سعدي الشيرازي شاهد في مبني الأمم المتحدة

حجم الخط
2

سعدي الشيرازي شاهد في مبني الأمم المتحدة

رشيد يلوحسعدي الشيرازي شاهد في مبني الأمم المتحدةاعترافا من منظمة الأمم المتحدة بسعدي الشيرازي أقرت يوم الحادي والعشرين من نيسان (ابريل) يوما عالميا لتكريمه، واختارت مدينته شيراز الإيرانية مدينة ثانية للأدب العالمي، ولد هذا الرجل حوالي 1219م في أسرة إيرانية علمية، انتقل إلي بغداد حيث المدرسة النظامية مركز المعرفة في ذلك الوقت، وبعد أن أكمل تعليمه قضي حوالي ثلاثين عاماً في الأسفار شرقا وغربا، ومثل الكثير من رجال عصره نهل من مدرسة الإمام عبد القادر الجيلاني، الأمر الذي أسبغ علي أعماله روحا انسانية متسامحة في عصر طبعه انكسار المسلمين أمام المغول وسقوط بغداد عاصمة الخلافة وتراجع دور المجتمع والعلماء، وكانت في النهاية الخانقاه (الزاوية الصوفية) بمثابة تلك المشكاة التي حاولت أن تحضن كيان رجل سطع في سماء الوئام الانساني إلي أن دعاه الباري عز وجل حوالي1294م. يعد سعدي إلي جانب مولانا والفردوسي وحافظ، أحد أعمدة الثقافة الإيرانية المتميزين، إذ يعتبر أب النثر الفارسي ومن أرباب الحكمة وشعر الغزل العذري. وحين اكتشفه المستشرقون اعتبروه معلما انسانيا في الحكمة والعرفان، فنقل أندريه دوريه بعضا من نتاجه الي الفرنسية. وكذلك فعل فريديش اكسن باخ وآدم أولثاريوس الي الألمانية، وكتب عنه الفيلسوف الفرنسي ديدرو واقتبس منه هوغو ولافونتين، وأشاد به الشاعر الأمريكي امرسن بينما وضع الفيلسوف الأمريكي الكت آثاره إلي جانب أعمال سقراط وأفلاطون ودانتي وشكسبير وملتون. وشبهه الشاعر بايرون بالشاعر الغنائي الروماني كاتولوس وتأثر به غوته، في المقابل ظل سعدي الشيرازي إلي اليوم غريبا بين المثقفين العرب. ويمكن النظر إلي حياة سعدي الشيرازي من ثلاث زوايا: ـ زاوية الرحلة: فهو رحالة بامتياز استغرقت رحلاته ثلاثة عقود من عمره، فمكنه سيره في الآفاق من الاطلاع علي خفايا وأسرار النفس البشرية، وأهلته تلك الرحلات من النظر في خصائص المجتمع الانساني وتجارب الدول والحكومات، لقد شارك في الجهاد ضد الروم ثم زار آسيا الصغري وورد ذكر عدة مناطق في كتبه منها الشام وفلسطين والجزيرة العربية ومصر والمغرب والحبشة وآسيا الوسطي والهند، مما دفع الباحثين إلي تقصي رحلاته ومناقشتها وأبرزهم في ذلك المستشرق هنري ماسيه في رسالته المعروفة عن سعدي بينما يقرنه الكثيرون بابن بطوطة وناصرخسرو. ـ زاوية الجمال: يعرف سعدي الشيرازي بشاعر الجمال والرقة، فقد نجح بتفوق عجيب في تقريب قارئه من الأشياء الجميلة دون عناء وتكلف، لذلك عرف تراثه بالسهل الممتنع، سهل عندما تباشره وتتأثر به لكنك تجده صعبا عندما تحاول تقييمه أو سبر أغواره. شعره وقصصه وأمثاله تفرض عليك دائما التوقف معها من أجل برهة للتأمل، فالرجل مزج في مكتوباته بين الحكمة والفضيلة والمتعة مزجاً يجعلك تعيش المعرفة في أجواء ممتعة. ـ زاوية التربية والاصلاح: تغلب علي أعمال سعدي مسحة إصلاحية حكيمة تريد أن تأخذ بيد المخاطب في رفق، ترشده إلي مكامن الشر في نفسه، تجلي له سبل الترقي المعنوي وتحفزه من اجل اكتساب العدل والفضيلة. لذلك تلقف الغرب خاصة ابان نهضته الكثير من آرائه ونظراته التربوية واشتغل عليها. وقد واجه بصلابة انحرافات المجتمع خاصة الأمراء والفقهاء الذين فضح نفاقهم قائلا:إن التدروشَ لا يهدي إلي التقويإن المرائين في أثوابهم نفرٌبكلّ آنٍ لهم في ما اشتهوا فتويفافتحْ لنا سُبلَ التوحيد وامضِ بهاعسي نُحطم أصناماً هي البلوي.أما الملوك فقد خصص لهم سعدي الشيرازي جانبا مهما من جهده الاصلاحي يدلهم علي وسائل متعددة لتدبير ملك حكيم ورحيم، ويحذرهم باستمرار من الوقوع في فخ الظلم وهاوية الغفلة وبطانة السوء. فوضع مجموعة من القواعد والحكم في هذا الباب، نختار منها مايلي:ـ ابدأ اولا بنصح القريب بعد ذلك انصح البعيد، وليس هناك اقرب من نفسك اليك، فإن لم تعمل بما تقوله فلا تنتظر أن يتأثر غيرك بكلامك.ـ الرعية كالشجرة، إذا رعيتها جنيت ثمارها فلا تقتلع جذورها وثمارها بغير رحمة فان الجاهل يوقع الأذي بنفسه، والرعية كالجذروالسلطان كالشجر والشجرة يا بني تأخذ قوتها من الجذر فلا تجرح ـ ما استطعت ـ قلوب رعيتك.ـ علي الحاكم ألا يظلم علماء مملكته، حتي لايضطر عند هجوم أعداء الخارج إلي مواجهة أعداء الداخل.ـ لايمكن حفظ الدين الا بالعلم ولايمكن حفظ الملك الابالحلم.ـ من خصائص المال أنه يبدل الأعداء إلي أصدقاء لكن حفظه يؤدي إلي تحويل الأصدقاء إلي أعداء.ـ الحاكم الذي حين يظلم تجار مملكته يغلق أبواب الخير عن بلاده وحكمه.ـ في حياتك اجتهد في العمل الصالح، فعند الموت يستوي الملك والمسكين، ألا تري أنك إذا فتحت قبري الملك والحارس لن تجد هناك فرقا يذكر.ـ لاتنتظر معرفة عيوبك من أصدقائك، بل انصت إلي مايقوله عنك أعداؤك.ـ لايمكن أن تفرق الأعداء المتفرقين إلا إذا صادقت بعضهم. كما أن سعدي الحكيم بث الكثير من الحكم وعبارات التوجيه والارشاد في الأفق الإنساني، يقول في إحداها: شيئان يقودان الحكيم إلي الخطأ: البقاء صامتا حينما يكون الكلام واجبا، والتكلم حينما يلزمه الصمت ، أما الأبيات الشعرية التي ترجمت إلي الكثير من لغات العالم وقدمت الرجل إلي أهل الدنيا باعتباره مبشرا بأرقي معاني التآلف الانساني، فهي تلك التي فيها يري الناس رغم كل اختلافاتهم جسدا واحدا يعودون في أصلهم إلي شيء واحد، إنها الأبيات التي اختارتها الانسانية المعاصرة شاهدا علي جدران مقر الأمم المتحدة هناك في نيويورك، حيث يصدح الصوت الشيرازي الرفيق: أبناء آدم بعضهم من بعض ـ في أصل خلقهم من جوهر واحدفإن أصاب الدهر أحد الأعضاء بألم ـ ـ استجابت له باقي الأعضاء بالإضطرابفإذا كنت لاتبالي بمحن الآخرين ـ فأنت لا تستحق أن تسمي آدمياواضح أننا لن نستطيع نقل جمالية هذه المضامين مهما حاولنا لأن طبيعة اللغة الشاعرة تأبي ذلك، كما أن سعدي في هذه الأبيات كان تلميذا للبيان النبوي الكريم حين اقتبس من كلام المصطفي عليه وآله السلام الذي يقول فيه: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي).تفاعل سعدي مع حوادث زمانه بتلقائية وصدق، من إحدي قصائده العربية التي رثي فيها الخليفة العباسي المعتصم ومصاب بغداد ننقل هذين البيتين :حبست بجفني المدامع لاتجري ـ ـ فلما طغي الماء استطال علي السكرنسيم صبا بغداد بعد خرابها ـ ـ تمنيت لو كانت تمر علي قبريتكلم المهتمون بسعدي كثيرا حول اتجاهه الغزلي، إذ زاوج بين الغزلي العذري وأحيانا الصوفي، من غزلياته ننقل هذه الأبيات : ياملوك الجمال رفقا بأسري ــ ياصحاة ارحموا تقلب سكريقد غلبتم روائح المسك طيبا ــ وقهرتم محاسن الورد نشراكنسيم النعيم حيث حللتم ــ حل بالواردين روحاً وبشريسعدي رجل تائب يكاد في كل أشعاره يؤكد هذه الحقيقة، فتراه يعود إلي ربه منشدا تراتيل الإياب، فهو شاعر واعظ بامتياز، يقول:رب اعف عني وهب لي مابكيت أسي ــ لإني علي فرط ايام مضت آسمر الصبا عبثا وابيضت ناصيتي ــ شيبا، فحتي متي يسود كراسييالهف عصر شباب مر لاهية ــ لالهو بعد اشتعال الشيب في راسياستطاع سعدي الشيرازي أن يقدم للإنسانية الجمال مقرونا بالفضيلة والحكمة، في نفس إنساني جامع ورحيم يتسربل بالبساطة، أي المتعة العالمة الجذابة، إنه التعالي الذي أصاب الغرب بالحيرة والدهشة وجعله ينطلق من تلك المفردات البانية والرصينة نحو مشروعه الذي نراه اليوم، والعجيب في الأمر أننا نعرف عن لمارتين وديدرو ولافونتين وعن باقي رموز الحضارة الغربية، لكن الكثير منا لايعرف عن سعدي الشيرازي خريج نظامية بغداد، وهم يعرفونه إذ تتلمذوا علي آرائه ونظراته وتأثروا بأعماله، إن هذه الحالة المعرفية المؤسفة التي نعيشها ليست إلا واحدة من نتائج ذلك الاعتقاد الخاطئ الذي يؤرخ للحضارة الإنسانية ابتداء من عصر النهضة الأوربي ثم لايلبث أن يضع لها نقطة نهاية يسميها الحداثة ومابعد الحداثة!!.. من المؤكد أن الوقوف مع سعدي الشيرازي لايعني فقط استحضار سيرة شخص متفرد، بقدرما هو فرصة لتأمل موقف صادق ورفيق جاءنا شاهدا من عمق حوالي ثمانية قرون، جاءنا داعيا إلي المحبة والحكمة والتآخي، فهل ستنصت الأمم اليوم لهذا الداعي الكريم، لاسيما أنها اختارت كلامه حجة، فجعلته ينشد لها كل صباح نشيد: أبناء آدم بعضهم من بعض.. .، أم أن هدير الحروب وغبار المعارك سيحجب ربيع الحب وضوء السلام.باحث في اللغة الفارسيةوالدراسات الشرقيةwww.yalouh75.jeeran.comQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية