بيان ترامب في جريمة خاشقجي: سقوط أخلاقي لرئيس ومعضلة للسعودية وصعوبات إعادة تأهيل أمير

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لم يدهش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بيانه “الوقوف مع السعودية” باسم “أمريكا أولا” أي أحد في تعليقه الرسمي على الجريمة الشنيعة التي ارتكبت على التراب التركي في 2 تشرين الأول (أكتوبر) بقدر ما أثار بيانه المتناقض ردة غضب من ناحية تطوعه بكلام لم يقله السعوديون وتشويهه الضحية، وهي هنا الصحافي جمال خاشقجي، الكاتب في صحيفة “واشنطن بوست” والناقد لسياسات ولي العهد محمد بن سلمان الذي يقف متورطا في العملية.

فقد ظل الرئيس يدافع عن السعودية وعلاقات الولايات المتحدة التاريخية معها ويراوغ ويغمغم حتى عندما خرجت وكالاته الإستخباراتية بتقييم أكدت فيه وبمستوى عال يصل إلى حد اليقين أن محمد بن سلمان متورط في الجريمة ومحاولات جر خاشقجي إلى تركيا واختطافه.

وفي موقفه عاند الرئيس جواسيسه وكذبهم كما فعل في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016. وبهذا صدق ترامب فلاديمير بوتين وكذب رجاله الذين أوكلهم بمهمة حماية أمريكا، وفعل الأمر نفسه عندما صدق محمد بن سلمان والذي قال له في “خمس مناسبات” تقريبا أنه لم يفعلها. ومن هنا خرج في بيانه الذي لا يعدو أن يكون تغريدة طويلة مليئة بعلامات التعجب والإستفهام والحديث عن “أمريكا أولا” وأن “العالم مكان خطير” وحلل فيه ولي العهد ليس من جريمة خاشقجي التي “ربما كان يعرف عنها أو لا يعرف بها” بل من الجرائم التي ارتكبها التحالف الذي تقوده السعودية ضد المدنيين في اليمن. وقال إن إيران هي المسؤولة عنها.

وحاول في هذا البيان الغريب الذي يفتقد الرؤية الأخلاقية ويؤكد على البعد “الميركنتالي” والتعاقدي في السياسة الخارجية إغلاق ملف القضية وللأبد عندما قال إننا قد لا نعلم عن الجريمة الشنيعة التي ارتكبت بحق جمال خاشقجي. لكنه لم يغلق الملف ولن يكتم الحديث عن ضرورة تحقيق العدالة من قتلة خاشقجي أيا كانوا. وبدا الرئيس في بيانه متنازلا عن السلطة الأخلاقية الأمريكية ومقدما سياسة خارجية فجة. وأعطى كما علق توماس فريدمان في “نيويورك تايمز”)21/11/2018) بدون مقابل. فصانع الصفقات بدا أحمقا وبدون أخلاق، والجمع بين الأمرين هو كارثة الكوارث، وقال فريدمان إن ترامب ضحى بالقيم والمبادئ الأمريكية من أجل المال والبنادق. وأضاف أن ترامب “صانع الصفقات” الذكي يسمح للقادة الرهيبين بالتلاعب به وكأنه أحمق ويأخذون منه ما يريدون طالما تزلفوا إليه ولوحوا له بالمال ووعدوه بالصفقات التي لا تتحقق. ولو فعلوا هذا فسينجحون حتى لو كانت أيديهم ملوثة بدماء الأبرياء. وقال فريدمان الذي طالما روج لسياسات محمد بن سلمان وحاول تبرير تهوره واندفاعه منذ انقلابه على ابن عمه، أن قتل وتقطيع وتذويب خاشقجي لم يكن ليتم بدون موافقة أو معرفة من محمد بن سلمان “مستحيل تنفيذ عملية مارقة على يد مساعدين وحراس شخصيين لزعيم سعودي في تاريخ المملكة، فهذه ملكية مطلقة. وهذه عملية صدر الأمر فيها من القمة”. وأكد أن معضلة أمريكا في المنطقة نابعة من إدمانها على النفط السعودي، رغم أن كل المحللين أكدوا أنها لم تعد بحاجة للسعودية، نفطها وصفقاتها. فالإدمان حسب فريدمان هو ما يدفع أمريكا للتغاضي عن تصرفات الديكتاتوريين والتضحية بحقوق الإنسان ومبادئ الحرية على معبد الظلم والظلام.

افعلوا ما شئتم

ويؤكد بيان ترامب حسب فرد رايان ناشر صحيفة “واشنطن بوست” في مقاله يوم الخميس (22/11/2018) أن الرئيس “بيض” صفحة القتلة. مضيفا أن علاقة الولايات المتحدة مع السعودية قامت ومنذ نهاية الحرب العالمية على الثقة والاحترام واليوم لم يعد يطالب ترامب بأي منهما. مشيرا إلى أن حماية المصالح القومية الأمريكية لا تتم عبر المعايير المزدوجة للدبلوماسية والتي تتخلى فيها الولايات المتحدة عن القيم لأي شخص يعرض شراء سلاح أكثر. و”لا نجعل العالم أكثر أمنا من خلال التخلي عن التزامنا بالحريات الأساسية وحقوق الإنسان”. وأضاف إن السعودية ارتكبت في ظل ولي العهد محمد بن سلمان جرائم لو ارتكبتها دولة أخرى لدفعت الولايات المتحدة للتحرك وشجبها. ولا شك فموقف ترامب القائم على المصلحة، مالية أم أمنية يضع أمريكا على مفترق طريق ويعرض قيادتها للعالم للخطر فحتى القادة الأمريكيون الأكثر تطرفا في مواقفهم مثل رونالد ريغان لم يتخلوا عن المثل الأمريكية وقيم حقوق الإنسان” كما يقول رايان. لكل هذا يبدو دور الكونغرس مهما لفرض حكم القانون بدلا من الاعتماد على رئيس متقلب. ويعتقد ترامب أنه بتستره على ما وصفها أغبى عملية في تاريخ التستر يحمي حليفه السعودي بل على العكس حسب بريم كومار الذي عمل في مجلس الأمن القومي في الفترة بين 2013- 2015 وعضو مجموعة أولبرايت ستونبريدج  والذي قال في مجلة “فورين بوليسي” (22/11/2018) إن ترامب بتقويضه رواية مخابراته (سي آي إيه) وتجنبه تحقيقا يحمل مصداقية في مقتل خاشقجي وفشله في استخدام ورقة ضغط جيدة للتفاوض، فإنه يعرض مستقبل دولة استراتيجية حليفة له للخطر. بل وخلق الرئيس الأمريكي مشاكل طويلة الأمد لحليفته السعودية. فبيان الرئيس كتب وبنية إغلاق ملف خاشقجي إلا أنه فعل وبالضبط العكس لأن إدارة ترامب لم تكن لديها نية حقيقية بالبحث عن الحقيقة. ولأن الرئيس أبدى قلة احترامه للتقييم الذي قدمته الاستخبارات الأمريكية، حول ما جرى للصحافي. وهو بهذا يدير ظهره للمسؤولين العاملين معه. وبهذا فشل ترامب في استخدام ورقة النفوذ في هذا الوضع للحصول على رواية حقيقية وكاملة عما جرى في القنصلية ومعالجة الوضع وقضايا أخرى في العلاقات الأمريكية-السعودية وبهذه الطريقة قدم “سيد الصفقات” الماهر كل شيء بدون مقابل.

مشاكل للعائلة المالكة

وخلق بيان الرئيس مشكلة للعائلة السعودية المالكة، فكما بدا من التراشق الذي تم بين وزير الخارجية عادل الجبير ووكالة أنباء “رويترز” نفيه وجود تحركات في داخل العائلة لاستبدال ولي العهد وأن ما ورد في التقرير الإخباري لا أساس له. وردت هذه بالتأكيد أن تقريرها قام على مصادر من داخل العائلة. وأورد في هذا السياق ديفيد غاردنر في صحيفة “فايننشال تايمز” (22/11/2018) أن قرار ترامب الوقوف إلى جانب “زلمته” سيقابل بتحفظ من العائلة المالكة ومقاومة مؤسساتية كما في تحركات الكونغرس والمطالبة بالتحقيق في علاقة ترامب مع العائلة السعودية، فالرئيس لا تهمه الحقيقة أكثر ما يجذبه بريق المال والصفقات ودور السعودية في الوقوف بوجه إيران. وبدا الرئيس في البداية وكأنه يمشي مع الكونغرس باتجاه الضغط على السعودية ولكنه كما يقول غاردنر قرر قبول “دية” القتيل خاشقجي. والدية مفهوم معروف في السعودية والعالم العربي لكن السعودية تواجه أكبر أزماتها مع الولايات المتحدة والعالم منذ هجمات إيلول (سبتمبر) عام 2001 وهناك تململ بين أمراء العائلة المالكة الذين جردهم ولي العهد من السلطة والمال وأن محمد بن سلمان بات يمثل تهديدا على آل سعود ومستقبلهم. ويشير غاردنر للدولة السعودية التي ظهرت في القرن التاسع عشر وانهارت بسبب الخلافات الداخلية والطموحات الزائدة. وهذان الأمران واضحان اليوم في الدولة الثالثة التي ظهرت عام 1932. لكل هذا يقول إن هناك محاولة للبحث عن أمير معتدل يعمل من خلال الإجماع كبديل عن محمد بن سلمان. ويعتقد غاردنر أن ولي العهد وإن سيطر بعد انقلابه على ابن عمه محمد بن نايف وعلى قوات وزارة الداخلية بـ 60.000 رجل أمن و 100.000 جندي في الحرس الوطني بالإضافة للجيش النظامي، لكن مجلس البيعة المكون من 34 شخصا والذي يضم الأمراء البارزين هو من سيقرر الخليفة. وحسب مصدر  من داخل الحكومة إن الجنرالات ورجال الأمن سيدعمون العائلة لا فردا.

من هو في حاجة للآخر؟

إن الطريقة اللامبالية التي تعامل فيها ترامب مع جريمة سياسية تطرح أسئلة حول الطريقة التي برر فيها الدفاع عن النظام السعودي. فلا أحد يجادل أن العلاقة الإستراتيجية مع السعودية والتي بدأت نهاية الحرب العالمية الثانية بلقاء بين الرئيس فرانكلين روزوفلت الملك عبد العزيز بن سعود على ظهر البارجة الحربية “يو أس أس كوينسي” عام 1945 مهمة وظلت قائمة على مصالح واضحة: تلتزم السعودية بتدفق النفط وبشكل مستمر وتقوم بإعادة تدوير البترودولارات التي تحصل عليها مقابل توفير الولايات المتحدة الحماية لها. ولم تكن حقوق الإنسان حاضرة في هذه المعادلة. واقتصر التحالف على القيادة بين البلدين. ويرى غريغوري غوس، الخبير في شؤون الخليج: “الواقع الواضح عن العلاقات هي أن لا أحد يدعمها سوى البيت الأبيض، فلا أحد في الكونغرس أو المؤسسة الحاكمة يحب السعودية”. ولهذا “فأي رئيس أمريكي يرغب بحمايتها”. ومرت العلاقات بمد وجزر مع أن اسسها ظلت ثابتة خاصة بعد هجمات إيلول (سبتمبر) 2001 بسبب مشاركة 15 سعوديا فيها، وحتى في ظل باراك أوباما بسبب موقف السعودية لإدارته وأنها تتقرب من إيران، مع أن البيت الأبيض في ظل أوباما اعترف بأهمية العلاقات بين البلدين وعارض قانون “جاستا” الذي منح عائلات ضحايا 9/11 الحق في تقديم دعاوى قضائية ضد السعودية وأي فرد له علاقة بالإرهاب. ورغم هذا فموقف ترامب من ناحية الأسلوب أكثر ضررا من مواقف أسلافه، لاستعداده كما تقول رولا خلف في “فايننشال تايمز” (23/11/2018) الطفولي منح مصداقية لسياسة لا تهتم بقيمة الحياة الإنسانية وتبالغ في القيمة التجارية لحليف وتتبنى الرواية السعودية عن مقتل خاشقجي، الذي كان يقيم في أمريكا ووصفه بعدو الدولة. ولعجزه عن تطوير استراتيجية دقيقة يعاقب من خلالها السعودية بدون أن تتأثر العلاقات بين البلدين.

ولأنه وهذا الأخطر، وضع السعودية في موقع القوة التي تحتاج إليها ولهذا أضعف نفسه بدلا من استخدام أوراق النفوذ التي بيديه من أجل تغيير سلوك المملكة. والضرر الذي أحدثه ترامب للموقف الأمريكي ليس في عدم توجيهه تهمة القتل لولي العهد ولكن في السكوت على تصرفات متهورة أبداها ولي العهد في فترة أقل من عامين على تحكمه الفعلي بإدارة المملكة. مع أن أمريكا في الحقيقة تملك كل أوراق اللعبة وهي ليست بحاجة للسعودية حسب يوجين روبنسون في “واشنطن بوست” (23/11/2018) “فلسنا بحاجة لنفط السعودية ويمكننا الإستغناء عن شرائهم للسلاح. وبخلاف هذا فبدون الدعم العسكري الأمريكي وقطع الغيار لا تستطيع القوات السعودية المسلحة العمل”.

إعادة التأهيل؟

في ظل فشل الفرع التنفيذي في الحكومة الأمريكية أصبح الآن العبء على المشرعين الذين تحداهم ترامب في بيانه. واللافت للأمر أن قضية خاشقجي لم تمت ومن المتوقع أن تصبح السعودية في مرمى هدف المشرعين عندما يبدأون دورتهم بمجلس نواب غالبيته من الديمقراطيين. وبدأ بن سلمان محاولات التأهيل كالطفل الذي يحبو بزيارة حليفه في الإمارات محمد بن زايد. ولكن الطموح الأهم سيكون في اجتماع مجموعة العشرين الذي سينعقد نهاية الشهر في الأرجنتين. وطموح بن سلمان ليس إعادة تأهيل نفسه لكن بناء ثقة المستثمرين وإحياء خطته “رؤية  2030” التي تضررت في أعقاب القتل. وطالما لم يتم العثور على جثة الضحية واستمر الجدل حول القضية خاصة أن تركيا أكدت أنها ستواصل جهودها وتسريباتها، بل ولديها أدلة أقوى من التسريبات، فجمال خاشقجي سيظل يلاحق محمد بن سلمان. وأمامه مرحلة طويلة حتى لو زار الأرجنتين ووجد الدعم الذي يريده من ترامب والقادة الذين ليس بحاجة لإقناعهم مثل فلاديمير بوتين وشي جينبينغ إلا أنه في حفرة عميقة ويحتاج كل جهود الإقناع والتنازلات ودفع الثمن كي يخرج منها. ولعل بوادر الثمن بدت من خلال تراجع أسعارالنفط إلى 60 دولارا للبرميل بسبب الضغوط التي يمارسها ترامب على السعوديين. صحيح ان ترامب حصل على الدية ولكنه سيلاحق السعوديين بمتعلقاتها، وسيطالب بمزيد من الصفقات والتنازلات والآتي أعظم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية