«الدولة الكردية» بين قبول تركي وحماس اسرائيلي

حجم الخط
43

اعلن مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان في العراق عن اجراء استفتاء بشأن استقلال الاقليم خلال شهور. وهي المرة الاولى التي يحدد فيها تاريخ مفترض لاعلان «دولة» بعد تلميحات متكررة. ولا يمكن اغفال التطورات الدراماتيكية والمعطيات الجيوسياسية المتبدلة في العراق والاقليم عند تقييم هذه الخطوة التي قد تمثل زلزالا جديدا في منطقة تغلي بحروب وانقسامات وتندفع بسرعة الى المجهول.
ومن ابرز تلك التطورات انهيار السلطة المركزية لحكومة بغداد على شمال العراق، واحتلال قوات البشمركة مدينة كركوك الى جانب العديد من المناطق في شمال العراق بعد اخضاع اهلها اما بالقوة العسكرية او ابتزازهم بسبب حاجتهم الى الامن والوقود والسلع الرئيسية في ظل الازمة الانسانية الحادة التي اندلعت هناك.
ومن المهم ملاحظة ان تصريحات البارزاني تأتي في خضم صراع سياسي مرير مع حكومة بغداد التي امتنعت عن صرف رواتب الموظفين في الاقليم منذ شهر شباط /فبراير الماضي، ما ادى الى تكريس غضب الاكراد ورفضهم لتلك الحكومة التي اضافت مؤخرا فشلا امنيا الى فشلها الاقتصادي والسياسي. وبالتالي فان التلويح بالاستقلال قد لا يعدو مجرد خطوة تكتيكية تهدف الى الحصول على تسوية افضل مع بغداد، قد تنص على ضم كركوك مقابل البقاء ضمن العراق. الا ان «غرور القوة» قد يدفع البارزاني للاقدام على هذه الخطوة، ليصب زيتا على نيران حرب طائفية عرقية تخيم بالفعل على العراق، ما قد يتضح لاحقا انه خطأ تاريخي في عالم يقوم على احتواء التعددية وليس الانفصال. وهذه محاور سريعة لقراءة هذا المشهد الملتبس:
اولا: بعد ان ظن كثيرون لسنوات ان «الفيتو» التركي سيمنع اعلان دولة كردية في العراق، اصبحت تركيا لا تمانع في قيامها حسب تسريبات حكومية، وهو ما يمكن تفسيره بأنه سعي الى تأمين توازن استراتيجي مع النفوذ الايراني لدى بغداد، وخلق لجبهة متقدمة لمقاومة الهيمنة الاقليمية الايرانية مدعومة بدعم اسرائيلي مباشر، والى تكريس الاستفادة من تأمين استمرار ما تحصل عليه انقرة من فوائد بتصدير النفط الموجود في شمال العراق عبر ميناء جيهان، دون موافقة بغداد. وتشير تقارير الى «صفقة شاملة» تقضي بدعم اكراد تركيا لترشح رجب طيب اردوغان للرئاسة مقابل تأييده للدولة الكردية، على ان يكتفي اكراد تركيا بالحصول على حقوق ثقافية وسياسية، بالتالي احتواء مشكلة حزب العمال التاريخية على حساب العراق وسوريا.
ثانيا: ان حماس رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو للدعوة الى قيام الدولة االكردية، يستند الى علاقات ومصالح قديمة بين الجانبين، الا انه يشير بوضوح الى احتياج اسرائيل الى تلك الدولة الجديدة لتكون رأس جسر في مواجهتها مع ايران، وموطئ قدم بالقرب من منابع النفط في العراق والخليج العربي، وعمقا استراتيجيا لامنها القومي. اما من الناحية الاقتصادية ستمثل العلاقة مع اسرائيل شبكة امان للدولة الجديدة التي تحصل على عشرات الملايين من الدولارات يوميا عبر تصدير النفط، الا انها لا تملك مقومات اقتصادية كافية للتنمية المستدامة. وبالرغم من استمرار الممانعة الامريكية لاستقلال كردي من جانب واحد، فان واشنطن قد تدرك قريبا ان الاصرار على «الحل الكونفيدرالي» بين اقاليم سنية وشيعية وكردية تتمتع بحكم ذاتي، قد يخلق من المشاكل اكثر مما يعالج، وعندئذ لن يكون امامها سوى الاستسلام للامر الواقع.
ثالثا: ان «اقتطاع دولة كردية من دولة ذات سيادة» لن يكون نزهة، حتى مع اجراء «استفتاء» بلا سند دستوري، ورفع شعارات مثل «تقرير المصير». اذ ان العواقب الاقليمية والدولية قد تفوق احتمال الاكراد الذين سيحتاجون الى توافق اقليمي ليتمكنوا من الحفاظ على ذلك الاستقلال. بل ان تركيا وهي نفسها مكونة من فسيفساء عرقية وايديولوجية لن تكون بمنأى عن شبح التقسيم. خاصة ان اعترافا دوليا بهكذا دولة سيمثل سابقة خطيرة، وسيعني ان اي حاكم او محافظ في اي بلد بالمنطقة يستطيع ان يدعو لاستفتاء على اساس «حق تقرير المصير». كما ان الدولة الكردية نفسها ستكون معرضة للانقسام بين الاتحاد الكردستاني في السليمانية والحزب الديمقراطي في اربيل ودهوك. وبنظرة بانورامية فان «دولة كردية» قد تكون البوابة الملكية الى قيام كيانات وكانتونات عرقية وطائفية بلا نهاية في المنطقة، وهو ما قد يخدم فكرة «يهودية اسرائيل» ويكرسها عمليا، الا ان هكذا فوضى ستمثل تهديدا مباشرا للمصالح الاستراتيجية للقوى الاقليمية والدولية.
واخيرا فان اعلان «دولة كردية» بتواطؤ تركي ودعم اسرائيلي، بعد الاستيلاء على اراض في شمال العراق تحت دخان الحرب التي شنها تنظيم داعش الارهابي، لا يمكن ان يسجله التاريخ الا كخيانة للعراق، وطعنة في قلب العلاقات مع العالم العربي، الذي منح الاكراد في العراق ما لم يحصلوا ولو على جزء منه عند غيرهم. واذا كانت معطيات اليوم تتيح للاكراد ان يقرروا تاريخا لبدء حرب واعلان استقلال، فان العبرة الحقيقية ستكون بتحديد تاريخ لانتهاء تلك الحرب ونتيجتها.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية