بيروت- «القدس العربي» ـ من يارا بدر: يقول الشاعر التونسي آدم فتحي في مقدمة ترجمته لأشعار «إميل سوران» في الكتاب الصادر عام 2013 عن دار «الجمل» بعنون «المياه كُلّها بلون الغرق»:
(لعلنا لم نرَ عتمة أشد من هذه التي تحيط بالإنسانية من كل جانب في بداية هذا القرن الواحد والعشرين، ونحن بين ألفيّة أسكِنت القبر وأخرى تنتفض كالطائر الخارج من بيضته، مُدجّجة بكل ما ورثته عن سابقتها من وسائل تدمير الروح والعقل والجسد والقيم والوجدان.. في مثل هذه العتمات نحتاج إلى كُتّاب مثل سوران).
عشرة مقاطع شعرية تتوزّع صفحات الكتاب المائة والستين ذي القطع المتوسط. يمتلئ كل مقطع منها بشذرات سوران، الذي يفتتح مُؤلَفهُ بالقول: (في مدرسة ضعاف النفوس نتكوّن، نحن عبدةُ الشذرة والندبة. ننتمي إلى زمنٍ إكلينيكيّ لا اعتبار فيه إلاّ للـ «حالات». ننكبُّ على ما سكت عنه الكاتب، على ما كان يمكن أن يقول، على أغواره الصامتة. لو ترك عملاً فنياً أو أفصح لنا عن نفسه لظفر منّا بالنسيان).
وإن تجاوزنا القيمة النقدية التي يُطلقها سوران (1911-1995) حول العلاقة ثلاثيّة الأطراف للنص، والمؤلف، والجمهور، والتي تكشّف مدى حساسيته الفنية، وماهيّة رؤيته النقديّة لتلك العلاقة المُعقدة، خاصة وأنّه أحد لاعبيها الأساسييّن، نجد أنّ سوران الذي هجر موطنه الأم رومانيا إلى فرنسا في عام 1937 وانسلخ بعدها بقليل- مُختاراً- عن هويته اللغويّة ليكتب مؤلفاته بالفرنسيّة، كان من أوائل المؤسسيّن للكتابة الحديثة التي اتخذت شكل الكتابة المُفككة، والبُنيّة السرديّة المُتشظيّة، وانتشرت في أوروبا بتأثيرات الواقع في مرحلة ما بين الحربين العالميتين وما بعد الحرب العالمية الثانية. الكتابة التي يُقدّم في هذه الكلمات التأسيسيّة رؤيته النقدية لها، حيث أنّه يتجاوز مساحته المنوطة به في تلك العلاقة الثلاثيّة- ككاتب- ليُقدّم نقداً لمدارس النقد التي أعلت من شأن المسكوت عنه.
من جهته يستفيض الشاعر/ المُترجم فتحي في توضيحه طبيعة كتابة سوران، والتي تتخذ من كلمات الكتاب المُفتاحيّة دليلاً لقراءة النصوص كاملة، فيقول: (وهكذا يرى سوران الكتابة؟ مُجرّد شذرات أو ندوب. إنّه ضدّ «البُنية المُحكمة»… إنّها جُمل تبدأ في كثير من الأحيان دون أن تنتهي.. إنّ لسوران عبارة تشبه البرقيّة، أو الشتيمة، أو شاهدة القبر، وهي أشبه بالتمتمة أحياناً).
ما الذي يبحث فيه سوران في كتابه هذا؟ ما الذي يغيب عنه وما الذي يحضر؟ جمل قصيرة، نصوص لا تزيد عن بضعة أسطر إن طالت، متناقضات لغوية، جمل مُكثّفة إلى الحد الذي تغدو معه القراءة فعلاً مُرهقاً رغم الزيف الذي ينضح من التصفّح السريع للكتاب أوّل مرّة. مُجرّد أسطر متتابعة تبدو بلا هويّة فكريّة أو بصريّة، إلاّ أنّ محاولة الوقوف على آليّات سوران في ضبط شكل نصّه، وترتيب أبياته، تبدو أقرب إلى محاولة فض أسرار معادلة فيثاغورثيّة. ولعلّهم وحدهم الشعراء، أو المجانين، أو خبراء البحث من الدارسين قادرين على رسم شكل العلاقة المنطقي الذي ينقل سوران فيه قرّاءه من المقطع الأول المعنون «ضُمور الكلمة» والذي يتناول فيه الكتابة، الشعر، المفكرين، التاريخ والدين، إلى المقطع الثاني المعنون «لص الأغوار» ويبحث فيه بشكل شبه رئيسي في مفهومي الموت والحكمة.
في المقطع السادس يبحث سوران في خفايا ويلاحق أسراب العنوان الذي اختاره: الدين، والذي يتعدّد فيه حضور مفردة الألم. يقول سوران في هذا الفصل الذي لو طُبِعَ في سوريا لمنعته دائرة الرقابة الفكرية، واليوم ربما سيذبح الجهاديون التكفيريون كل من يُعثر على الكتاب لديه، يقول سوريان: (ليس الله من يتمتّع بميّزة الحضور في كُلٍّ مكان، بل الألم).
بسخرية، بمشاكسة طفوليّة، وبوقاحة وغضب من المسيحيّة يتحدّث سوران. وبحكمة مُستعارة ربما من حكمة مهرج الملك في تراجيديات «شكسبير» يقول: (المُتسكعون لا شأنّ لهم بالله. المجانين والسكارى، هؤلاء الاختصاصيّون الكبار، يجعلونه مادة اجترارهم).
إلاّ أننا كسوريين اليوم، نبحث في دورة خرابنا الدمويّة فنجد بعضاً من تشابهاتنا، أشباح حكمتنا المفقودة في المقطع التاسع من مؤلف سوران، المعنون «دوران التاريخ». خاصة ونحن نقرأ: (في عقب القرون الأخرى التي مارست التعذيب بلامبالاة، يبدو قرنُنا هذا أكثر حرصاً على الإتقان، إنّه يُضيف إلى هذه الممارسة طُهرانيّة تُشرّف وحشيتنا).
قليلون ممّن لا يزال يعيشون أرض الخراب يملكون رفاهية المُطالعة اليوم، يملكون مالاً لشراء كتاب، أو كهرباء لتصفّح كتابٍ إلكتروني. قليلون يملكون تلك القدرة المُتعذرة كقبض الريح،
على فصل أنفسهم عن صوت القذيفة العابرة ودخان الحريق المُجاور، وقليلون هم من لا يزالون يمتلكون شغفاً في الحياة، وهم يعيشون على حافة الموت اليومي. لكنّ في سوريا اليوم الكثيرون ممّن يقرؤون القرآن الكريم والإنجيل والكُتب المُقدّسة، يبحثون عن سكينة بين موتٍ وحياة، ربما تُصبغ كلمات سوران قليلاً من الجمال على سواد أيامهم، وربما هم اليوم تجاوزوها في مرارتهم وقسوة ألمهم.
يقول سوران: (هذا القرن يُعيدني إلى فجر الزمن، إلى آخر أيّام الفوضى. أكاد أسمع أنين المادة ونداءات الجثّة وهي تعبر الفضاء. عظامي توغل في نُسَخٍ من «ما قبل التاريخ» بينما يسيل دمي في شرايين الزواحف الأولى).