جريمة سامراء مقدمة لتفكيك العراق العربي
هارون محمدجريمة سامراء مقدمة لتفكيك العراق العربيأثبتت أحداث الاسبوع الماضي في العراق، عقب تفجير قبة ضريح الامام علي الهادي في سامراء وسلسلة العمليات التخريبية ذات الطابع المذهبي التي إستهدفت مساجد ومناطق ومنازل السنة العرب في بغداد والبصرة تحديداً، إن المشروع الاسلامي المغلف بغطاء طائفي والمطروح بقوة في الساحة العراقية حالياً سيقود البلاد بلا محالة الي حرب أهلية، ولا تنفع معها دعوات التهدئة التي صدرت عن هيئات وشخصيات دينية، لانها ببساطة غير ملزمة وخصوصاً لقيادات واحزاب معينة تدفع باتجاه الاقتتال الداخلي وصولاً الي أهدافها في تقسيم العراق واقتطاع اجزاء منه لإنشاء أقاليم وفيدراليات وكيانات تتحول مع مرور الوقت الي دول وحكومات شبه مستقلة، تنفصل تدريجياً عن العراق.فما جري في سامراء واختيار هذه المدينة لم يأت اعتباطا او صدفة، انما هو مخطط رسم في ليل، ودبر في أقبية أحزاب طائفية، ونفذته ميليشيات مسلحة ومدربة سواء ارتدي افرادها ملابس الشرطة او أزياء المغاوير او الحرس الوطني، وحسناً فعل اهالي سامراء يوم السبت الماضي عندما أصروا علي غلق الضريح ورفض ترميمه واعادة بنائه من قبل بوش وأتباعه في العراق الا بعد إجراء تحقيق نزيه يكشف علناً الجهات التي اوعزت الي عناصرها بتنفيذ الجريمة وهي جهات باتت معروفة باسمائها وعناوينها في الشارع العراقي، مع التزامهم ببناء المرقد من قبل السامرائيين وحدهم، باعتبارهم حراس الامامين الهادي والعسكري منذ الف ومائتي عام، حافظوا عليهما واهتموا بهما جيلاً بعد جيل، وكم كان جميلاً عندما فتح أهل (سر من رأي) باب التبرع لاعادة بناء الحضرة العسكرية وجاءت الحصيلة في اليوم الاول وحده (400) مليون دينار والبقية تأتي قريباً. ومن حق السامرائيين ان يطالبوا بالتحقيق النزيه وفضح الجهات التي استهدفت أحد سادتهم ، لأن ما جري لضريح الامام الهادي العربي القرشي الهاشمي عليه السلام، كان موجهاً اساساً اليهم، ويلقي بالتهمة عليهم، وفق مخطط طائفي انكشفت صفحاته الاولي عندما تحركت خلايا وتشكيلات معدة سلفاً هاجمت بيوت الله واحرقتها مع مصاحفها الكريمة بدعوي انها سنية وحاصرت عوائل وبيوتات واختطفت اناساً ابرياء وقتلت مواطنين آمنين وانتهكت الحرمات والكرامات، ومن السخف اعتبار هذه الهجمة الشعوبية الحاقدة، ردود فعل عفوية كما يحاول المنافقون والدجالون وعملاء واشنطن وطهران تصويرها، وكراهية سامراء ورموزها وسادتها ليست جديدة من الشعوبيين والاعاجم وأعداء العروبة والاسلام، انها قديمة ومنذ صيحة وامعتصماه التي انطلقت من جنباتها. لقد افتضحت جريمة سامراء ومن يقف وراءها منذ الساعات الاولي لتنفيذها، وصار معلوماً للقاصي والداني في العراق، من استغل حالة منع التجول في المدينة وطوق الضريح ليلاً وحجز حرسه وخدمه، وانهمك في حفر أعمدته وزرعها بالمتفجرات ومد الأسلاك الي الاعلي ومن ثم ربطها بصاعق خارج المبني، وهذا وزير الاسكان في حكومة الجعفري المهندس جاسم محمد جعفر يقول في تصريحات له عقب زيارته للمكان (ان عملية تفجير ضريح الامام الهادي عليه السلام من تخطيط وتنفيذ خبراء محترفين أمضوا قرابة 12 ساعة في إكمال جريمتهم). ومما يؤكد ان مخططي الجريمة كانوا يعرفون بها ويتابعون مسارها اولاً بأول، تسابقهم في رمي التهمة علي السنة العرب الذين يحملون في قواميس ومفردات التنظيمات والدكاكين والميليشيات الشيعية تسميات، التكفيرين تارة والبعثيين والصداميين تارة اخري، دون ان توخزهم بقية ضمير، ودون ان يسألوا انفسهم كيف للسنة العرب وهم الذين احتضنوا المرقد الشريف لاكثر من الف عام ورعوه واعتنوا به وحافظوا عليه ان يهدموه بعد ان صار جزء منهم، يصبحون ويمسون علي مشهده، ويصلون في حضرته، ويتباركون بزيارته منذ قرون؟ إنه الحقد الطائفي الاعمي الذي يغذي النفوس المريضة بتقاليد وافدة رثة، ومفاهيم انحطاطية جاءت مع غزوات البويهيين والصفويين، وتحولت الي خرافات وأكاذيب ولعنات علي العروبة والاسلام، لم يسلم منها خلفاء الرسول المصطفي صلوات الله عليه وصحبه الصديقين وقادته وزوجاته امهات المؤمنين. إن جريمة سامراء هي واحدة من مقدمات الحرب الأهلية التي يريد المحتلون الامريكان وعملاؤهم المحليون اشعالها ضمن مشروع جهنمي يبدأ من العراق ويمتد الي سورية ولبنان والسعودية وباقي دول الخليج العربي واليمن ومصر ودول اخري في المنطقة، وعندما يقول المنظرون الامريكيون من المحافظين المتصهينين ان الفوضي (البناءة) في العراق هي الطريق الي الديمقراطية، والتفكيك هو الوسيلة الوحيدة لاعادة تركيب البلد من جديد وفق المفهوم الامريكي وان النموذج العراقي هو النموذج المطلوب تعميمه في المنطقة مستقبلاً، لذلك فان من المؤكد تفجير قنابل اخري موقوتة عاجل وقريبا،ً وفي توقيتات تناسب أجندتهم وصولاً الي هدفهم الأساسي في تمزيق العراق وتفتيت كيانه وتقسيمه الي دويلات ضعيفة ومتصارعــة فيما بينها. ان ما جري في سامراء هو جزء من المخطط الكارثي الذي يشتغل عليه قادة احزاب ومرجعيات شيعية لاقامة إقليم شيعي يضم تسع محافظات في جنوب العراق ووسطه انطلاقاً الي ما يسمي بالدولة الشيعية، فالهدف الرئيسي من عملية تخريب ضريح الامام الهادي عليه السلام هو محاولة لحشد طائفي يدعم مشروع فدرلة الجنوب وفصل المحافظات التسع (الحلة والكوت والنجف وكربلاء والديوانية والسماوة والعمارة والناصرية والبصرة) عن العراق، وقد وضح تماماً ان من كان وراء فاجعة سامراء طرق علي الحديد وهو ساخن واستغل الجريمة النكراء ووظفها سياسياً وطائفياً لصالحه، واتكأ عليها لتبرير دعوته الانفصالية، ولم تنفعه تصريحاته المتأخرة وتراجعاته التكتيكية عندما دفع التهمة عن السنة العرب بعد اتهامهم في بادئ الأمر. ولاحظوا كيف استثمر الطائفيون جريمة سامراء لحسابهم في الهجوم علي 168 مسجداً للسنة، واغتيال اكثر من مئتي انسان بريء بعد فترة قصيرة من الاعلان الرسمي لعملية التخريب، وكيف جاءت الخطوة الثانية عندما ظهر السيد السيستاني في صورة جمعته مع مساعديه الثلاثة محمد سعيد الحكيم واسحق فياضي وبشير نجفي، بثتها قناة (الفرات) الطائفية، في سابقة لم تحدث من قبل، والغرض واضح من هذه الحركة التلفزيونية ويتمثل في اعطاء انطباع عام من جهة، وتوجيه رسائل خاصة الي اطراف داخلية وخارجية من جهة اخري، بان مراجع الشيعة في العراق هم أصحاب القرار في العراق، وهم الذين يحكمون ويوجهون ويوعزون ويأمرون وينهون، وكان امراً مدهشاً ان يصدر المجتمعون الاربعة فتوي تسمح بالتعبير او الاحتجاج (السلمي) علي الحادث، وهو ما استغله الرعاع والغوغاء والسراق والمخربون ومارسوا حريتهم في الاحتجاج بمداهمة المساجد وحرقها واحتلالها وقتل الابرياء من الناس. والسؤال الذي يحتاج الي اجابة شافية موجه الي السيد السيستاني حفظه الله وأدامه لعموم المسلمين وهو: لماذا يغيب سماحته عن قضايا العراق الاساسية مثل الاحتلال وسياساته ومجازره وانتهاكاته التي حركت حتي الامريكيين انفسهم، ولا يظهر الا في مناسبات ذات دوافع واغراض طائفية؟ وانتظروا الآتيات من الايام، فهي تحمل أشد واقسي من جريمة سامراء وما رافقها وأعقبها، فخيوط المؤامرة السوداء لتفكيك العراق تنفلت خيطاً بعد خيط، وتذكروا حادثتين سابقتين تندرجان في سياق هذه المؤامرة اللعينة، أولاهما تصريحات ادلي بها مسعود بارزاني قبل ثلاثة شهور قال فيها: إذا حدثت حرب أهلية في العراق ويقصد بين عرب العراق، فان الاكراد سيعلنون دولتهم المستقلة بمعزل عن العراق، والحادثة الثانية جرت في منتجع دوكان في شمال العراق قبل شهرين عندما التقي عبدالعزيز طباطبائي مع جلال طالباني وعقدا صفقة ظهرت بعض فصولها المريبة وخصوصا في ما يتعلق بكركوك، وبعد ذلك لا تستغربوا وجود بارزاني في بغداد منذ إسبوعين وما يزال، ولا تندهشوا من عودة الاضواء الي طباطبائي وهو الذي هزم وخذل قبل أيام من الائتلاف الذي يا للمفارقة يرأسه، إنها مؤامرة كبيرة لذبح العراق العربي من الوريد الي الوريد، وما خفي سابقا سيظهرلاحقا. 9