الصالون الأدبي العربي في بروكسيل يحتفل بنون النسوة:من فتنة الكتابة الى كتابة الفتنة

حجم الخط
0

بروكسل ـ ‘القدس العربي’ ـ من عبدالجبار خمران: اختتم السبت الماضي الصالون الأدبي العربي في بروكسيل فعاليات دورته الخامسة، والتي كان عنوانها ‘من فتنة الكتابة إلى كتابة الفتنة’ مدار نقاشات ندوته الرئيسية؛ وفسحة بوح لكاتبات عربيات سردن معاناة نون النسوة الكامنة وراء لذة كتابة النص. أدارت الندوة القاصة المغربية المقيمة بفرنسا حنان الدرقاوي وشاركت فيها كل من الكاتبة العراقية سميرة المانع والجزائريات زينب الأعوج وحواء جبالي ومليكة بنزيد والليبية وفاء البوعيسي والسورية منهل السراج. وقد استمع الحضور، في قاعة العروض بالمركز الثقافي العربي المحتضن لفعاليات الصالون الأدبي، إلى معاناة الكاتبات مع مختلف أشكال الرقابة العربية ‘المفتونة’ بالحظر والمنع والمصادرة.. فالكاتبة وفاء البوعيسي كُفّرت على المنابر في ليبيا لأنها كتبت – فيما كتبت – عن فتاة مسلمة تنصرت. لتبدأ معاناة صاحبة ‘فرسان السعال’ بهجرة بلدها ولم تنته بعيشها كلاجئة باسم مستعار فهي محرومة من مجرد الدفاع عن نفسها والتعبير عن رأيها ولو من خلال الكتابة، ورواية السورية منهل السراج مستعصية على النشر لأسباب لا يعرفها الناشر نفسه أو يلخصها في الخوف من ‘السلطات السورية’، وزينب الأعوج طلب منها في بلد عربي أن تقرأ شعرها من مكانها وسط الحضور بدل الصعود إلى المنصة مثل زملائها من الشعراء الرجال ‘فلا منصة للنساء’ عندهم. ومليكة بنزيد صفعها أخوها على وجهها عندما قرأ إحدى قصائدها عن الحب مما جعلها تفارق ورق الإبداع زمنا ولولا فتنتها بالكتابة لاستطاعت الصفعة أن تطفئ جذوة الشعر في داخلها.. وأدانت كل من العراقية سميرة المانع والجزائرية حواء المرجعيات التي تحاكم الإبداع بأدوات من خارج الإبداع وتصادر حرية الآخر بفتوى دينية أو بدافع المخالفة السياسية فلكل الحق في التعبير بحرية رجلا كان أو امرأة… هذا غيض من فيض ما يصادر نون النسوة لتصير النون إناءً في مطبخ فكر ذكوري لا يرى في المرأة إلا مصبا للذته.

وقد تحدثت الكاتبات عن تجربتهن الإبداعية أيضا وكيف يحاولن إيجاد الكلمة المعبرة عن وجدان المرأة العربية بعيدا عن الإثارة المجانية والفتنة في درجتها الصفر. إنهن باحثات عن فتنة الكتابة الحقيقية وكتابة الفتنة كامتحان. لا يبغين من وراء ذلك فتنة أشد من القتل بل يردن إيقاظ فتنة الاختبار. لأن الفتنة في اللغة فعلا: الامتحان والاختبار. كما أشار الشاعر المغربي المقيم في بروكسيل طه عدنان، مدير الصالون الأدبي العربي في بروكسيل، في ورقة حول محور الدورة الخامسة هذه. ‘يقال فتنتَ الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد. ويسمى الصانع فتانا أما الكاتب ففتان بالطبيعة. من أجل الكتابة يأخذ التبر والتراب فينخل ويغربل ويصفي ويبرز. ثم ينفخ كير الصنعة عساها تنفي الخبث فينصع المعدن: معدن الإبداع’. قبل الندوة الرئيسية هذه للصّالون الأدبي العربي في دورته الخامسة رحب مدير المركز الثقافي العربي علي خضر بالحضور وبالكتاب المشاركين في أمسية الافتتاح وأكد على أهمية اللقاء ووجوب المحافظة عليه، كما قرأ الشاعر طه عدنان ورقة تقديمية لمحور الدورة لتعرض بعد ذلك مسرحية ‘اكشفي عن ساقيك مريل ستريب’ التي اقتبس نصها الدرامي المخرج المغربي رحيم العسري عن عوالم الروائي اللبناني رشيد الضعيف، ولتختتم الأمسية بأصوات شعرية نسائية شاركت فيها كل من الجزائريتين زينب الأعوج ومليكة بنزيد والمغربية المقيمة في بروكسيل فاطمة مخفي والفلسطينية دالية طه.

أما اليوم الثاني فقد عرف لقاءين ثقافيين حول راهن الرواية العربية: الأول مع الروائية اللبنانية نجوى بركات والتي قدمها وحاورها الشاعر طه عدنان. تحدثت صاحبة ‘لغة السر’ عن سر فتنتها بالكتابة وعن تجربتها الإبداعية الشخصية وكذا عن تجربة محترف ‘كيف تكتب رواية’ الذي أقامته في لبنان والصعوبات التي تواجهها رغم نجاح المشروع وتقديمه لكتاب بموهبة تستحق الدعم والتشجيع. أما اللقاء الثاني فقد كان مع الكاتب العراقي برهان الخطيب والذي قدمه الروائي المغربي المقيم ببروكسيل علال بورقية. قرأ برهان الخطيب ورقة رصد فيها تجربته الشخصية وكتابة السيرة الذاتية وعلاقة الذات الكاتبة بما يحدث لها كسيرة داخلية وما تتفاعل معه من أحداث عامة كسيرة خارجية. ثم أعقبها بمقدمة لدراسته حول الرواية العربية والتي شبه فيها الكاتب كمبحر في يم تتلاطم أمواجه عليه أن يخبر مهارة التعامل مع تقلباتها ورصد تياراتها ورياح قد لا تشتهيها سفنه المبحرة.

ثم فاصل موسيقي تزاوجت فيه الصورة الشعرية المنطوقة: طه عدنان، حواء جبلي وصوت الآلات الموسيقية لفرقة ‘ميسبوتاميان’ حيث تداخلت النغمات بالصور الشعرية وتراقصت الكلمات في الإلقاء على نغمات أوتار تجوب بك أقطار الروح وأنت في عاصمة أوروبية محتفلة بضيوف الشعر والكلمة المبدعة. أتحف الحضور بجودة الصنعة الموسيقية ورهافة الكلمة الشعرية اللتين جعلتاه يستحم تحت شلال من نغمات وحروف تصرع جنون القبح وتنصع أرواح الجمال. بعد ذلك تمت قراءة نصوص إبداعية شعرية وقصصية وفصول روائية بأصوات أصحابها.. وكانت أسماء المشاركين: نجوى بركات، حميد العقبي، سميرة المانع، برهان الخطيب، وفاء البوعيسي، لقمان ديركي، منهل السراج، عبد الجبار خمران وحنان درقاوي.

أما مسك ختام الشعر فكان سهرة شعرية عملت على تنظيمها جمعية موسم والمركز الثقافي العربي في أحد مقاهي بروكسيل قرب ساحة ‘مادو’، حيث ضرب الشاعر السوري لقمان ديركي خيمة ‘بيت القصيد’ ليمد جسرا تواصليا بين أصوات شعرية من حساسيات مختلفة وبلغات لا توحدها سوى القصيدة والكلمة المحلقة في أفق شعري وجمالي بسعة الكون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية