؤيا بعيدة جداً عن الصورة التاريخية للصهيونية السياسية.
كل من يقرأ النصوص الثلاثة الأساسية لثيودور هرتسل ـ «الغيتو الجديد» و«دولة اليهود» و«أرض قديمة ـ جديدة» ـ يدرك أن هرتسل لم يتنازل عن الأفكار المتنورة والعالمية في طريقه إلى الصهيونية، بل على العكس، فقد اعتبر هرتسل الصهيونية الطريق السليمة للشعب اليهودي من أجل تطبيق هذه الأفكار، نظرياً وعملياً، على اعتبار أنها الجوهر الخاص لمعنى الوجود القومي اليهودي في العالم. لذلك قام هرتسل من جديد بتبني الصيغة الوطنية، والصفات العميقة لفكرة الهوية اليهودية ـ الإصلاحية. إذا كان الإصلاحيون اعتقدوا أنه من أجل القيام بدورهم في العالم كـ «النور للأغيار»، فيجب على اليهود مواصلة العيش في الملاجئ. صهيونية هرتسل حددت بأن مهمتهم الأخلاقية الجماعية الخاصة سيحققها اليهود كقومية حرة ذات سيادة، وتعرف كيف تجسد بصورة مثالية في حياتها السياسية قيم التسامح والليبرالية والعدالة التي لم تنجح الشعوب الأوروبية في تطبيقها بسبب القومية المتطرفة واللاسامية.
إسرائيل الحالية تجسد في هيئتها وسلوكها نفس القسمات العرقية التي اشمأزت منها الصهيونية
صحيح أن مؤسس الصهيونية الثقافية، احاد هعام، تحفظ مما رآه لدى هرتسل كإخضاع روح اليهودية للقيم والأفكار الأوروبية، ولكنه خشي من احتمال أن الدولة اليهودية العتيدة ستتصرف بروح القومية المتطرفة وكراهية الآخر ـ كما خبرها بنفسه على جلده أثناء المذابح في أوديسا عام 1905.
إسرائيل الحالية تجسد في هيئتها وسلوكها نفس القسمات العرقية ـ الوطنية المتطرفة التي اشمأزت منها الصهيونية الحديثة في بداية طريقها. إسرائيل نتنياهو هي وبحق «نور للأغيار» ـ هي نور للظلاميين والعنصريين والقوميين المتطرفين، من حكام شرق أوروبا وشرق آسيا وشمال أمريكا وجنوبها ـ جميعهم معجبون جداً برئيس الحكومة، وهو معجب بهم بصورة لا تقل عن ذلك. في مقابلهم، يهود الغرب ولا سيما يهود بريطانيا ويهود أمريكا يشكلون الآن في جزء غير قليل منهم، أحد المعاقل الأخيرة لمبادئ الديمقراطية الليبرالية الغربية. الكثيرون منهم يمثلون، لا سيما يهود أمريكا، طبقة المثقفين الليبرالية في مواقفهم. هذه هي الطبقة التي وصفها غادي تاوب بصورة نمطية ـ اللاسامية في أساسها ـ بـ «الطبقة المتحركة»، وهي تظهر موقفاً شجاعاً ومثابراً ضد القومية المتطرفة والشعبوية الجديدة لدونالد ترامب.
في أعماق قلوبنا، هؤلاء اليهود هم الذين يواصلون طريق المخلصين لصهيونية هرتسل المتنورة. إذا استجابوا فقط بشكل إيجابي لدعوة التشولر وهاجروا إلى البلاد، وبعد ذلك تدفقوا إلى صناديق الاقتراع، فسيستطيعون تقديم مساعدة أساسية وحاسمة على إسقاط حكم اليمين في إسرائيل، والتطهير الداخلي لوعي الإسرائيليين من الخلطة الملوثة والمضيعة للسيادة والمسيحانية، وإزالة مرض الاحتلال والاستيطان من جسد إسرائيل القومي، وأخيراً إكمال المشروع الوطني الليبرالي لآباء الصهيونية السياسية. بذلك هم سيصلحون أيضاً الأضرار الكبيرة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي في مجال الأخلاق والسياسة في أعقاب الهجرة الكبيرة الأخيرة ـ من الاتحاد السوفييتي السابق ـ غير الليبرالية والقومية المتطرفة في أساسها، التي ما زالت تشكل حتى الآن أحد الأركان الأساسية لليمين العنصري في إسرائيل.
رغم تعزز اللاسامية في العالم الغربي فإن الهجرة الجماعية ليهود الغرب، كما تريد التشولر تشجيعها، ما زالت تبدو خيالية وضعيفة جداً. ولكن إذا كان يمكننا تعلم شيء ما من التاريخ فإن ما يبدو كأمر مستحيل الآن يمكن أن يعتبر في الغد أمراً طبيعياً ومفهوماً من تلقاء ذاته. أخيراً، فقد اعتبرت فكرة دولة اليهود في حينه وهماً خيالياً مرفوضاً.
دمتري شومسكي
هآرتس 21/11/2018