ثمانون في المئة من الفرنسيين يعتبرون الحجاب مشكلة رئيسية في حياتهم اليومية

حجم الخط
3

باريس – «القدس العربي»: أدان القضاء الفرنسي في مدينة تيونفيل شمال شرق فرنسا مالك صالة للألعاب بغرامة مالية قدرها 500 يورو بعد منعه مسلمة محجبة من دخول الصالة بدعوى أن القانون الداخلي للنادي لا يسمح بتغطية الرأس أثناء التدري ب.
ورفضت المحكمة الجنائية ما قدمه محامي مالك صالة الألعاب التي توجد في مدينة «موسول» القريبة من الحدود مع ألمانيا من حجج، بينها ان القانون الداخلي للنادي الرياضي يفرض قواعد تنظيمية على جميع المنخرطين في النادي الخضوع لها بينها ارتداء «لباس نظيف لا يحمل أي اشارة صريحة للرأي السياسي أو الديني أو العنصري».
و في مدينة «آميان» شمال وسط فرنسا رفضت محكمة المدينة دعوى قضائية مستعجلة تقدمت بها 13 مسلمة محجبة ضد أكاديمية التعليم في المدينة التي أصدرت قانونا تمييزيا يمنع الأمهات المسلمات المحجبات من دخول المؤسسات التعليمية لتسلم أطفالهن بعد خروجهم من المدرسة بسبب إرتدائهن الحجاب.
وعللت المحكمة قرارها بعدم وجود عنصر طارئ يتوجب البت فيه بشكل مستعجل في الدعوى، وما على الأمهات المشتكيات سوى احترام القانون الصادر عن الأكاديمية التعليمية وإزالة الحجاب قبل دخول المؤسسات التعليمية لتسلم أطفالهن بعد الفصل الدراسي.
ونظمت الأمهات المسلمات المحجبات وقفة رمزية أمام مبنى المحكمة ومنها أعلنت متحدثة باسمهن أنهن قررن مواصلة المعركة القانونية حتى وإن اقتضى الأمر اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وارتفع بشكل مفاجئ عدد القضايا المعروضة على المحاكم الفرنسية بعد تزايد حالات التمييز ضد المسلمات المحجبات منذ تحقيق اليمين المتطرف نتائج غير مسبوقة في الإنتخابات البلدية والأوروبية التي شهدتها فرنسا.
وفيما أنصف قضاة مسلمات محجبات في بعض المحاكم ضد الاعتداءات التمييزية المعنوية التي تعرضن لها إلا أن أغلب القضايا بات الحسم فيها لصالح الطرف الآخر أو تأكيد اجراءاته العنصرية، وسط أجواء يساهم اليمين المتطرف في صب الزيت على نارها، ما خلف ردودا متباينة بين المسلمين أنفسهم ما بين معارضين ومؤيدين.
و فيما يرى المعارضون وفقا لما تنقله وسائل الإعلام الفرنسية في لقاءات معهم أن رفض الشكاوى المقدمة من مسلمات تعرضن للتمييز في أماكن عامة يخالف حرية الرأي والمعتقد التي تزعم فرنسا أنها تتمتع بها، في حين أنها تمنع من يرغبون في غطاء وجههم من ممارسة معتقداتهم، وأن ما يحدث هو قمع للحريات بينما يبرر المؤيدون بأن هذه الأحكام تساوي الجميع وأن الإسلام لم يحرم كشف الوجه، وأن فرنسا لم تمنع ارتداء غطاء الرأس، مشيرين إلى أن منع النقاب أو غطاء الوجه مسألة أمنية تخص جميع من يعيش في فرنسا وعليهم القبول بقوانينها أو مغادرة البلاد.
ولا يوجد في فرنسا أي قانون يمنع إرتداء الحجاب في الأماكن العامة رغم مطالبة اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان رئيسة حزب الجبهة الوطنية بسنه وتطبيقه بشكل عاجل، و يقتصر الأمر على منع ارتدائه في المؤسسات التعليمية العامة إضافة إلى منع ارتداء النقاب في الأماكن العامة. غير أن القوانين الفرنسية تمنع إرتداء الخوذة أو غطاء الوجه للرجال أو النساء أثناء تعبئة البنزين أو عند دخول البنوك وإجراء التعاملات المالية، حيث إن القانون يمنع غطاء الوجه في كثير من الأماكن لدواع أمنية.
ويطالب العديد من سائقي الدراجات النارية في فرنسا بمساواتهم بالمسلمات المحجبات حيث يسمح لهن بدخول محطات البنزين والبنوك والمحلات التجارية وهن مرتديات غطاء الوجه، في حين لا يسمح لهم بارتداء الخوذة ويطالبون بخلعها وإن لم يفعلوا لا يحصلون على خدمات.
ويتذرع المطالبون بسن قانون يمنع إرتداء الحجاب في الأماكن العامة بوجود دول عربية ومسلمة تمنع هي الأخرى إرتداء الحجاب، حيث يستندون إلى وجود قانون في تونس صدر عام 1981 يتم بموجبه حظر غطاء الوجه في الأماكن العامة رغم أن هناك مطالبات منذ العام 2011 بإلغاء هذا القرار، إضافة إلى سوريا التي صدر فيها عام 2011 قرار بمنع المعلمات من ارتداء الحجاب وتم إلغاؤه بعد ذلك، إلى جانب تركيا التي تعد دولة إسلامية أزالت القيود على الحجاب وسمح للمعلمات والعاملين في الحكومة بارتداء الحجاب.
وحظر القضاء الفرنسي في الـ 17من شهر اذار/مارس عام 2004 ارتداء أي رموز دينية وعلى رأسها الحجاب في المدارس الإبتدائية والمتوسطة، إذ دافعت الحكومة الفرنسية عن القرار موضحة أنه لم يستهدف المسلمين فقط وإنما كافة الأديان.
وتخطت مشكلة الحجاب والنقاب المدارس، لتصبح مشكلة في كافة نواحي الحياة الاجتماعية، حيث غرّمت محكمة سيدة منقبة عام 2010 بتهمة تعريضها أمن السير للخطر، فيما طالب وزير الداخلية آنذاك «بريك هورتفوه» بضرورة سحب الجنسية الفرنسية من زوجها الفرنسي من أصل جزائري «ليث هابادج» بحجة زواجه من عدة نساء، كما حظرت الحكومة ارتداء النقاب في الأماكن العامة بسبب الجدال الذي أثارته قضية «هابادج».
وأصيب كثير من المسلمين في فرنسا بخيبة أمل كبيرة بعد أن أيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان القانون الفرنسي القاضي بحضر ارتداء النقاب في الأماكن العامة، واعتبروا أنه سيطلق يد الحكومة الفرنسية في حربها على المسلمين، كما أنه سيزيد من تنامي مشاعر الكره لكل ما هو مسلم ما يعني استمرار الإعتداءات العنصرية التي باتت تتعرض لها المسلمات المحجبات في فرنسا.
وكانت منقبة فرنسية من أصول باكستانية قد تقدمت لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتراض بحجة أن قرار حظر النقاب الذي دخل حيز التنفيذ عام 2011 في فرنسا، ينتهك مواد في الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحظر التمييز واحترام العائلة والحياة الشخصية وحرية العبادة.
وقال جون بيار كافالي مدير المركز الفرنسي لمراقبة الحريات في تصريح لـ»القدس العربي» معلقا على الحكم «إن ما صدر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مثير للقلق ومخيف في الوقت نفسه».
وأضاف :»السماح لفرنسا بمعاقبة النساء المنقبات اللواتي يغطين كامل أجسادهن، أي بالجلباب والبرقع هو شكل من أشكال عنف الدولة ما سيصعب أكثر ويعقد إندماجهن في المجتمع». وحذر الباحث الفرنسي من توظيف سلطة القانون الفرنسي في حظر ارتداء البرقع والنقاب ورأى أن من شأن ذلك أن يتسبب في مخاطر كبيرة على المصلحة العامة وترابط المجتمع.
وإستغرب وجود كل هذا الإهتمام بعدد قليل من الناس حيث أن عدد المنقبات في فرنسا لا يتجاوز الـ400 مؤكدا أن أعداد من يرتدين النقاب أو البرقع في هذا البلد لا تتطلب إستحقاقا بهذا القدر من الإهتمام العام أو إهدار هذا الكم من الموارد من أجلها.
وبحسب جون بيار كافالي فإن «العقلية الأحادية وعقلية الإقصاء هما خطران كبيران يهددان المجتمع الفرنسي، فهما قد يقودان إلى التطرف والتشدد والإستبداد. لذلك، يجب أن ترحب كل الأطراف بالبراغماتية والليونة من أجل حماية الديمقراطية والحريات الفردية والمصلحة العامة. لذلك، فلنرحب بالنقاش، لكن دعونا نأمل ألا تكون هناك حاجة إلى قانون بمجرد إنتهاء النقاش».
وتزايدت حوادث الإعتداء على مسلمات محجبات بشكل مثير للجدل، حيث تعرضت سيدة مسلمة ترتدي الحجاب رفقة أبنائها لإعتداء عنصري من قبل مسلح أمام الملأ في مدينة «موري» القريبة من تولوز، بينما لا تزال السلطات الفرنسية ترفض توقيف الجاني أو حتى استدعائه للمثول أمامها رغم توفرها على كل بياناته الخاصة بما فيها اسمه وعنوانه ورقم لوحة سيارته وشهود عيان تابعوا الواقعة.
وطالبت رابطة مناهضة معاداة الإسلام في فرنسا الحكومة بفتح تحقيق عاجل في رفض مصالح الدرك الفرنسي في المدينة التحرك لتطبيق القانون في تعرض المرأة المسلمة للإعتداء العنصري بعد توصلها بشكوى في الموضوع.
كما أيدت محكمة النقض العليا أعلى هيئة قضائية في فرنسا قرار تسريح مؤسسة دار حضانة خاصة عاملة مسلمة لديها من أصول مغربية اسمها فاطمة عفيف بسبب ارتدائها الحجاب أثناء عملها لتخسر بذلك المحجبة المسلمة كل المراحل القضائية التي اتبعتها في فرنسا وتقرر نقل معركتها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وتعتبر قضية المسلمة المحجبة فاطمة عفيف أشهر قضية في فرنسا ضمن ما يعرف بحرب السلطات الفرنسية ضد إرتداء الرموز الدينية في المدارس العامة بعد سن البرلمان الفرنسي لقانون في الموضوع، علما بأن هذا القانون لا يسري على المؤسسات التعليمية الخاصة.
وأظهرت دراسة فرنسية أجرتها اللجنة الوطنية الإستشارية لحقوق الإنسان أن 35 في المئة من الفرنسيين يعترفون بأن لديهم ميولا عنصرية ومعادية للأجانب وأن نسبة الذين اعترفوا بأن لديهم نزعات عنصرية زادت 6 في المئة خلال العام الأخير.
وقالت كريستين لازيرج رئيسة اللجنة إن الميول العنصرية خاصة ضد المسلمين ظهرت بشكل أخطر ولم تقتصر على المتطرفين في المجتمع، بل شملت الأطياف الأخرى، معربة عن قلقها من إتخاذ المسلمين كبش فداء بسبب الغضب من سياسات الحكومة.
وشددت الدراسة على القلق من إعتبار الخطاب العنصري ضد المسلمين أمرا عاديا لافتا إلى أن 63 في المئة من الفرنسيين يعتقدون أن المسلمين يعانون مشاكل في الإندماج في المجتمع، فيما يرى 80 في المئة أن الحجاب يشكل مشكلة للحياة في المجتمع الفرنسي.
ومع تزايد حوادث الإعتداءات العنصرية ضد المحجبات في فرنسا تطالب المنظمات المناهضة للعنصرية ضحايا هذه الإعتداءات بضرورة التبليغ عنها ما سيساعد على معاقبة الفاعلين وتحذير آخرين.
ودعت أمينة بنصالح رئيسة جمعية مناهضة العنصرية في تصريح لـ»القدس العربي» المسلمين إلى الإبلاغ عن أي حادث اعتداء أو انتقاص من حق او كرامة أي مسلم أو مسلمة في مجموع التراب الفرنسي سواء للشرطة أو للجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان بينها الجمعيات والمنظمات التي أسست بمبادرة من أبناء الجالية المسلمة.
وأضافت أن «قلة توثيق حوادث العنصرية ضد المسلمين في فرنسا تحد كبير، ينبع بالأساس من قلة وجود المنظمات المهتمة بالعنصرية أو إحجام الضحايا من المسلمين والمسلمات عن الإبلاغ عن ما تعرضوا له لتفادي المساطر الطويلة والمشاكل العالقة أو الإنتقام. كثير من المسلمين لا يبلغون المنظمات المعنية بمكافحة العنصرية بالحوادث العنصرية التي يتعرضون لها سواء كانت دينية، أو ثقافية أو عرقية، وقلما يأتي مسلم أو مسلمة ويبلغ عما يحدث له وهذا ما يجعل العنصريين يفلتون من العقاب ويكررون فعلهم كلما أتيحت لهم الفرصة بذلك».
وكان المرصد الوطني لمناهضة الإسلام في فرنسا والذي انشىء بمبادرة من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية قد سجل ارتفاع ظاهرة «الإسلاوفوبيا» بشكل مثير للقلق بلغت 11.3 في المئة في العام 2013، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي 2012.
وبحسب عبد الله ذكري رئيس المرصد فإن العام 2013 شهد وقوع 157 عملا مناهضا للإسلام، بينما كان هذا الرقم في الفترة ذاتها من العام 2012 لا يتجاوز الـ 141 عملا فقط. لافتا إلى وقوع هجمات على مسلمات محجبات وأخرى منقبات في عدد من المناطق في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، واصفا تلك الهجمات بالـ»باعثة على القلق».
غير أن رئيس المرصد استدرك وقال :» الأرقام الحقيقية للإعتداءات العنصرية أكثر بكثير مما جاء في تقريرنا، لأن هناك كثيرا من المسلمات لم يقمن بإبلاغ الشرطة عن هجمات واعتداءات تعرضن لها».

محمد واموسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية