أعداء النهضة لن يكونوا من بُناة الوحدة ونظامها السياسي

حجم الخط
2

ما يخسره العرب كل يوم مع استفحال الكوارث الدموية هو انحسار تأثير الأفكار الكلية في مجريات أحداثهم السياسية أمام تصاعد القوى الضاربة في كل الميادين. لم تعد للمبادئ من طاقةٍ للسيطرة على عقول الناس ولا على مسالكهم العامة إزاء بعضهم. أمسى المركب العربي فاقداً لبوصلة الهداية وسط العواصف الضاربة بأشرعته من كل جهة.
مع الربيع العربي تقدمت الحرية باعتبارها سيدةَ المبادئ الإنسانية كلها. تفاءلنا بمقدم الحرية من وراء أكمات الشعارات المحطمة. وكانت تلبية الجماهير لنداءاتها أهم تطور عرفته طبيعة مجتمعاتنا الأقرب إلى الركود والغياب عن الوعي والعصر معاً. لقد تفجرت مبدئية الحرية هكذا من دون منابر عالية لرُوّادٍ ثقافيين أو زعاميين. لم يخترعها حزبٌ يساري أو ثوري، لم تنظمها مؤسسات ثقافية أو اجتماعية. لقد ولدت الحرية هكذا من صميم معناها المباشر الذي أدركته عقول ملايين الناس العاديين؛ إنه انفجار الحرية ملء الكتل البشرية الكبرى، وقد جاء بأقوى برهان وأوضح دليل على أن المبدئية متجذرة في روح الجماعة. وأنها وحدها القادرة على إيقاظ معاشر الهاجعين والمستقيلين من الهموم العامة. هذا يعني أن للمبدئية قوة عظمى لا تتمتع بها أية قوى مادية أخرى. إنها هي الباعثة والمكونة للقوى الضاربة الحقيقية، ولكنها ليست بصناعة اجتماعية جاهزة تحت الطلب. فإن لها توقيتها الذاتي الذي لا تعرفه أجندات المشاريع التغييرية السائدة. ما نريد قوله هو أن النهضة العربية المعاصرة ليست فاقدة لظاهرة المبدئية لكن ما تجود به عبقرية التاريخ ليس هو ما يتفكره عقلاء الأمم دائماً.
والأمة العربية التي فرحت بعودة الحرية من دون مواعيد معها مسبقة، فوجئت كذلك سريعاً ليس بتحرير بعض مجتمعات العبوديات المزمنة، بل بانطلاق أوحش وحوشها النائمة منذ عصور. فقد اخترقت أهوالها المستجدة أعلى مقاييس الهول المطلق لهمجية ما قبل تاريخ الإنسان على هذه الأرض. فماذا حدث حقاً لبعض شعوب هذه المنطقة حتى تطلق حريتُها أسوأَ أفاعيها السامة من جحور مستنقعاتها الدهرية قبل أن تفتح الأقفاص الحاجزة لأسراب طيورها البيضاء. ماذا يحدث لثورات الحرية عند العرب حتى تنقلب، ما بين جيل وآخر، إلى مجرد أضغاث أحلام، لا يتحقق منها إلا فظاعاتها غير المسبوقة لأوطانها وبشرها.
السؤال الأصعب الذي يصفع عيون الناس العاديين، وهم يرقبون انهيار كل ما هو قائم في عالمهم، لن يكون ترفاً فكرياً، استفهاماً هادئاً عن الشر المطلق عن معناه، بل عمن يأتي به إلى الصميم من مفاصل كل مشروع نهضوي، فتتحول الصحوة من خير بُناته إلى أعتى الغادرين به.
في ميادين الخرائب تتيه الحرية، تتنازل عن مبدئيتها، تنسحب إلى ما وراء أصنامها المحطمة. وحدها (القوى الضاربة) هي التي تتقدم الصفوف شبه الفارغة إلا من أعلامها السوداء وأشباحها التابعة المطواعة.
«القوى الضاربة» هذا هو مصطلح الخانة السوداء في لوحات الميامين الطاردة لفرسانها أولئك الفاتحين الأوائل، والتي باتت موبوءةً بـ (طائفيات) سُرَّاقها الميادين وحدهم، من عُتاة العصائب الدينية التي ألغت السياسة وأحزابها المدنية نهائياً. ما يعني أن المشرق العربي قد بارحَ مرحلَة الصراع ما بين الأفكار الكلية حول المستقبل القومي والاجتماعي، ليصير أسيراً مرتدّاً إلى أردأ مرحلة من ما قبل تشكل المجتمع أو الأمة أو الدولة، بل إنها الردة إلى ما دون حقبة القبليات البدائية. ليس هذا توصيفاً مبالغاً فيه، بل هو نوع من إقرار صريح بفشل المشروع النهضوي الذي كان يتغذى من مطلقات أفكار التقدم وحتمية تغييره للواقع الفاسد. فهل نقول أن هذه الأفكار نفسها ما أن شُرِع في تطبيق بعض حقائقها حتى أصابها التلوث بجراثيم ذلك الواقع الذي حاولت إصلاح بعض شؤونه الهدامة.
لكن ينبغي الإقرار أن تلك الأفكار كانت تمتلك قواها الذاتية، بما تتمتع به من براهين التنوير ونجاعة حلولها الجاذبة ليس لعقول النخب وحدها، بل هي الجماهير الكبرى التي استجابت سريعاً لنبالة الأفكار الجديدة، قبل أن تُمسي ـ هذه الجماهير ـ أو بعضها الكثير، أقربَ إلى بنية الكتل البكماء الصماء. أي قبل أن تنحدر ثانية إلى قطعان بشرية، مُسيّرة إلى مذابح أعناقها، بإشارات من رعاة الجهل والجهالة الذين افتعلوا عقيدة الموت المعمَّم بشقّيه: انتحارُ الذات، ونَحْر الآخر، فمثلاً: كانت «الوحدة العربية» مصنعاً لأفكار الثورة والتغيير، رافضةً أن تُختصر في شعار سياسي يومي. كان تحريكها لأمة كاملة، ولم يكن لفئةٍ أو كتلة أو طبقة؛ كل ما أتى بعدَها حاول أن يستنسخ بعض رموزها أو ملامحها الشعبية والقومية. لم تستطع ثقافة (الاشتراكية) أن تشق طريقها إلا عندما صورت نفسها كمنهج واقعي اجتماعي مؤدياً إلى تحقق الوحدة القومية، أما الحرية فهي لن تكون إلا توصيفاً لحالة الأمة بعد توحيدها.
فالسرّ المركزي في النهضة العربية المعاصرة هي تلك القوة المتجددة في مسيرتها، وفي إيقاع وثباتها بعد كل كبوة، ولكن لن تتوفر تلك القوة إلا بعلّتها الغائية التي هي الوحدة.
لقد جرّبت الخارطةُ القُطْرية أن تُقسّم الجسم القومي، لكن النهضة تمردت على معظم الحدود معنوياً وثقافياً على الأقل. فلقد أمضى معظم العرب مسافة أكثر من أربعة أو خمسة عقود وهم يحاولون، عبر طلائعهم الفكرية والتنظيمية أن يعيدوا اللحمة العضوية بين النهضة والوحدة، حتى احترف بعضُهم الثورات والانقلابات، وأحياناً المؤامرات. اعتقد بعضهم أن الأفكار (التقدمية) قادرة على إنتاج من ذاتها قوى مؤثرة، بل ضاربة. غير أن التنافس بل التنازع غالباً بين قبائل العقائديات المستحدثة لم يكن يعطلّ فحسب مشاريع التغيير الواقعي. بل يعمّق الهاويات المظلمة بين النهضة والوحدة، فحين يخسر العقل الوحدوي ثروته النهضوية لن يستطيع أن يتابع المناداة على وحدة لن تجمع في هذه الحالة إلا صحارى من أبنية إسمنتية، أو أكوام من رمال وهياكل قاحلة.
أي نظام حكم ستفرضه وحدة قاحلة من مشروعها النهضوي، حتى لو تسمَّى بأقرب الصفات إلى ضمائر الناس، لن يكون إلا انبعاثاً لأقدم استبداد تاريخي، ليكون بديلاً عن أنظمة استبداد تاريخي زائف، وقد حان أوان انهيارها. غير أن هذه الأنظمة المرشحة للانهدام حاولت أن تبعد عنها حتمية الوحدة بجعل النهضة نقيضاً مادياً لها، وتقزيم هذه النهضة إلى عشوائيات (تنمية) مجنونة بالمظاهر من كل شيء عرضي لكنه عصري طارئ. هذا الوعي العدواني المتأصل لدى خصوم العرب في كل مرحلة من سيرة (المسألة الشرقية)، كان دائماً في جوهره مضاداً لأبسط حراك مبشر بوحدة عربية ما. هذا الوعي المغترب الذي كان في أصله مغترباً وأجنبياً أمسى تتقمصّه وطنياً وإقليمياً بعضُ أسوأ فصائل الثورة المضادة للربيع العربي، لأحلامه وأشجانه معاً.
فليس أخطر على الوحدة من أن تُبتَلى بألد أعداء النهضة الإنسانية، وليس العربية فحسب، وقد شرّعوا لأنفسهم إشادةَ الهندسة الأصعب والأحدث لبناء الأمم الحرة العادلة، ومع هذا فالأمر حادث في عمق المشرق العربي المعذب، دونما أية معارضات منظمة.. إلى متى ؟

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية