حكومة الأردن: فيتو على «الدولة الريعية» ورفع أسعار وضرائب برفقة «تكميم أفواه» وبدون «انفتاح» سياسي

بسام البدارين
حجم الخط
1

عمان – «القدس العربي»: لا يحفل كثيرون، خصوصاً داخل دوائر القرار والحكم في الأردن، بحالة الإقصاء الغريبة لوصفة إدارة سياسية قديمة يألفها الجميع قوامها جرعات من الانفتاح السياسي والإعلامي وتعزيز حريات التعبير في أوقات الضيق الاقتصادي .
تكثر الحكومة الأردنية من تخويف الشارع من تداعيات ونتائج عدم الالتزام بما يريده صندوق النقد الدولي عبر مسار التصعيد الضريبي تحديداً.
لافت جداً أن جرعات التخويف هذه لا توازيها، وكما يلاحظ قادة سياسيون كبار، ضمانات حقيقية لا على صعيد كسر ظهر الفساد فعلاً ولا على صعيد استعادة ما يسمى بالمال المسروق سابقاً ولا على صعيد برنامج للإصلاح السياسي واضح المعالم .
بل تبدو اتجاهات الحكومة، وخلافاً للوصفات الكلاسيكية قديماً، أميل إلى فرض قيود على آراء الناس وعدم تقديم ضمانات لهم تحت عنوان المزيد من الديمقراطية والانفتاح السياسي، في الوقت الذي تتمهد في الساحة لإعلان نهاية الدولة الريعية وللصعود بمعادلة المواطن الذي ينفق على الخزينة بعد عقود من الممارسات المعاكسة.
في حالة الإدارة السياسية لتداعيات مرحلة ما بعد قانون الضريبة الذي سيرفع الأسعار والذي يبدو أنه خيار اضطراري للدولة، لا تبرز ولا تولد تلك الإشارات الحكيمة التي تلتزم مع الناس برفع سقف حرية التعبير أو بالنهوض في برنامج إصلاحي سياسي أو بالالتزام بانتخابات حرة ونزيهة فعلاً وحقاً بعيداً عن معلبات وكلاسيكيات إرعاب الدولة نفسها من نتائج الديمقراطية الحقيقية .
يتجلى هذا التنكر الحكومي، وفي مرحلة مغرقة بالحساسية، بالإصرار الغريب على تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، الذي حذر منه عشرات الخبراء ووصفه خبير تشريعات وبرلمان من وزن الكاتب الصحافي والإعلامي، وليد حسني، بأنه أقرب وصفة لما قبل الأحكام العرفية وأخطر بكثير من قانون الضريبة .
يتجادل الجميع في الشارع الأردني اليوم وعلى منصات التواصل بسلسلة المخاوف والهواجس التي يثيرها قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، حيث قيود تشريعية، وغرامات بالجملة، واحتمالات كبيرة لتوقيف أو سجن مواطن مقابل رأي أو تعليق عبر وسائط التواصل التي يشتكي منها بطبيعة الحال كل المسؤولين.

دلالات حساسة لقرار الرزاز: «لن أسحب قانون الجرائم الإلكترونية»

بدا غريباً جداً هنا أن رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز يعلن بعبارة صريحة أن حكومته لن تسحب قانون الجرائم الإلكترونية، مع أنه شخصياً سبق أن وصف تعريف الكراهية في هذا القانون بأنه كارثة، ومع أن الحكومة- وكما فهمت سابقاً «القدس العربي» مباشرة من وزيرة شؤون الاتصال والناطق الرسمي جمانة غنيمات- فكرت فعلاً بمراجعة نصوص هذا القانون الموروثة بكل حال من مرحلة ما قبل الرزاز.
«التركة ثقيلة.. والوضع معقد».. قالها الرزاز أمام «القدس العربي» في جلسة خاصة، لكن الشكوك-سياسياً وتشريعياً وبيروقراطياً- كبيرة بحيث إن بعض نصوص قانون الجرائم الإلكترونية مصاغة ضمن أساس واعتبار أمني فقط، وتدخل في سياق وصفة لتمرير المرحلة الاقتصادية الصعبة عبر القمع بالنص القانوني وعبر تعزيز سلطة الرقابة، وليس العكس، ضمن مفارقة غير مفهومة فعلاً حتى الآن.
وهي غير مفهومة لأن الأسلوب المتبع طوال عقود في الماضي؛ عندما تزيد الأسعار والضرائب وتعيش البلاد في ضائقة اقتصادية ومالية كان دوماً ينطوي على رفع منسوب الحرية السياسية والتعبيرية لتعويض فوارق رفع أسعار الخدمات ورغيف الخبز.
لا أحد يفهم تكتيك حكومة الرزاز هنا، ولماذا تسقط من حساباتها تقنية تمرير الصعوبات الاقتصادية والقرارات غير الشعبية بجرعات من الانفتاح السياسي والإعلامي، لأن القيادي البارز في الحركة الإسلامية الشيخ مراد العضايلة يعيد ويكرر التحذير من مثل هذه المفارقة، وهو يؤشر في حديثه العميق لـ «القدس العربي» على ظرف صعب مالياً عام 1989 عبرت فيه البلاد ومنه بأمان شديد بعد جرعة قوية من التحول السياسي لصالح الإصلاح وانتخابات مع برلمان يشهد بهما الجميع.
ثمة ما يوحي بأن الرزاز مكبل على نحو أو آخر في هذا المجال، وحكومته مقيدة عندما يتعلق الأمر بمغامرة من هذا النوع قد تنتهي بإلحاق ضرر بالجميع، وفكرتها أن الإدارة لا تستطيع منطقياً وتحت أي عنوان إعلان وفاة الدولة الريعية ورفع الأسعار والضرائب بدون خطوات مقنعة وعميقة في مجال الحريات، الأمر الذي يحصل وبغرابة شديدة عكسه تماماً اليوم.
ليس فقط بسبب مخاوف قانون الجرائم الإلكترونية، ولكن أيضاً بسبب غياب مفردات وعبارات الإصلاح السياسي عن قاموس الحكومة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية