(يجب قلب الصفحة، هل فكرتم في وزن الصفحة التي نقلبها؟) عبارة للكاتب الجزائري مالك حداد، يسخر فيها من الذين يطالبون بقلب الصفحات ويتنازلون بسهولة عن كرامتهم وعن احلامهم، يقبلون الذل ولا يطالبون بالعدالة والحق.
يضيع الحق لأن حياتهم تحولت الى صفح ونسيان وتغاض وتقليب صفحات مليئة بأعناق مكسورة وهامات عرجاء، وكلما فتحت صفحة واسودت طالب الآخر بطيها ومسامحته.
إن الصفحات التي قلبها المواطن العربي في وطنه كثيرة، وكلما قلب صفحة فتحت العنصرية شهيتها على مضغ كرامة المواطن العربي وعجنه في معجنة الذل، ثم رميه في العراء كي يشوى على نار العنصرية الملتهبة، ولم تعجز شفرات معجنة العنصرية حتى اليوم ومازالت تهدينا عجينها القذر.
في المقابل يسارع المواطن العربي الى الترحيب ومد حبل الود والتعايش ويتغنى في الانحناء الذي أصبح سمة من سمات وجودنا حنى نتقي شرور العنصرية.
نعترف بيننا وبين انفسنا بأن المجتمع الاسرائيلي مات موتاً سريرياً ولم يعد يخجل من العنصرية الموجهة الى المواطن العربي، التي يراها يومياً واضحة وبارزة مثل قرص الشمس، ابتداء من الميزانيات الى القوانين والاتهامات التي تهطل على (الفاضي والمليان)، الى تفريغ القرية والمدينة العربية من جميع المؤسسات الثقافية والاقتصادية، وتفريغ شبابنا من الانتماء لتاريخهم وشعبهم والعمل على تهميشهم ودفعهم الى حواف اليأس، فالشعب اليهودي الذي يحشر نفسه في قائمة المظلومين تاريخياً وعويله وبكاؤه ما زال يُشغل الشعوب والأمم ويمسك المعاول لكي يحفر في ضمائرها، ويضع ذاته في قوائم المثقفين والمبدعين والعلماء وعالماً ببواطن الأمور السياسية، ذاق معنى التمييز والعنصرية عبر تاريخه، هو ذاته يسمع ويسمح لأفاعي العنصرية وهي تطل من جحورها، في كل مكان وفي كل زمان، اصبحوا يستعرضون العضلات في التشدق، كل واحد يتقمص الفك المفترس – عذراً من اسماك القرش ويصيغ طريقة خاصة للعنصرية ويلاقي الترحيب والهتاف والتأييد.300 حاخام لا يأتون من فراغ وفضاء عادي، يجرهم حاخام مدينة صفد شموئيل الياهو ليصدروا (فتوى) ايدها سابقاً الحاخام الروحي لحزب شاس عوفاديا يوسف، التي تحظر على المواطنين اليهود بيع او تأجير بيوت واراض لمواطنين عرب، فهولاء الحاخامات كانوا في حالة وعي وعلم وذاكرة تاريخية ودينية.
المواطنون العرب قوة اقتصادية، قوة شرائية، ونحن نرى كيف تزحف الشركات اليهودية بإعلاناتها والمتاجر بأصنافها وانواعها تطالبهم بالقدوم اليها، عدا عن المجمعات التي تعتبر المواطنين العرب دعماً لها، في الوقت الذي يعلنون الكره والعنصرية ضد العرب، حالة من حالات الشيزوفرينيا السياسية الغريبة.
من يقف الآن الى جانب الطلاب العرب في كلية صفد الذين يتعرضون لحملة شرسة، قاسية، قد تكون دافعة للقتل وتعريض حياتهم للخطر؟
نريد ان يتحرك الوزراء ليخمدوا نيران العنصرية – الحاخامية -التي شبت بعد حريق الكرمل، مع تداعيات حريق الكرمل الذي قد يلمس وجه الذاكرة الفلسطينية التي كشفت عن مدى الحزن والوجع الذي رافق اللجوءوالهروب الكرملي، مع الفرق انهم عادوا الى بيوتهم، اما العائلات الفلسطينية المشردة اللاجئة فما زالت تنتظر واقفة على محطات المفاوضات البائسة.
قال احد زعماء حزب العمال البريطاني (هناك شرطان اثنان ليكون رئيس وزراء ناجحاً، ان يكون لديه احساس عميق بالتاريخ وان يعرف كيف ينام). الشرط الأول مفقود عند رئيس الوزراء وعند باقي الاحزاب والوزراء منذ قيام الدولة، اما الشرط الثاني فهم يعرفون جيداً كيف ينامون وكيف يقلبون الصفحات بسرعة.
شبعنا من الفتاوى والقوانين والتفوهات كل يوم هتلر جديد وليتذكروا ان قوانين (نيرنبرغ) التي اصدرها هتلر سنة 1935 لمضايقة اليهود والتي تنص على منع الزواج المختلط بين اليهود والألمان ومنع قبول الطلاب في الجامعات ومنع تعين اكاديميين للعمل في المانيا، منع التبادل التجاري، منعهم من تأجير وشراء بيوت وبضائع.. الخ هذه القوانين التي مازال العالم يبكي على عنصريتها هي نسخة للفتوى التي اصدرها الحاخامات اعلاه.
ان كل يهودي مطالب بمحاربة العنصرية حفاظاً عليه وعلى المستقبل الذي اصبح عبارة عن مدخنة كبيرة، الجميع دخلوا المدخنة، السواد يغطي الوجوه والذاكرة والأيام.
اما اللجنة القطرية ولجنة المتابعة واعضاء الكنيست فيجب ان يتصرفوا بسرعة ويعلنوا موقفهم الرافض للمد العنصري المقيت وعليهم ان يكونوا بوصلة الجماهير العربية، لن ننتظر (فتاوى) جديدة تضع رؤوسنا على المقصلة والجميع يتفرج على عرض رجال الدين ويحسبها نكات ساذجة، اذ ان أكثر المواقف والمذابح دموية عبر التاريخ بدأت كنكات مستحيلة.
لا فـــرق بين مسدس محشو بالرصاص ورجـــــل محشو بالكراهـــية. نحــــن الآن في الحيز الثالث أي غير الموجــــود، نحن وفي ضــــياع، لا بمفــــهوم العرب ولا بمفهوم السلطة الفلسطيـــنية ولا بمفهوم اسرائيل التي تضعنا على خارطة التأرجح!
شوقية عروق منصور