تطرح السينما قضية الحزن والألم على الحبيب والعزلة عن المجتمع بأشكال مختلفة، ونجدها تتكرر في العديد من الأفلام السينمائية. في الفيلم الأمريكي «المعادل 2» تقترن فكرة الألم والحزن الدفين بمدى تحقيق العدالة بالعنف؟ وخدمة المجتمع وتطهيره من الأشرار بالعنف المزودج؟ تلك هي الفكرة المسيطرة على فيلم «المعادل 2» (2018) في نسخته الثانية.
تبرير العنف بالعنف
عندما قرر المخرج أنطوان فوكوا أن يأخذ الطابع الرئيسي لسلسلة «المعادل 2» إلى الأرض وتحويلها إلى فيلم سينمائي، صفق كثيرون إلى لفتته وإلى الفكرة. واتضح أن المخرج يريد تدعيم فكرته بحضور ممثل أسود مخضرم له حضور قوي على الشاشة هو، دينزل واشنطن بتجربته الطويلة. يتنقل الفيلم في الألفية الجديدة إلى المناطق الحضرية، لشخصية البطل ذي البعد الاستخباري السابق، والقائد السابق لفريق النخبة وصمته وحدسه الكبير وفعله، كما يتصور لمعادلة فكرة الخير عوض الشر، وإعادة ترسيم فكرة الخير في ظل التدهور الأخلاقي في الولايات المتحدة وفي المناطق الرأسمالية، حيث تظل شخصيات الفيلم متروكة لمصيرها من قبل السياسيين وانتظار إنقاذهم من قبل شخص يمر بظروف نفسية قاهرة جراء مقتل زوجته السابقة. يشعر ماك ماكول (دينزل واشنطن) بالتعب والملل الأخلاقي واللاجدوى، وتستحوذ عليه فكرة الانتقام من الأشرار وتحقيق العدالة بالعنف مع تغييب فكرة القانون، وأن العالم الذي يحيط به هو الجحيم، لذلك يسعى إلى هذا الانتقام بتجريب مهارته القتالية السابقة والانتقام من الأشرار.

تميز الفيلم بتناسقية المشاهد في انسيابها، بالإضافة إلى القوة الأسلوبية للمخرج في تخطيط مشاهد الحركة، عبر رحلات شخصيات وبطل الفيلم بين تركيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، والإيحاء على أن أوجه الشر تأتي من أكثر من مكان، وعليه الصراع والقتال في كل مرة مع الغوغاء والبلطجية وغيرهما من الدهماء، بعنف مزدوج ومتبادل. هذه المحاولة لتبرير العنف من جانبهم (الأشرار) في نظره لإسكات ضميره الذي يُنظر إليه على أنه أسود، وفي نظره هي محاولة لإعادة الحق المسلوب إلى أصحابه، كما حالة الطفلة الصغيرة التي يجلبها إلى والدتها من تركيا، أو الشاب الذي يسكن بجواره، وإنقاذه من براثين عصابة المخدرات. يبتدئ الفيلم كما ينتهي، حيث يكشف العنف عن نفسه بأنه العلاج النفسي لماك ماكول، مسيحي متشدد مقتنع بضمير أن كل من يحمل نبتة القتل في داخله عليه أن يتقبل فكرة القتل ويموت بطريقة معذبة.
على الورق لا يوجد شيء لا يمكن تذكره بشكل خاص ولكن يمكن وصف أعماله بأنها وظيفية بحيث يكون المخرج فوكوا والممثل دينزل واشنطن إعطاء هذه المادة بعدًا آخر.
شحنات عاطفية
استقبل فيلم «المعادل 2» بشكل جيد في شباك التذاكر، عندما تم إصداره منذ 4 سنوات، حيث حقق 192 مليون دولار مقابل ميزانية قدرها 55 مليون دولار في الأوساط السينمائية الدولية. في الواقع ، لم تنتظر الشركة وصوله إلى قاعات السينما للإعلان عن أجزاء مكملة له، وهي فكرة إنتاجية يتم استغلالها بحثا عن مزيد من القصص ومزيد من الأرباح.
ومع ذلك أبقى الفيلم على كل من الممثل دينزل واشنطن وريتشارد وينك والمخرج أنطوان فوكوا. مع الدعوة إلى تكرار السيناريو نفسه بتوابل سينمائية، والانتقال بين الأمكنة باقتراحات للحصول على المال السهل، ولكن الحقيقة هي أنهم أرادوا إثارة شيء مختلف، وإضفاء مزيد من العمق على الشخصية الرئيسية، بدون التضحية بمشاهد الحركة. والنتيجة هي إثارة رائعة في النسخة الجديدة مقارنة مع النسخة السابقة.
لفت فوكوا إلى أن أحد الأسباب التي دفعته إلى إخراج «المعادل 2» هو أنه فيلم ذو شحنات عاطفية، مشيرًا إلى العلاقة بين البطل والشخصية التي تلعبها أشتون ساندرز باعتبارها العنصر الأبرز في هذا الاتجاه، وباعتبارها شخصية تدافع عن قيم العدالة والسلام والمعرفة. ويدفع كاتب السيناريو المزيد من الاهتمام لما يحفز بطل الفيلم بمنحه وظيفة جديدة تناسبه تماماً، وفي الوقت نفسه يرفع مستويات التهديد الذي سيواجهه. للقيام بذلك فإنه يستخدم عدة أماكن مشتركة، وعلى الورق لا يوجد شيء لا يمكن تذكره بشكل خاص ولكن يمكن وصف أعماله بأنها وظيفية بحيث يكون المخرج فوكوا والممثل دينزل واشنطن إعطاء هذه المادة بعدًا آخر.
قصة سردية مغطاة بالألم
في حالة ماك ماكول يحاول استعادة الجوانب الإنسانية المضاعة، ولكنه أخذ كل شيء أبعد من المتوقع، من خلال توفر جميع أعماله عمليًا على عنصر مألوف يسمح لنا بفهمه بشكل أفضل، بفعل المساعدة التي يكررها كسائق مع ركابه، خاصة الشابة المغتصبة من طرف شاب ثري وأصدقاؤه في أحد الفنادق، أو مع الشيخ الهرم الذي يبحث عن أخته ماغدا ولوحته الضائعة، وينظر للصداقة على أنها فعل لديمومة الحياة واستمرار لها، في حث الجار الشاب على دراسة الفن التشكيلي ورسم لوحة يانعة بالحياة عند مدخل باب العمارة في نهاية الفيلم.
دوافع ماك ماكول بسيطة لكنه يعرف كيف يعطي اللمسة الصحيحة لتمييزها، وفقا لما تبحث عنه الشخصية في كل لحظة. في الواقع أنا مقتنع بأن العديد من الممثلين الآخرين كانوا سيحوّلون محادثاتهم بالأميال إلى روتين منخفض الجودة، وقد تمكن البطل بالفعل من بث عاطفة ضرورية حتى لا ينتهي هذا الجزء من الفيلم بأن يصبح قصة سردية جوفاء.
«المعادل 2» لا يبدو أنه يرى تناقضًا في أي مكان مما يطرح عدم التناسق في شخصية البطل.
فيلم «المعادل 2» بعيد تمامًا عن تلك الإثارة التي تذهب مباشرة إلى العمل، بدون أن يكون مفكرا فيها لأنه قبل أن يلجأ البطل إلى القوة الغاشمة عندما يتطلب الموقف ذلك، لكن يمسك في البداية بمقدمة ضرورية تبريرية يظهرها عدة مرات. يجب أن نضيف إلى ذلك سعي المخرج إلى إذابة المشاهد في بعضها بعضا واختياره نهجًا مباشرًا وعاليًا بدلاً من المشي مع تطور في بناء الشخصية بشكل غير ملزم وغير ضروري. وحتى في هذا الفعل الثالث الرائع فإن اندلاع العنف يكون مفاجئًا، ويذهب مباشرة إلى ما يجب القيام به، بالإضافة إلى ذلك فإنه يأخذ جوًا هادئًا تمامًا للحفاظ على المشاهد في حالة توتر حتى عندما لا يعرف بالضبط مكان بطل الفيلم.
إلى هذا نضيف ذوبان العلاقة مع رفيقه بيدرو باسكال في شخصيته المتحولة، الذي يقول بعبارة واضحة «كنا نقتل وأضحينا نقتل من أجل المال، ومن تم قتله عن طريق الخطأ فهو إنسان غير محظوظ». يشترك معه في مجموعة مشاهد مع دينزل واشنطن في منزل عائلته وصحبة زوجته كصديق حميم، ثم كعدو وشرير وجب إلقاء القبض عليه وقتله في صراع دام من برج عال وسقوطه على صخرة في البحر. يتضمن الفيلم لقطات مقربة عن عيون ممزقة وأغلفة مفتوحة وصور موضوعة على جدران المنزل وسط عاصفة وأمطار. نرى صورًا عائلية مليئة بالدم. من ناحية أخرى تتناوب تلك اللحظات مع المشاهد التي يقدم فيها ماكول المزيد من الخطب المطولة حول أهمية السلوك الجيد والعمل الجاد. على محمل الجد لا يصمت الرجل. والمشكلة ليست أن شخصيته كقارئ نهم للكتب ونظرته الثاقبة التي تتابع التحركات من ناحية تؤشر إلى ما سيقع، ومن ناحية أخرى تتمتع بممارسة العنف وهو تناقض، لكن «المعادل 2» لا يبدو أنه يرى تناقضًا في أي مكان مما يطرح عدم التناسق في شخصية البطل.
باختصار هو فيلم إثارة يعمل على تجاوز العرض الأول المتوقع، ويفعل ذلك بدون اختيار مجرد للتكرار، مفضلاً توسيع المساحة المقدمة لنا في الدفعة الأولى وأخذها في اتجاه واحد مختلف.
سؤال النهاية
عراك حتى الموت.. عراك يحبس الأنفاس في مدينته القديمة المهجورة التي خربها الإعصار.. في تشابه رمزي على أن الإعصار خرّب المدينة وجعلها فارغة بينما بطل الفيلم حاول القضاء على الشر بطريقته فيها. ليس لديه شخصية محددة لا البعد ولا السمات التي تسمح ليتم تعريفه كشخص حقيقي. إنه مدافع لا يمكن إيقافه ولا حصره وهو ملاك وحارس في الوقت نفسه، لا يكل ولا يلين كما لا يهتم بنفسه إلا قليلا. فماذا يعطي وضع ممثل من عيار دينزل واشنطن الحياة لشخصية كهذه للمرة الثانية؟ بطبيعة الحال فإن الممثل يتمتع بالحرية في تمويل إقامة ثالثة على الشاطئ بالطريقة التي تناسبه، ولكن على أي حال فإن استخدامه للنجم في هذه الملحمة يشبه وضع رجل يقوم بعمله وربما سيبلي بلاءً حسناً، لكن موهبته ستكون بلا شك أفضل تطبيقًا في مهام أخرى.
٭ كاتب مغربي