قراءة في مسيرة نجدة انزور الاخراجية: من الفانتازيا التاريخية لقضايا الارهاب والاسلام

حجم الخط
0

عادل العوفي هو مبدع من الطراز الرفيع قبل ان يكون مشاكسا يرمي بسهامه في كل الاتجاهات، لا احد يستطيع ان ينكر بصماته الواضحة على الدراما السورية والعربية… يعتبر نفسه الرقم الاصعب في معادلة الاخراج في العالم العربي، كل ذلك بفضل مثابرته وموهبته التي بوأته مكانة يصعب على اي كان الوصول اليها.

محارب صنديد في زمن الضعف العربي، زاده في ذلك افكاره ورؤيته الفنية التي صارت مرجعا في عالم الاخراج العربي، صاحب ‘نهاية رجل شجاع’ والثلاثية الشهيرة ‘الجوارح’ و’الكواسر’ و’البواسل’، وغيرها الكثير من الاعمال التي لها وقع خاص في قلب وذهن المشاهد العربي، انه المخرج الظاهرة نجدة اسماعيل انزور ذو الشخصية المثيرة للجدل.

هكذا بدأت الرحلة نجدة انزور من مواليد مدينة حلب سنة 1954 وهو من اصول شركسية، درس الهندسة الميكانيكية قبل ان يحول وجهته صوب الاخراج متأثرا بمسار والده المخرج المعروف اسماعيل انزور صاحب اول فيلم سوري صامت بعنوان ‘تحت سماء دمشق’ عام 1931 كانت بداياته الاولى في اخراج الافلام الدعائية قبل ان يكون اول مخرج يدخل تقنية الفيديو كليب الى العالم العربي، ليتوج تلك البداية المشجعة باول فيلم تلفزيوني له تحت عنوان ‘نزهة على الرمال’ سنة 1987 لتتوالى بعده الاعمال بفيلم سينمائي يعتبر باكورة افلامه بعنوان ‘حكاية شرقية’، وبهذا الفيلم شارك المخرج نجدة انزور في 23 مهرجانا سينمائيا حصل بموجبه على العديد من الجوائز والشهادات التقديرية لتظهر في الافق ملامح مخرج سيقلب موازين الاخراج في العالم العربي.

نقطة التحولبرواية الكاتب السوري الكبير حنا مينه ‘نهاية رجل شجاع’ وبرؤيته الاخراجية واسلوبه المميز استطاع انزور ان يشق لنفسه طريقا، وقد حصد هذا العمل نجاحا منقطع النظير بمشاركة فنانين يدينون له بالفضل في ظهورهم بذلك الشكل اللافت، يقودهم الفنان ايمن زيدان والفنانة الشابة انذاك سوزان نجم الدين وغيرهما، كان ذلك العمل مناسبة لابراز مواهبهم وليكون بداية تسلقهم لسلم النجومية ولينذر بان قوة جديدة بدأت بالتشكل وستغير كثيرا معالم الدراما العربية. انزور وهاني السعدي.. الثنائيكان مسلسل ‘الموت القادم الى الشرق’ بمثابة ميلاد ثنائية اثارت اعجاب الجمهور بجودة ما تقدمه، وبادخال نوع جديد شد انتباه المشاهد العربي ليجد فيه هامشا من الحرية المفقودة الى جانب اشباع الرغبة بغد افضل، في عالم لا يعرف الا الهزائم والخيبات مرادفا له، في ‘الفنتازيا التاريخية’ التي اسس لقواعدها انزور والكاتب هاني السعدي وجد المشاهد العربي ضالته وتحولت شخصيات مثل ‘شفيق’ و’خالد’ ‘ابن الوهاج’ و’ابن الرومية’ كما كان الحال في ثلاثية ‘الجوارح’ و’الكواسر’ و’البواسل’ الى ابطال حقيقيين يعيشون بيننا، وشكل ذلك النوع من الدراما الذي يعتمد بالاساس على الخيال وباماكن وازمنة مفترضة، قفزة كبيرة في مسار الدراما السورية ارتقت بها واستطاعت كسب نقاط كثيرة لتحجز لنفسها مكانا قارا في قلوب المشاهد العربي ولتصنع جيلا جديدا من المبدعين الذين كانوا حتى الامس القريب اسماء مغمورة في سماء الفن العربي، وبعد تلك الثلاثية واصل انزور في استثمار هذا النجاح الساحق باخراج اعمال اخرى كانت في مستوى سابقتها على غرار ‘رمح النار’ و’المسلوب’. بعد ذلك جاء الطلاق الذي اثار حفيظة الكثيرين من محبي وعشاق الدراما التلفزيونية بين الكاتب الكبير هاني السعدي والمخرج نجدة انزور، اثر خلاف نشب بينهما على اثر قيام المخرج بتحويل مسلسل ‘اخر الفرسان’ الى عمل بدوي والتطاول على النص، من دون الرجوع الى الكاتب لتشكل هذه النقطة نهاية مسار جمع مبدعين يتمنى الجميع لو دام التعاون بينهما فترات اطول.

نجدة انزور ‘الارهابي’بعد مسلسلي ‘البحث عن صلاح الدين’ و’فارس بني مروان’ آثر المخرج السوري ان يواصل رحلته الفريدة بتناول موضوع كان مالئ الدنيا وشاغل الناس في تلك الفترة، ولانه يهوى اثارة الجدل فقد اختار موضوع ‘الارهاب’ ليكون مادة للطرح في اعماله المقبلة، فكانت البداية بمسلسل ‘الحور العين’، الذي صورت اغلب مشاهده بالسعودية وسورية، والذي كان محور جدل كبير بسببه اسمه اولا وبسبب محتواه ثانيا، ولانه عنيد بالفطرة ومتشبث بآرائه فقد تجاهل كل تلك الضجة التي صاحبت اختياره لموضوع الارهاب كموضوع حساس، وواصل المغامرة بعمل آخر لا يقل جرأة كان بعنوان ‘المارقون’ تضمن مجموعة من القصص الواقعية، التي حدثت في المغرب وسورية وبريطانيا والعراق، استطاع من خلالها المخرج ان يضع الاصبع على الجرح باسلوب فني غاية في الروعة.

الفارسبشجاعة الفرسان يواصل انزور الرحلة متحديا كل الصعاب التي يزرعها البعض في طريقه، فقد حاصروه اعلاميا وماديا ولم ينجحوا… ولعل ابرز مثال عن ذلك انه تحدى الجميع وتحدى ظروفه الصعبة وقرر ان ينتج ويخرج عملا يدافع فيه عن الاسلام بعد الرسومات الدنماركية المسيئة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعمل تحت عنوان ‘سقف العالم’، كان ردا يوضح عظمة الاسلام وسمو رسالته… وفي رمضان الماضي استطاع انزور ان يعود الى الواجهة بعد فترة من الغياب بمسلسلين استحوذا على نسبة مشاهدة كبيرة وهما ‘ذاكرة الجسد’ عن الرواية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم للكاتبة الجزائرية الكبيرة احلام مستغانمي، وبمسلسل ‘ما ملكت ايمانكم’ وهو استكمال لسلسلة اعماله عن موضوع الارهاب وبمعالجة مختلفة رافقتها ضجة كبيرة كما هي حال مجموعة من اعماله الاخرى.

جديد انزورفي تحد جديد له يصور حاليا نجدة انزور عملا هو عبارة عن سيرة ذاتية للشاعر العربي الكبير محمود درويش ويحمل اسم ‘في حضرة الغياب’ وبمفاجأة كبيرة تتمثل في مشاركة الفنان اللبناني مارسيل خليفة في العمل وبشخصيته الحقيقية باعتبار الصداقة الوثيقة التي كانت تجمعه بالشاعر الراحل، يسعى انزور لتكريس اسمه بين المخرجين العرب الذين اسسوا لقواعد اخراجية جديدة تعتبر مدرسة بحد ذاتها للمخرجين الشباب.

من باب الانصاف هي لفتة اراها ضرورية في حق رجل يستحق الكثير ولأن حربا اعلامية تشن عليه في الخفاء، يقودها اعداء النجاح.. واعداء الفن الراقي، الذي يحمل مضمونا وهدفا ساميين، فقط لان هذا المخرج لا يتقن اللعب على الحبلين، ما في قلبه على لسانه كما يقال، ولانه ذو مشروع عام ويعتبر لسان حال المواطن العربي البسيط، وما اعماله التي رسخت في عقل المشاهد العربي الا دليل على ذلك، والحقيقة انه ومنذ فترة ليست بالقصيرة والرغبة في كتابة مقال عن سيرة هذا المخرج تجتاحني من باب الانصاف ورد الاعتبار لا اقل ولا اكثر ولاننا امة تنسى بسرعة اعمال مبدعيها… للاسف… كاتب من المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية