خفايا تناغم الثورة السنــّية مع مقاصد الشيعة في العراق

حجم الخط
2

■ المنطوق في السياسة الشيعية، إزاء القضايا والأحداث السياسية، يخالف دوما ما هو مسكوت عنه لديها. وقد اكتسب القوم عبر قرون خبرة تؤهلهم بشكل مذهل لأن يحصدوا نتائج هائلة بسرعة، لا يوازيها غير بطء خصومهم وسذاجتهم، وتحديدا المكون السـّـني الراخي المترهل، التابع للأحداث وليس صانعها أو لاعبها!
المكون الشيعي نشيط، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى الديني والاجتماعي والثقافي المترابط مع بعضه، والخاضع كلـّه للأهداف الأساسية للآيديولوجية الشيعية، التي ينال كل فرد شيعي نصيبا معينا منها كمنهج تربوي يُـلقـّن به كل مولود. لذلك، فمن اللافت أن تلاحظ مستوى الوعي المذهبي الحاضر لدى أفراد هذه الطائفة، ما يوضّح أن هناك مساراً دائماً على المستوى الديني يؤهل المجتمع ليكون فريقا لاعبا للأحداث أو فيها. وعليه فإن الشيعة رسمت لنفسها طريقة معيشتها، وجوهر الدائرة السياسية التي تعمل من أجلها، وكذلك طبيعة أهــــدافها وســبل تحقيقها. هذا الجوهر النشيط غائبٌ عند المكون السّـني باستثناء تلك الجماعات الإسلامية التي توصم بـ»الإرهاب»، والتي تجد بيئتها الاجتماعية غير متناغمة مع بنيانها ووجودها، ما يجعلها عرضة للفشل من قبل خصومها، بسهولة أكبر مما عليه أقرانها لدى المكون الشيعي.
أثمرت جهود الشيعة المثابرة في التهام العراق بدبابات أمريكا، بينما شعاراتهم الإسلامية لم تزل ملتهبة. لكنهم لم يقطعوا أمراً بدون الرجوع إلى القيادة الإيرانية والسورية.
وحين سألت يوما من أيام عام 1994 بدمشق، أمين عام حركة جند الإمام، عن سر القرب والمودة بين إسلاميي الشيعة العراقيين وحافظ الأسد، مع أن الأخير بعثي علماني، رد عليّ أن الأسد في حقيقته «مؤمن ملتزم بالمذهب الشيعي، لكنه لا يقدر على إظهار ذلك بسبب الأغلبية السّـنية في سوريا، والبعث هنا ليس سوى واجهة مزيفة للنظام، على عكس العراق الذي يشكل فيه البعث نسخة صادقة مع منهجه»، كما شرح لي الشيخ الشيعي، وهو يغمز من الطرف الديني للتشكيك في إسلام صدام حسين وإبراز الجانب الإيماني لحافظ الأسد.
منذ عام 2003، أي بعد احتلال أمريكا للعراق وإزالة سلطته، تمكنت أحزاب الشيعة، بمختلف ألوانها، من السيطرة على العراق، طبعا باستثناء إقليم كُردستان الذي لم تملك بغداد أي سلطة عليه، ولم يقدر المالكي حتى على تحريك شرطي مرور في مدنه، لكن الأحزاب الكُردية شاركت في السلطة المركزية، وحصلت على امتيازات كثيرة. إزاء هذا الوضع غير المتكافئ، اقتنع الكثير من الشيعة بأن الوضع الكُردي ليس سوى عبء سياسي واقتصادي كبير على مركز الدولة الذي يسيطر عليه الشيعة بقوة.
وأبدى هؤلاء رغبة ظاهرة نحو انفصال كُردستان، الذي لا ينقصه سوى إعلانه رسمياً، لكن معضلات جوهرية وقفت حاجزاً أمام الرغبة الشيعية الدفينة، المعلنة هنا وهناك بشكل غير رسمي. أولاها كانت مسألة كركوك الغنية بالنفط، فقد واجهت الجماعات الشيعية خصمين، من صنف واحد بالنسبة لها، أحدهما – ربما ـ أقل ضررا.
فبالنسبة للداخل العراقي، بدا الكُرد السّـنة أقل ضررا من العرب السّـنة، الذين ذاقوا ألوان العذاب من النظام الجديد منذ عام 2003، لذلك فإن قناعة الشيعة الحقيقية هي أن كركوك، التي ليس لهم فيها موطئ قدم حقيقي، ستكون حتما إما لإقليم كُردستان، أو جزءا من مناطق العرب السّـنة، وهو ما يعني إعطاء أيّ المكونين قوة هائلة، قد تقلق كينونة الشيعة على المدى البعيد، لذلك وجدوا في التخلي عنها لصالح الكُرد أخف الضررين، نظرا لبعد المناطق الكُردية من مناطق الشيعة. لكن ما يخص إيران، فإن وقوع كركوك في يد الكُرد يشكل تهديدا ضمنياً أو محتملاً، كقوة قومية للكُرد قد تؤثر في كُردستان إيران مستقبلا. يبدو أن كف ميزان القناعة الشيعية مالت نحو التخلي عن كركوك لصالح الكُرد، في أعقاب تدفق موجة الثورة السّـنية نحو بغداد، التي اجتاحت الجيش العراقي بسرعة رهيبة ومخيفة حقا. ولا يملك الشيعة بعد هذه الخطوة إلا خلق عداوة قومية بين الكُرد والعرب السّـنة، خصوصا أن عقيرة الشيعة في هذه الأيام تصدح بالنغمات القومية والوطنية، للتستر على التجييش الطائفي لديهم، المدعوم فارسيّا من طهران. ومن شأن اندلاع حرب قومية بين الكُرد والعرب السّـنة تخفيف الجبهة الشيعية وتسهيل انفرادهم بالعراق. المعضلة الثانية تكمن في عجز الشيعة إعلان رغبتهم بتقسيم العراق، تجنباً للحرج الذي يلاقونه. فالشعارات الوطنية، من قبيل الوحدة العراقية أو ما إلى ذلك، ظلت تتكسر أمام الظلم الكبير والتمييز العنصري الممزوج بآلة القمع والتنكيل بالعرب السّـنة، تحت سيادة إيران. الإقليم السّـني ليس غنياً كما هو الإقليم الشيعي. لذلك فإن الشيعة تدرك أن مناطق السّـنة هي أيضا عبء عليها، وخضوعها في الوقت الحاضر للنظام الشيعي محصور فقط في الإطار العسكري، مع استنزاف للثروة التي تعتبرها الشيعة نابعة من أراضيها.
قبل أشهر قليلة، أوقف المالكي تزويد إقليم كُردستان بحصته في الميزانية وهي 17٪، ما أدى إلى خلق أزمات كبيرة في مدن كُردستان. هذه الخطوة عمّقت القناعة لدى الكُرد بترتيب أمورهم نحو الاستقلال، وهو ما يريح شيعة العراق حتماً، سواء بقي العرب السّـنة خاضعين للحكم الشيعي، أم حذو حذو الكُرد نحو الحصول على نوع من كيان إقليمي أو ما شابه. لكن المناطق السّنية المتأزمة والمقهورة منذ 2003، ولاحقا وبشكل مستمر منذ الاعتصامات الجماهيرية لنحو سنتين، التي طالبت بسقوط النظام الشيعي، وهو ما فسرته الشيعة بأنه عائد إلى حراك طائفي سُـني معاد للشيعة، ظلت تمارس سلوكاً غير انتمائي لمركز الدولة الذي تلقفته الشيعة باحتكار دموي، فاق دموية الاحتلال الأمريكي والبريطاني ضد العراقيين. إذن التجربة الطويلة منذ عام 2003 للشيعة في العراق، تزامنا مع هواجسهم وقناعاتهم المسبقة، جعلتهم يفكرون بدفع السّنة نحو الإنسلاخ عن المركز دفعاً خاضعا لمخططهم، على غرار ما فعله نظام بشار في سوريا مع الأكثرية السّـنية. وفوائد هذا الواقع بالنسبة للشيعة تكمن في أن هذه المنطقة المنسلخة من المركز، قد تتحول إلى ساحة قتال وخراب بين القوى المتصارعة من جهة، وهذه القوى مع «الحكومة» من جهة أخرى. وقد يبرر هكذا واقع، استعمال القوة العسكرية ضد مناطق السّـنة بغية تدميرها وزلزلة بنيانها، تحت ذريعة محاربة الإرهاب. والأهم من ذلك، هو هروب النظام الشيعي من مسؤولياته تجاه المنطقة، كدفع الرواتب وتقديم الخدمات العامة وصرف الميزانية للمشاريع الاقتصادية والمدنية. وقد أعلن النظام قبل أيام، أنه لن يدفع رواتب الموظفين، في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام. وهذا الأمر، وفق التخطيط الشيعي المسبق، يهدف إلى إيجاد مصادمات عسكرية بين هذا التنظيم والفصائل الأخرى، بالاعتماد على الاستياء العام وتدهور الأوضاع الاقتصادية ومن ثم الأمنية بعد مضي شهور. على الطرف الآخر تتسلح الطائفة الشيعية، استجابة لأقوى قرار على مستوى الدولة أصدره الرجل الأول في النظام وهو السيستاني، الذي أعلن النفير العام.
الانهيار السريع للجيش والقوى الحكومية في مناطق السّـنة، يثير شكوكا، وهناك مسألتان تعززان هذه الشكوك لجهة ما إذا كانت سلطة المالكي أرادت أن تتخلى عن هذه المناطق وفق إرادة مسبقة، لتركها في أيدي الميليشيات المسلحة أم لا؟ المسألة الأولى هي نشر أثيل النجيفي (محافظ الموصل السابق) نص الرسائل المتبادلة بينه وبين قادة العسكر، ويبدو جليّاً تهاون هؤلاء القادة وعدم رغبتهم أو رغبة مراجعهم العليا في فعل أي شيء إزاء التطورات الحاصلة. ثانيها، ما صرّح به مسعود بارزاني رئيس إقليم كُردستان، بأنه حذر المالكي قبل شهور طويلة من إمكانية سقوط المدن السّـنية في يد الميليشيات والقوى غير النظامية، لكنه أضاف أن المالكي رد عليه بالقول «دير بالك على كُردستان» أي لا تهتم لأمر تلك المناطق! إذن كان هناك إهمال مقصود من قبل النظام، وكأنه كان يتوقع ما يحدث اليوم على الساحة!
حصل المالكي على دعم إيران وأمريكا وبريطانيا وسوريا ضد ما تسميه هذه الجهات، الوضع الجديد في المناطق السّـنية بالإرهاب. هذا الواقع يريح الشيعة (إيران والعراق وسوريا)، وهو كذلك يريح إسرائيل. فالشيعة تخلصوا من العبء السكاني الكبير على المستوى الاقتصادي والأمني، ونجحوا إلى حد ما، في تصويره على أنه تجمعٌ انفصالي قسّم العراق، مما يجعل الشيعة تظن أنها تخلصت من تهمة محاولتها تقسيم العراق. أما إسرائيل فهي سعيدة، لأن الدولة الإسلامية في العراق والشام تسيطر على مناطق بعيدة عن حدودها، وتقع بينها وبين دولة الإسلام دول أخرى مثل دولة الشيعة في العراق والدولة العلوية في سوريا، وهما أكثر عداوة للسّـنة منها لإسرائيل. أما مسلسل إقامة دول طائفية ودينية في المنطقة فمازال في البداية. ومع مرور الوقت يصبح الاستنزاف بين هذه الدول الجديدة والمضطربة كبيرا وعويصا. الشيعة يحافظون على كياناتهم المذهبية، ويتصرفون كجسد واحد. السّـنة، وهم أكثرية الأمة الإسلامية وبقايا الخلافة الإسلامية التي انتهت أوائل القرن الماضي، والتي دخلت في صراعات دموية لقرون طويلة مع الدول الغربية، يُراد لهم الضعف والتشتت والتقهقر من قبل قوى دولية وإقليمية معادية لهم. لذلك فإن الواقع الجديد في العراق، وهو بالطبع في جانب كبير منه، وليد الظلم والعدوان الذي لحق بالعرب السّـنة، لكنه يعكس أيضا رغبات قديمة وجديدة لقوى دولية وإقليمية، عملت وساعدت لتتجه المنطقة نحو ما آلت إليه اليوم.

٭ كاتب عراقي كردي

علي سيريني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية