ما الذي تريده الولايات المتحدة حقا من الشرق الأوسط؟

حجم الخط
5

واشنطن – «القدس العربي»: هزت الأحداث الجارية في العراق وسوريا بنية الشرق الأوسط ودخلت المنطقة في مرحلة إنتقالية تنطوى على قوة متنامية للجماعات الجهادية المتطرفة وزادت حدة المنافسة بين الدول الإقليمية الرئيسية على النفوذ أما الولايات المتحدة التي عانت على مدى عقود من صياغة استراتيجية تتوافق مع مصالحها وقيمها في المنطقة فقد ظهرت أكثر من أي وقت مضى مرتبكة ومشوشة. ولكن أولويات واشنطن في الشرق الأوسط في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقيت كما هي: منع هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية، منع ايران من الحصول على سلاح نووي، الحفاظ على تدفق آمن من الطاقة والتوسط في عملية السلام بين العرب واسرائيل.
هذه الأولويات هي تعبير عن المصالح الإسترتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط التي تقوم على المحافظة على ضمان بقاء اسرائيل وحماية تدفق امدادات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية وبالتالي الحفاظ على سلامة الاقتصاد الأمريكي والعالمي والتقليل من خطر الإرهاب المناهض للولايات المتحدة وتثبيط إنتشار الأسلحة النووية. وهنالك مصلحة استراتيجية معنوية تقوم على تعزيز حقوق الإنسان والتقليد القائم على المشاركة في الحكم.
هل هذا حقا ما تريده الولايات المتحدة من الشرق الأوسط؟ وما هي سياسة»أمريكا باراك أوباما» تجاه المنطقة بعد ان حلت لعنة سياسة «امريكا جورج بوش» على الجميع؟ ولماذا تقف واشنطن ببرود غير مألوف أمام الحرب الباردة المستعرة بين الدول الإقليمية في المنطقة بعد الربيع العربي؟ اذا أردنا النقاش حول ذلك فعلينا الإعتراف أولا بان الولايات المتحدة في حالة جيدة جدا والكثير مما يحدث في الشرق الأوسط قد لا يهم هذا البلد على المدى الطويل. وبعبارة اخرى كما يقول الخبراء فان واشنطن قادرة على تعديل وتكييف سياستها تجاه الشرق الأوسط وهي في أحسن حال.
يقول المحلل الأمريكي ستيفن والت، ان المصالح الاسترتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط لم تتغير كثيرا منذ عقود رغم إنتهاج الولايات المتحدة أساليب مختلفة تبعا للظروف المتقلبة وقد كان من الواضح ان هنالك تفضيلا للحقائق الاستراتيجية على التطلعات الأخلاقية كما يتضح مثلا من تسامح الولايات المتحدة مع الأنظمة الإستبدادية أو دعم اسرائيل التي تقوم بإحتلال الضفة الغربية وقمع حقوق الفلسطينيين بشكل متزايد على خلاف مع القيم الأمريكية الأساسية. ويضيف ان أفضل وسيلة تحقيق الأهداف الأمريكية كان باتباع سياسة توازن القوى السياسية التي اعتمدتها الولايات المتحدة بين 1945 إلى 1990 عبر تقسيم المنطقة إلى دويلات مشتتة لها علاقات أمنية وثيقة ومصالح مع واشنطن .
الولايات المتحدة لم تكن بحاجة إلى الهيمنة المباشرة على المنطقة ولكنها كانت تريد أيضا ألا يحاول أحد آخر القيام بذلك، ووفقا لذلك أعتمدت واشنطن على أطراف محلية وبقيت القوات العسكرية خارج المنطقة مستعدة للحظات تدخل قصيرة ونادرة. وحتى بعد قيام الثورة الايرانية وانشاء قوات التدخل السريع أبقت الولايات المتحدة تلك الوحدات في الأفق .
الحماقات الأمريكية الكبرى بدأت في عام 1991 عندما أبتعدت واشنطن عن هذه الاستراتيجية وبدأت في إعتماد استرتيجية «الإحتواء المزدوج» تجاه ايران والعراق والتي تطلبت بدورها وجودا عسكريا كبيرا في السعودية مما عزز عداء اسامة بن لادن للولايات المتحدة وساعد في إنتاج هجمات مركز التجارة الدولي. الحماقة الثانية بدأت مع إنتهاج الرئيس الأمريكي جورج بوش سياسة «التحول الإقليمي» والتي أدت إلى هزيمة كارثية في العراق. وبصرف النظر عن التكاليف المباشرة لهذه السياسة فقد أسهمت بظهور آثار سلبية أخرى من أهمها تأجيج الإرهاب المناهض للولايات المتحدة وإعطاء بعض القوى الإقليمية حوافز إضافية لمتابعة السعي نحو أسلحة الدمار الشامل.
الحل الوحيد الذي كان في انتظار أوباما بما يتفق مع ميوله ورغبة الولايات المتحدة إلى تكريس مزيد من الإهتمام الإستراتيجي في آسيا كان العودة إلى الإستراتيجية السابقة، ونظر كثيرون على أن ذلك تراجع أو إنسحاب او حتى إنعزال في حين بدأت الدول الشرق أوسطية المستفيدة من الفوضى بالتحذير من مصداقية الولايات المتحدة. ولكن ادارة أوباما أصرت على ان هذه هي مشكلتهم وليست في مصلحة واشنطن، والأهم من ذلك ان العودة لسياسة التوازن من الخارج لا تعني ان الولايات المتحدة لا تبــالي بالمنــطــقة ولكــنها تريد الدفاع عن مصالحها بطريقة أكثر ذكاء وأكثر فاعلية من حيث التكلفة.
يقول المحللون بان الولايات المتحدة كافحت لتحديد موقفها من الإنتفاضات العربية في عام 2011 وخاصة بعد ظهور حقبة جديدة من المنافسة بين القوى الكبرى في المنطقة وبروز مكانة الجماعات الإسلامية المعتدلة مثل «الإخوان المسلمون» الذين تولوا السلطة بعد الإنتفاضات في بعض الدول بصورة أزعجت دول الصراع وأخيرا ظهور الجماعات العنيفة مثل تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» والتي تسعى بدورها إلى كسر الحدود الوطنية وإقامة دولة الخلافة الإسلامية.
يتفق الخبراء على ان الربيع العربي أشعل المنافسة الإقليمية في المنطقة التي تحولت إلى ساحة للحرب الباردة بحيث بدأت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في صراع شديد متعدد الأقطاب والأبعاد من أجل النفوذ والسلطة وهو صراع يتجاوز الإنقسامات الطائفية بين السنة والشيعة وينطوي على إستخدام الأدوات التقليدية مثل المساعدات العسكرية والاقتصادية فضلا عن ظهور أشكال جديدة من عمليات إستعراض القوة بما في ذلك الإستثمارت المباشرة في وسائل الإعلام والجهات الفاعلة غير الحكومية والحركات السياسية، وفي كثير من الحالات أستخدمت الدول الأكثر استقرار وكلاء لهم للمشاركة في صراع السلطة تماما كما يحدث في الحرب الباردة.
وينظر الخبراء إلى الحركات الإسلامية كأمر أساسي في تضاريس الصراع الإقليمي وهم يعتبرون ان إزالة جماعة الإخوان المسلمين من الحكم في مصر كان الحدث المركزي وراء هذا الصراع، يتبعها على الفور وعلى نحو متناقض صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة التي فرضت فتوحات سياسية جديدة فضلا عن الصراع الجاري في سوريا. وأمتد تأثير هذه الحركات إلى إحداث بلبلة داخل المعارضة السورية وأثرت على العلاقات بين الفصائل الفلسطينية ورفعت من حدة المنافسة بين الجماعات المسلحة في ليبيا وأسهمت أيضا في ظهور جماعات إأسلامية سياسية أخرى وخاصة في مصر وتونس.
ويقول المحلل براين كوتلس من مركز التقدم الأمريكي ان الولايات المتحدة بقيت القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة ولكنها تفتقر إلى أدوات كافية دبلوماسية وسياسية واقتصادية للتأثير على الإتجاهات السياسية والإقليمية كما ان الديناميات الإقليمية الجديدة كشفت عن حدود فعالية سياسة الولايات المتحدة في الإعتماد على الأدوات التقليدية للسلطة مثل الجيش والمخابرات.
ويضيف كوتلس بان نهج سياسة الولايات المتحدة في الوقت الحاضر يفتقر إلى الذكاء والفعالية باشراك مراكز متعددة السلطة في المنطقة سياسيا واقتصاديا في الإسترتيجيات التي تؤكد على التعددية والإزدهار، في حين خلق إنخراط إدارة أوباما مع المنظمات الإسلامية السياسية مثل الإخوان بلبلة في المنطقة حول أولويات السياسة الأمريكية والقيم.
وبشكل عام كان رد الولايات المتحدة على الإنتـــفاضات العربية والــحـــرب البارة الجديدة في الشرق الأوسط غيــر متـــكافئ وكثيرا ما ظهرت واشنطن مثل عابر طريق أمام الأحداث المتلاطمة.
ويؤكد كوتلس أن المشهد الإقليمي، الآن، في الشرق الأوسط يتضمن عددا من الجهات الفعالة غير الحكومية لديها تأثير واسع النطاق أكثر مما كانت عليه في الأوقات السابقة، ولذا فان الولايات المتحدة لن تكون قادرة على إملاء سياستها أو السيطرة على الأحداث في حين تدرس معظم الحكومات الرئيسية في المنطقة ما تقوله أو تفعله الولايات المتحدة بشكل وثيق وهي بصدد إتخاذ خطوات فعالة ستشكل مسار السياسة الأمريكية في وقت لاحق. ويؤمن كوتلس بان الولايات المتحدة يجب ان تستفيد من التعاقدات الدبلوماسية لصيغة سياسة أكثر حكمة تسعى لهزيمة الأيدلوجيات المتطرفة في المعركة المستمرة بين الأفكار.
الخبير تشاس فريمان وهو دبلوماسي امريكي عمل سفيرا في السعودية كان أكثر تشاؤما عند الحديث عن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بل أنه يشكك في أنها موجودة أصلا ولكنه يتفق مع الكثير من المحللين على ان سلسلة من الأحداث بدأت مع غزو العراق عام 2003 أدت إلى زعزعة استقرار البلاد وأشعلت صراعا طائفيا انتشر على نطاق واسع بحيث أصبح جزءا من سباق جيوسياسي بين القوى السنية مثل السعودية والإمارات وقطر من جهة وايران وطموحاتها للهيمنة الإقليمية من جهة أخرى. ويعتقد فريمان أن هذا الصراع هو نهاية لنظام ما بعد العهد العثماني عندما «طبخت» بريطانيا وفرنسا في عام 1916 اتفاقية لإنشاء 6 دول هي العراق وسوريا ولبنان والاردن وفلسطين واسرائيل لان هذه الحدود أصبحت لقمة سائغة.
الإدارة الأمريكية ترى حتى الآن ان الحدود ليست لقمة سائغة كما تبدو عليه الأمور، وهي لا تعبأ كثيرا بالتساؤلات حول سر قدرة منظمة صغيرة مثل تنظيم «الدولة الإسلامية « لا تتجاوز قواتها أكثر من 10 آلاف مقاتل على هزيمة الجيش العراقي، ناهيك عن ايران حيث لا تعمل الأرقام هنا بشكل صحيح، الإجابة التي يقدمها فريمان وغيره من المحللين واضحة جدا فهم يعزون ذلك إلى فشل بغداد ودمشق في دمج الأقليات المنشقة في الهياكل السياسية مما أدى إلى نفور تحول إلى تمرد. ولكن فريمان يعتقد، ايضا، ان لا أحد قادر على تدمير «داعش» من المنطقة بما في ذلك الولايات المتحدة، مضيفا أن تنظيم «الدولة الإسلامية» أقام بالفعل دولة ليست صغيرة بل هي بحجم الاردن بحيث أصبح لديهم محاكم وضرائب وجهاز إعلامي والفرصة الوحيدة للقضاء عليهم هو ان يمارس التنظيم سلوكا سيئا ينقلب ضدهم ويخلق لهم المزيد من العداوات.
سياسة ادارة أوباما تجاه الشرق الأوسط عبارة عن أوهام، هذا ما يردده غالبا عدد غير قليل من المحللين ولكن بين هولاء أنفسهم تأتى الآراء متناقضة. ففي حين يميل البعض إلى مزيد من التدخل يطالب عدد آخر بمزيد من الإنعزال ولكن الصعود المتفجر لتنظيم «الدولة الإسلامية « في العراق برهن على عدم وجود رؤية واحدة للطبقة السياسية في واشنطن حول استرتيجية فعالة ومستديمة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر وظهر الفشل جليا عبر الإدارات الجمهورية والديمقراطية.
الجمهوريون والديمقراطيون ينفون المسؤولية عن الكارثة التي حلــــت في العـــراق والشرق الأوسط، حيث يستمر أعضاء الحزب الجمهوري في إنتقاد أوباما لانه قام بتحويرات حادة لنهج بوش في المنطقة بينما يلوم أعضاء الحزب الديمقراطي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي صنيعة حرب بوش المضللة على ما آلت اليه الأمور .
وفي نهاية المطاف، تحيط بالولايات المتحدة من الشمال والجنوب دول ضعيفة هي كندا والمكسيك ومن الشرق والغرب لا توجد سوى الأسماك تتحرك في المحيطات ولا يوجد من الشرق الأوسط أوغيره تهديد جدي يهدد أمن البلاد التي ما زالت تتمتع باقتصاد هائل وقوة عسكرية وتكنولوجيا متطورة، لذا فان أمن ورخاء الولايات المتحدة يعتمد بالدرجة الأولى على ما يحدث داخل الأراضي الأمريكية وليس في الخارج.

رائد صالحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية