الرواية العربية المكتوبة بالإنكليزية هي نوع من الأدب الطامح الى تحقيق تواصل معرفيا وإنسانيا مع الغرب على وجه الخصوص إن كانت أحداثها قد صيغت بين مكانين وفضاءين، الأول عربي والثاني غربي. لكل مكان خصائصه الجلية والواضحة الباقية مثل البصمة في حياة أفراده. وفي مقابل هذه الصورة من الثنائية بين الثقافتين فإنه هناك بعد المعايشة صورة هجينية ثالثة تنتج من اجتماع هاتين الثقافتين وتحولات الذات بينهما. ولكنها ليست بالضرورة محصلة نهائية في الأمر، فهناك من يعود كما رحل وأشد من ذلك نتيجة لانغلاقه الفكري، إلا إن هذا لم يحدث مع مريم بطلة رواية «الطريق إلى المدينة».
الأديب والأكاديمي السعودي علاء الغامدي حقيقة مثل لي حالة إبداعية متوافقة في الكتابة الفكرية والإبداعية، فما حققه على المستوى الأكاديمي في مجال دراسته اتضح بعالمه الإبداعي، كما كان انعكاسا لتجربته الخاصة في الغربة التي قضاها في مدينة لييدز كما قضتها بطلة روايته مريم أيضا إذ يجمعهما ذات التخصص، الأدب الانكليزي.
أولا أود أن أشير إلى تجربته الأكاديمية في دراسة أدب ما بعد الاستعمار حيث اطروحته الدكتوراة مختصة بهذا الشأن بعنوان: « تحولات الذات الحدية» وفيها يتحدث عن تقلبات الهوية بين فضاء الوطن في بلاد مستعمرة والفضاء المضيف المستعمر في بريطانيا في زمن ما بعد الاستعمار حيث قارب العديد من الأسماء الروائية الهامة مثل سلمان رشدي وفادية فقير.
بالالتفات إلى منتجه الإبداعي التخييلي، الذي يرتبط مضمونيا برحلته وموضوع بحثه للدكتوراة، تطالعنا رواية «الطريق إلى المدينة» بوصفها روايته البكر التي حاول فيها أن ينقل إشكالية الابتعاث وليس الاغتراب منذ بداية نشوء الفكرة عند الطالب المبتعث بمباركة الأهل، وإعداد كل الإجراءات والتجهيزات المتطلبة لمثل هذه الرحلة المعرفية وصولا إلى مرحلة الوصول إلى أرض الابتعاث، وتفاصيل دقيقة ترصد حالة يمر بها كل أجنبي في عدم معرفة التصرف مع أمور روتينية وبدهية وصولا للاعتياد والاندماج في الجو الأكاديمي حتى تكوين العلاقات مع الآخر العربي والغربي على المستوى الاجتماعي والفكري والثقافي.
بطلة الرواية مريم تمر بمرحلة من التحولات في الإدراك منذ البداية حتى العودة إلى المدينة كما يتجلى في عنوان الرواية «الطريق إلى المدينة» حيث تكون نهاية الرواية تحقق دلالة دائرية للعنوان، فقارئ رواية الغامدي يبدأ بقراءة العنوان «الطريق إلى المدينة»، وينهيها بعودة البطلة إلى المدينة بعد عدة من التحولات منذ البداية حتى النهاية التي مرت بها مريم التي سنعرض لها بما يلي وفقا لأحداث الرواية المتابعة:
اقتناع مريم بالسفر بعد ممانعتها بسبب نظرتها المحافظة والتقليدية من خلال الحاح والدتها الأكاديمية التي ارتحلت لنفس المكان الذي ارتحلت له مريم.
السفر والتأقلم بالفضاء الأكاديمي الجديد مع التأكيد على فكرة الانسجام التي حظيت بها مريم من دون فكرة التصادم والاغتراب المعرفي بداية التي يعاني منها مجموعة كبيرة من المبتعثين للخارج، ولكن يبدو إن مريم طالبة الأدب الإنكليزي التي عاشت في فضاء ثقافي مؤهل لهذه الحالة ساعدتها كثيرا في مهمتها العلمية.
تعرف مريم على الطالب ولسون وعطفها عليه كونه يدعي دخول أمه في المستشفى لمرض عضال، وصداقتها له غير المؤطرة بحدود، وهنا يبدأ أول تحول أخلاقي ملحوظ في حياة مريم حيث تحولت من الفتاة المحافظة إلى الصديقة الحميمة لرجل انكليزي لا تعرفه بشكل جيد وتدمن على علاقتهما فيما يبدو من أحداث. وهذا أمر غريب حقا وشاذ أراد أن يصوره الكاتب فعرض لهذا التساهل، مما لا يعني ان الكاتب يشجعه ولكن يصوره كما هو لأعين القراء.
زيارة أخيها لها ونقاش مفصلي في علاقتها مع ولسون تراجعت مريم بعدها عن ذلك ادراكيا من خلال إعادة التقاط وجه من وجوه مريم المتسامحة والودودة التي تحب ان تكون ممرضة لكي تعالج أبناء الحي، من خلال هذه اللقطة الاسترجاعية من الماضي استطاع صالح أن يكشف لمريم معرفيا إن علاقتها مع ولسون هي ليست إلا علاقة عطف وشفقة مشفوعة بشغفها الإنساني القديم والمتأصل بروحها في مساعدة الآخرين.
اكتشاف مريم لكذب ولسون من خلال حوارها مع أمه بأنها ليست مريضة وإن معزوفاته الليلية لها ما هو إلا حقيقة معكوسة حيث كانت الأم هي من تعزف له هذه المعزوفات.
دخول مريم للسلك التطوعي عن حياة اللاجئين وصدمتها الثانية برفضهم لها كمتطوعة بسبب القوانين والإجراءات لإشكالية التي يمر بها العمل التطوعي بوصفه وسيلة للحصول على إقامة.
عودة مريم وصديقتها رشا إلى السعودية (المدينة) بالعباءة وغطاء الشعر والوجه.
الرواية بنيت على واحد وعشرين فصلا من خلال دائرة السرد التقليدي المتتابع عبر ضمير الغائب كلي المعرفة الذي يعرض للأحداث والتفاصيل والحوارات بين الشخصيات، (التي لعبت دورا هاما في تغيير قناعات مريم، فكل حوار ينقل مريم إلى مرحلة إدراكية مختلفة تتغير خطواتها الإجرائية، ولكن طول الحوارات سبب في عملية قلقة لقضية التشويق السردي)، وكشف العالم النفسي لمريم تحديدا مع تجاهل عوالم الآخرين. هو سارد يقوم بالشرح والتعليق والتحليل أيضا ليقدم منحى سرديا قديما لا يضفي التشويق على عالم الرواية من ناحية الخطاب السردي؛ فنحن اليوم بعالم الأصوات السردية المتعدة وتنوع الضمائر السردية ولا أعلم حقيقة الوظيفة الدلالية التي قدمها هذا النوع من السرد. كما إنه من ناحية أخرى يقوم بتغييب حضور الأنا السردية والاعتراف بتجربتها كمنحى مابعد حداثي هام في الأدب الحديث. وبما إن الرواية كذلك رواية تتحدث عن فضاءين فكان من الجميل اشراك ولسون بالسرد وشرح نظرته ورؤيته لمريم الفتاة السعودية المتحررة نسبيا فنحن لا نعلم لم ولسون على سبيل المثال قام بالكذب على مريم ألا يحق لمثل هذه الشخصية أن تعرض رؤياها الخاصة بمريم مهما كانت عنصرية ومتطرفة، أو تعود لطبيعة إنسانية لا تمثل الغرب بل تمثل السلوك الفردي المحض. يبرز لنا سؤال آخر مهم يتعلق بسلوك مريم في الرواية فهي تقوم بتصرف مخالف لما هو معروف عند بقية الفتيات المبتعثات من اهتمامهن بأسئلة كثيرة هامة وهموم مختلفة من حيث التفاصيل اليومية المعيشية في بريطانيا تحديدا ومقلقة لهن أكاديميا من مثل إشكاليات صعوبة الدراسة واللغة وتحصيل القبول والنقاش الأكاديمي المتناغم في أحيان قليلة والمتنافر في أحيان أكثر. وهذا يعود لعدة أسباب قد يكون اختلاف الفضاء وصعوبة التواصل باللغة المضيف أهم أسبابها. فهل من هموم الطالبة المبتعثة أن تعيش علاقة حب مع طالب انكليزي او حتى عربي؟ لا بالطبع مع استثناءات قليلة، حيث كانت مريم هي الاستثناء، عبر عنها الكاتب في هذه الرواية، وكأنه يقول بشكل مبسط: أنا لست معنيا بهذه النوعية من الطالبات التي تسير على جادة الطريق القويم ولكني مهتم بهذه الشريحة الضالة، لذلك كان تشويه صورة ولسون في الرواية مثل العظة والعبرة لهن كدور وعظي تربوي لهن بطريقة غير مباشرة، ومن خلال الادراك المعرفي لخواء هذه التجربة من الثمار الناتجة. وهنا تأتي هذه الرواية وهي تصب بتيار فكري كبير مهيمن على أدب الهجرة في العودة إلى الجذور والأصول مثل «موسم الهجرة إلى الشمال» و «اسمي سلمى».
بشكل عام قراءة هذه الرواية تثير عدة أسئلة هامة مصاحبة للرواية تصب أهمها في قضية نوعية المتلقي المرجو للرواية، وكيف يستقبل العمل؟ فإن كان المتلقي غربيا فهل سيقبل بسهولة تشويه صورته، وإن كان عربيا وسعوديا تحديدا هل يتقبل تشويه صورة الفتاة السعودية؟ لذا أجد إن قلة الشخصيات هي السبب المباشر في تقديم الرؤى الأحادية بدلا من تعدد قادر على تقديم رؤية أوسع وغنية لكل تفاصيل حياة الطلبة المبتعثين في الغرب.
الغامدي، علاء، «الطريق إلى المدينة» رواية، عن طريق دار ( Bloomington)، الطبعة الأولى 2014م.
سعاد العنزي