في وحدة كيدون (الخنجر) للموساد والمسؤولة، حسب مصادر أجنبية، عن الاغتيالات، بالتأكيد يتابعون بقلق الأزمة التي تحيط الآن بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أعقاب قتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. إلى جانب نجاحات كبيرة وكثيرة، التي جزء منها بالتأكيد لم يتم الكشف عنه، فإن أعضاء وحدة كيدون مروا بزلات مدوية، من عمليات قتل بالخطأ للنادل أحمد بوشيكي في «ليلة البلور» ومروراً بمحاولة قتل خالد مشعل الفاشلة في الأردن وانتهاء بتوثيق الكاميرات لتصفية محمود المبحوح في دبي. كل هذه الأخطاء دفعت إسرائيل ثمنها، ولكن ليس ذلك الثمن الذي يعرض مكانتها الدولية أو يهدد وجود قادتها للخطر بصورة جدية. من ناحية مهنية، تصفية الخاشقجي تمتاز بالوحشية، وبالغباء أيضاً في الوقت نفسه. لقد تم تنفيذها في منشأة دبلوماسية من النوع الذي يقع بصورة دائمة تحت رقابة الدولة المستضيفة، الأمر الذي قلص جداً قدرة السعودية عن التنصل من الحادثة. وبدلاً من التمسك بحق الصمت، فإن عباقرة المملكة سكبوا الزيت على النار من خلال النفي المدحوض جداً وغير المعقول الذي اعتبر اعترافاً بالتهمة.
الغضب الموجه الآن للسعودية، لا سيما في الولايات المتحدة، يخلق مستوى جديداً وخطيراً بالنسبة لوحدة كيدون وأمثالها في أجهزة الاستخبارات في أرجاء العالم. السعوديون الذين نفذوا عملية التصفية عملوا حقاً بسذاجة تثير الاستغراب، لقد خرقوا قواعد البروتوكولات الدبلوماسية الأساسية، وخلافاً لإسرائيل هم لم يقتلوا عدواً أجنبياً، بل مواطناً سعودياً؛ ولكن كل ذلك سيشكل ادعاءات للعقوبة. إذا تورطت إسرائيل مرة أخرى في عملية تصفية، ناجحة أو فاشلة، يستطيع أعداؤها الاستناد إلى السابقة السعودية من أجل المطالبة بعقوبة مشابهة ومناسبة.
بنيامين نتنياهو، لأسفه، راكم تجربة غير قليلة في تقليص أضرار الاغتيالات التي تشوشت: قضية خالد مشعل، التي فرضت عليه إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، حدثت أثناء ولايته الأولى كرئيس للحكومة؛ ورطة المبحوح، التي كشفت للعالم كما يبدو ـ طرق العمل لوحدة كيدون ـ حدثت في بداية ولايته الثانية. يفهم نتنياهو أن بن سلمان سيضطر إلى دفع ثمن ما، بسبب التصفية الفاشلة، لكن من هنا وحتى المطالبة بعزله، ولا نريد الحديث عن الضرر الكبير الذي لحق بمكانة بلاده الدولية، فإن الطريق ستكون طويلة. هكذا، حتى لو كان التهديد على بن سلمان لم يشكل خطراً على الاستراتيجية الشرق أوسطية لبنيامين نتنياهو ولا على ترامب، فإن لنتنياهو مصلحة مهنية ووطنية وحتى شخصية، كي يهب للدفاع عنه ولو من وراء الستار.
ولكن التهديد الاستراتيجي الذي من شأنه أن يثمر عن تداعيات سياسية، هو الذي جعل نتنياهو ينام على الجدار، حيث كل العالم يرى ويسجل. نتنياهو ومبعوثوه، وعلى رأسهم السفير رون ديرمر، يعملون بلا كلل في الأسابيع الأخيرة بصورة مباشرة وبواسطة مندوبين، من أجل دعم ترامب، ولكي يمنعوا حكومته، حسب أقوال ديرمر، من «رمي مياه الحمام مع الأمير». إسرائيل وفرت لترامب درعاً واقية لحمايته من منتقديه الكثيرين، ديمقراطيون وجمهوريون، الذين يطالبون بسياسة متشددة أكثر، بما في ذلك عقاب شخصي لبن سلمان.
يأملون انتهاء القضية
نتنياهو وترامب يأملان بأن التصريح الفريد الذي نشره الرئيس هذا الأسبوع والذي فسر فيه ـ باستقامة فريدة وبلسانه الفظ والصبياني ـ أسباب قراره الامتناع عن رد مناسب على قتل الخاشقجي، سينجح في إغلاق القضية. السعودية تعتبر حليفة استراتيجية حيوية جداً للولايات المتحدة بشكل عام: إذا كان تورط مواطنيها في العمليات في 11 أيلول 2001 لم يعكر العلاقة بين الدولتين، فإن قتل صحافي معروف كمؤيد للإخوان المسلمين، بالتأكيد لا يجب أن يخرب العلاقة. وحتى إذا لم يكن الآن مصالح اقتصادية شخصية في السعودية لترامب، والتي تفاخر بها في السابق، فلا شك في أن العلاقات التي أوجدها مع المملكة، بما فيها صفقة السلاح بمبلغ نصف تريليون دولار، والتي وقع عليها أثناء زيارته للسعودية في السنة الماضية، هي أحد الأمثلة القليلة على نجاح سياسته.
«العالم مكان خطر جداً!»، هذا ما أعلن ترامب في مقدمة البيان الذي نشره هذا الأسبوع. في حالة أن أحداً اعتقد غير ذلك. كل من له عقل في رأسه يفهم حقاً أن قتل الخاشقجي لم يكن بإمكانه أن ينفذ بدون مصادقة بن سلمان، وهذا أيضاً ما يقوله تقرير الـ سي.آي.ايه الذي تم تسريبه لوسائل الإعلام. ولكن ترامب لم يقتنع: إما نعم أو لا، قال بصورة قاطعة. «أمريكا أولًا»، أوضح ترامب، باقتباسه الشعار العام الذي تبناه لوصف سياسته، والذي يواصل إثارة عدم الرضى، بالأساس لدى يهود الولايات المتحدة، بسبب ارتباطه بالحركة الانعزالية اللاسامية التي عملت عشية الحرب العالمية الثانية لمنع انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب ضد ألمانيا النازية.
لم يتردد ترامب في استغلال سمعة إسرائيل الجيدة ـ أو ما بقي منها ـ من أجل الدفاع عن قراره. أمس أعلن أن « لولا السعودية لخضعت إسرائيل لأزمات كثيرة». في بيانه ذكر اسم إسرائيل مرتين: مرة من أجل التأكيد على أهمية السعودية في النضال الأمريكي ضد العدوة اللدودة إيران، ومرة أخرى من أجل الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستحافظ على علاقات وثيقة مع السعودية من أجل ضمان مصالح «بلادنا وإسرائيل وباقي شركائنا في المنطقة». إن استخدام إسرائيل كقبة حديدية لقراره غير الشعبي ليس صدفة، هذه كلمة ساحرة، التي يأمل ترامب بمساعدتها بتجنيد مؤيديه الافنغلستيين من أجل أن يعملوا على تخفيف انتقاد السناتورات الجمهوريين، وعلى رأسهم ليندسي غراهام، الذين لم يوفروا جهدهم في توجيه الانتقادات لبن سلمان وأفعاله.
هذا يترك انطباعاً أقل على الديمقراطيين. ومثلما كتب صاحب العمود جاكسون ديهل، الذي يعتبر بشكل عام مؤيداً لإسرائيل: «جمهوريون وديمقراطيون كثيرون سيصابون بالاشمئزاز من أن رئيس إسرائيل يحاول أن يعفي ديكتاتوراً عربياً من المسؤولية عن القتل». في العمود الذي نشره في «واشنطن بوست» ذكر ديهل في الوقت نفسه أيضاً الدفاع الفعال الذي وفره ديرمر ونفتالي بينيت لترامب في أعقاب المذبحة التي نفذها عنصري أبيض في كنيس «شجرة الحياة» في بطسبورغ. تبريرات نتنياهو ومندوبيه ربما تستطيع أن ترضي آذان إسرائيليين ومؤيدين في اليمين الأمريكي. ولكن سلوكه في القضية السعودية وفي أعقاب القتل في بطسبورغ سينضم إلى لائحة الاتهام الخطيرة والشديدة أصلاً ضد رئيس حكومة إسرائيل الذي تأييده للرئيس الأمريكي المكروه جداً يتجاوز في نظرهم حدود الضروري والمعقول والمقبول.
السير على جليد رقيق
هكذا أيضاً، فإن إسرائيل تسير الآن على جليد رقيق في علاقاتها مع الديمقراطيين، الذين أعادتهم سيطرتهم على مجلس النواب في الانتخابات الأخيرة إلى مركز القوة في واشنطن، وقد غابوا عنه في السنتين الأخيرتين منذ انتخاب ترامب. وخلافاً للانطباع الذي ساد في اليومين الأولين للانتخابات، وعلى الرغم من فشلهم في الحرب على مجلس الشيوخ، فإن الانتصار الديمقراطي في الانتخابات كان كبيراً وجارفاً أكثر مما تم توقعه في البداية. ليس لأنهم فازوا فقط بأغلبية ثابتة وحصينة تتمثل بـ 35 مقعداً في مجلس النواب ـ ويمكن أن يصل إلى 37 مع انتهاء فرز الأصوات في ولايتين ما زالت مفتوحة ـ بل إن الفرق الذي فازوا به في الفرز الشامل للأصوات ـ 8 في المئة، أو 8.6 مليون صوت ـ هو الأكبر منذ أن هزموا الجمهوريين في عام 1974، في ذروة قضية ووترغيت. فثمة انقلاب بارز بشكل خاص في أوساط النساء اللواتي تخلين عن ترامب بجموعهن، وأكثر من ذلك في أوساط الشباب الذين دفعهم الاشمئزاز من ترامب إلى المجيء لصناديق الاقتراع من أجل التصويت للديمقراطيين بنسبة غير مسبوقة.
ترامب استخدم الكلمة الساحرة «إسرائيل» في تصريحاته غير المعهودة في هذا الأسبوع
صحيح أن إسرائيل ما زال يمكنها الاعتماد على الحرس القديم في الحزب، رغم أن نانسي بلوسي التي ما زالت تبدو كمرشحة أولى لأخذ قيادة المجلس عندما سينعقد للمرة الأولى في كانون الثاني، لم تغفر بعد لنتنياهو بسبب خطابه المثير للخلافات في الكونغرس ضد الاتفاق النووي مع إيران. ولكن هذه الحصانة غير أبدية، وربما ليست لفترة قصيرة جداً. بالنسبة للقوى الصاعدة في الحزب، فإن قاعدة الدعم التقليدية لإسرائيل ـ الكارثة، الاستقلال وحرب الأيام الستة ـ ليست في نظرها أكثر من تاريخ.
بالنسبة لكثيرين منهم، تعد إسرائيل دولة محتلة تنزلق بالتدريج، ولكن بثبات، إلى معاقل القومية المتطرفة والعرقية المركزية، المكروهة لديهم والتي تنكل بمصوتيهم اليهود، الذين صوت حوالي 80 في المئة منهم في 6 تشرين الثاني لصالح الديمقراطيين. وليس لمعظمهم هناك، يهوداً وغير يهود على حد سواء، عفو ولا غفران على خطأ الوقوف الشامل لنتنياهو ومساعديه من وراء ترامب.
استعداد نتنياهو للدفاع بجسده عن بن سلمان أيضاً ينحرف عن المقاربة الإسرائيلية التقليدية التي تفضل إخفاء دور إسرائيل في تحريك السياسة الأمريكية الخارجية، وبشكل خاص في الأوضاع التي من شأنها أن تتدهور إلى مواجهة عسكرية وإلى ضحايا. إسرائيل ومندوبوها عملوا بشكل كبير من أجل قمع ادعاءات مبالغ فيها، إن لم تكن مدحوضة في هذه الحالة، بأن القدس هي التي دفعت جورج بوش من أجل غزو العراق. إذا تعقد الوضع في السعودية فإن اسم إسرائيل واسم نتنياهو سينقشان بحروف مقدسة بيضاء على السقوط.
لحسن حظ نتنياهو فإن علاقات إسرائيل مع السعودية ومكانتها العتيدة في الولايات المتحدة لا تثير في الوقت الحالي الرأي العام في إسرائيل. قرار نتنياهو بالامتناع عن رد شديد على إطلاق حماس للصواريخ أثار وبحق غضباً شاملاً في أوساط الجمهور، وقلل من مكانته في أوساط مصوتي اليمين في إسرائيل، لكن الصورة الواسعة والأخطر التي تشير إلى خطر انهيار أجهزة شاملة في دولته تثير فقط التفاؤل الآن.
البينات قاطعة: النجاح الدعائي لحماس هز صورة نتنياهو كسيد الأمن، الذي يثير الخوف لدى أعداء إسرائيل. إسقاط الطائرة الروسية في سماء سوريا قلص حرية نشاطات سلاح الجو الإسرائيلي وألقى بظله على العلاقات الممتازة التي طورها نتنياهو كما يبدو مع بوتين؛ والأزمة التي وجدت إسرائيل نفسها فيها في أعقاب عملية القتل في إسطنبول لم تنته بعد؛ في السيناريو الأسوأ سيحطم الجبهة المناوئة لإيران التي بلورها نتنياهو وترامب، وتفاخر نتنياهو بتعميق العلاقات مع دول عربية معتدلة رغم الجمود في العملية السلمية مع الفلسطينيين.
لقد خُصص لبن سلمان دور أساسي في خفض توقعات الفلسطينيين قبل نشر خطة السلام «النهائية» لترامب. كثيرون يعتقدون أن استعداد ترامب للوقوف إلى جانب محمد بن سلمان سيعمق التزام الأمير السعودي بدعم الخطة رغم أنه في وضعه غير المستقر سيتردد في الوقوف خلف الخطة الأمريكية التي من شأنها أن تثير غضب الفلسطينيين و«الشارع العربي»، بما في ذلك الشارع في مكة والرياض.
نتنياهو بالتأكيد لن يندم إذا ساهم عدم الاستقرار في السعودية في إقناع الإدارة بتأجيل نشر خطتها. خلال الأزمة الائتلافية الأخيرة اتضح فجأة أن نتنياهو يمكن أن يكون أول المتضررين من صديقه الجيد في البيت الأبيض: كل خطة سينشرها الرئيس، حتى لو ظهرت للعالم بأنها مؤيدة لإسرائيل تماماً، ستتضمن التنازل عن مناطق، حتى في شرق القدس، وسيتم رفضها تماماً من قبل اليمين في إسرائيل. نتنياهو بالتأكيد لا يريد صد ثمرة جهود الرئيس وطاقمه للسلام المؤيد لإسرائيل، ولكن كل شيء عدا «لا» من شأنه أن يبعد المزيد من ناخبيه نحو اليمين الأكثر تطرفاً.
يتبين إذاً أن ثمة في جعبة الرئيس، وهو الصديق الأكثر قرباً لإسرائيل كما اعتاد نتنياهو وصف ترامب، لغم يختفي ويمكن أن ينفجر في وجه رئيس الحكومة.
ومثلما أن نتنياهو تعلم من إسقاط الطائرة الروسية بالخطأ، ومن العملية السرية التي تشوشت في قطاع غزة ومن عملية القتل في إسطنبول، فإن أحداثاً غير متوقعة يمكنها في كل لحظة أن تهزه وتهز المنطقة وتخرب صورته كشخص قادر على كل شيء. عندما يحدث ذلك بالذات في سنة انتخابات، فإن الحكمة المقبولة بشأن فوزه المضمون يمكنها في لحظة أن تنهار مثل مبنى من ورق، خاصة مع رؤيته الاستراتيجية.
حيمي شليف
هآرتس 23/11/2018