هل بدأت هزيمة امريكا وهل تحطم مشروعها الكوني؟

حجم الخط
0

هل بدأت هزيمة امريكا وهل تحطم مشروعها الكوني؟

عوني القلمجيهل بدأت هزيمة امريكا وهل تحطم مشروعها الكوني؟ راهن بوش علي نجاح خطة فرض القانون بعد ان وفر لها كل المستلزمات المطلوبة عسكريا وسياسيا واعلاميا، وبدت خطواتها الاولي مهيبة ومرعبة، حيث تحولت بغداد الي ثكنة عسكرية. وبعد هروب الصدر وقادة مليشياته القذرة، انخفضت نسبة معدلات جرائم القتل والسيارات المفخخة التي استهدفت المدنيين الابرياء، رافقها تراجع في عمليات المقاومة، حتي شبّه لبوش بان المقاومة انتهت ولم تعد لها قائمة، ولم يدر بخلده، لشدة غبائه، بان تراجع المقاومة امام الهجوم الشامل علي العاصمة العراقية بغداد وضواحيها، انما هو اجراء تكتيكي الغرض منه تقييم الخطة والتدقيق في مفاصلها ودراسة نقاط القوة والضعف فيها من جهة، ومن جهة اخري حماية مقاتليها من الاسر او الاعتقال واخفاء ما لديها من اسلحة ومعدات وتغيير اماكنها وتجهيز الخطط العسكرية اللازمة للانقضاض عليها. كان من المفترض ان يستغرق ذلك التراجع فترة طويلة نسبيا. لكن المقاومة العراقية خرقت كل دروس التاريخ وتجارب الشعوب في حروب التحرير. حيث تصدت، بعد ايام معدودات، لهذا الهجوم البربري وكسرت حدته في اماكن متعددة من بغداد. لكن المفاجأة التي اذهلت قادة الخطة وجعلتهم يجرون تغيرات عليها، هو ذلك الهجوم الشجاع الذي شنته المقاومة العراقية علي القاعدة العسكرية في الطارمية، التي تبعد عدة كيلومترات شمال بغداد وتدميرها وقتل اكثر من خمسين جنديا امريكيا، وفي نفس الوقت تزايد سقوط طائرات الهليكوبتر بكل انواعها المتطورة والمحصنة ضد الصواريخ، لتنهي المقاومة ما تبقي لقوات الاحتلال من غطاء جوي امين ومضمون. الامر الذي اضطر قوات الاحتلال الي تخفيض عدد طلعات طائراتها الجوية لتجنب المزيد من الخسائر. هذا الهجوم علي قاعدة الطارمية والذي وصفه المحتل بالهجوم المنسق والدقيق، مر مرور الكرام، علي الرغم مما ينطوي عليه من معان ودلالات كبيرة. حيث شكل تحديا لاكثر من مئة الف عسكري انتشروا في بغداد، واستهانة بكل الاجراءات الاحترازية التي حظيت بها قواعد المحتل العسكرية. وأكد علي خبرة واسعة في التعامل مع مبدأ الحركة السريعة والمناورة والسرية التامة واختيار الاهداف الصعبة في الوقت المناسب واظهر ارادة وشجاعة المقاومين ومدي ترسخها في داخل النفوس وفي العقول والقلوب والوجدان. ان يجهل بوش كل هذه الامور وان يصيبه العمي حول واقع العراق وطبيعة مجتمعه ومدي كرهه للغزاة والمستعمرين، فهذا ينسجم مع غبائه المعهود. اما تغاضيه عن واقع المقاومة العراقية وقامتها الطويلة واستحالة انهائها او حتي الحد من عملياتها، فهذا من الصعب علي المرء ادراكه، اللهم الا اذا باع بوش امريكا للصهيونية العالمية التي تسعي الي تحطيم العراق وتمزيقه ومحوه من خارطة العالم حتي اذا تطلب الامر القتال باخر جندي امريكي.لندع بوش والصهيونية والمحافظين الجدد يتخبطون في اخطائهم واحلامهم واوهامهم بالنصر المبين. فالخبراء العسكريون الامريكيون وغيرهم حكموا مسبقا علي هذه الخطة بالفشل، واعتبروا زيادة عشرين الف جندي هزيلة وغير مجدية لانقاذ مشروع الاحتلال من السقوط، واكدوا علي ان الامر يحتاج الي نصف مليون جندي علي اقل تقدير. وهذا ليس بمقدور بوش تأمينه كونه يستنفد كل قدرات الجيش الامريكي وكل خزائن امواله. اما اذا استجار بوش، كما يشاع، بقوات من جنسيات مختلفة وربما يكون من بينها قوات عربية واسلامية، فان هذه القوات ستكون مهزومة نفسيا ومعنويا قبل وصولها، وليس قبل اشتراكها في اي معركة ضد المقاومة العراقية، لسبب بسيط هو سقوط المبررات المعروفة التي استند اليها بوش لاحتلال العراق وورط جنوده علي اساسها، اضافة الي مأساوية النتائج التي ترتبت علي الاحتلال، حيث الدمار والخراب قد عم انحاء العراق وقتل الابرياء جاوز المئة كل يوم وتردت جميع الخدمات الضرورية وانعدمت مقومات الحياة الاساسية واستشري الفساد في جميع مؤسسات الدولة المصطنعة والقائمة بهذا الخصوص طويلة ومؤلمة. ناهيك عن انهيار مشروع الاحتلال ذاته، حيث التحالف المساند للاحتلال تفكك في السر والعلن واخذت دوله بالهروب الواحدة تلو الاخري، حتي وصلت العدوي الي بريطانيا الحليف الرئيسي لبوش. اذا كانت كل الدلائل تشير الي هزيمة امريكا لا محال، تري ما مدي نتائجها وهل ستقتصر علي العراق وحده؟ ام انها ستمتد الي عموم منطقة الشرق الاوسط ثم العالم اجمع لتنهيها في اخر المطاف كقوة عظمي وحيدة ومتفردة، الامر الذي سيجبرها علي الانكفاء الي داخلها ثم تنهار كما انهارت الامبراطوريات التي سبقتها وبطريقة دراماتيكة اشد واقسي؟منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية ولحد العدوان علي العراق واحتلاله، ظهر العديد من المفكرين ومن جنسيات مختلفة، توصلوا من خلال مؤلفاتهم القيمة والمستندة الي تحليل دقيق لطبيعة امريكا ومجتمعها واقتصادها وقوتها العسكرية والطبيعة العدوانية لسياساتها الخارجية، توصلوا، الي نتيجة حاسمة تنذر بفشل مسعي الادارات الامريكية المتعاقبة للتحكم بشؤون العالم وتقرير مصير شعوبه وبناء الامبراطورية المنشودة. ليس هذا فحسب وانما اكدوا ايضا علي ان المصير الذي ينتظر امريكا كقوة عظمي مصير مظلم وقاتم. هكذا تحدث الألماني شبنغلر وليس زرادشت في كتابه تدهور الحضارة الغربية ثم ويلي ولسن الانكليزي في كتابه سقوط الحضارة ثم جيمس دوبنز، المحلل في مركز راند كوربوريشن للأبحاث وشون كاي، الأستاذ الجامعي في أوهايو ونعوم تشومسكي وبرجنسكي وغيرهم . وقبل اربعة عشر عاما نشر المؤرخ الشهير بول كندي في مؤلفه البارز: صعود وأفول القوي العظمي، الذي اعتبر بحق تشخيصا دقيقا للعهد الصناعي الذي بدأ مع الثورة الصناعية الإنكليزية في نهاية القرن السابع عشر إلي نهاية عصر ريغن وبوش وافتضاح أسطورة حرب النجوم. ولقد وقف كندي من خلال هذا المؤلف وغيره علي لازمة تاريخية صاحبت كل الإمبراطوريات الكبيرة التي عرفها التاريخ الحديث والمعاصر منذ بريطانيا الفكتورية وامبراطورية نابليون بونابرت مرورا بهتلر وانتهاء بالاتحاد السوفييتي. وخلاصتها أن توسيع الإنفاق علي المجهود الحربي، يحيل بالضرورة إلي اختلال واسع في ميزانيات الدول، مما يؤدي إلي صعوبات تفضي عاجلا إلي انهيار الإمبراطورية وزوالها. وكانت استنتاجات بول كندي معززة بقراءاته المستفيضة من التاريخ. لينتهي الي كتابة سلسلة من المقالات قبل العدوان علي العراق بشهور، تنبأ فيها بظهور مقاومة عراقية قادرة علي الحاق الهزيمة بامريكا وباسلحة بدائية بسيطة وبعمليات استشهادية لم تألفها من قبل. اما مؤلف كتاب تناقض القوة الأمريكية جوزيف ناي، الذي كان يعمل مساعداً لوزير الدفاع السابق في حكومة بيل كلينتون وهو الآن عميد جامعة كينيدي في هارفارد، فقد حذر في نهاية كتابه، الحكومة الأمريكية من المصير الذي قد تجد نفسها منساقة إليه، والذي يشبه مصير الإمبراطورية الرومانية، التي فسدت من داخلها، وذلك للتناقضات الكبيرة الموجودة في سياسات القوة الأمريكية. واخيرا وليس اخرا، فها هو شاهد من اهل البيت المفكر الامريكي المعروف فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ، ذكر في مقال أخير ـ رغم ما به من نهاية متفائلة في قدرة امريكا علي استيعاب الكوارث ـ اذ اعترف بأن نظرة علي صورة العالم اليوم تصيب بالغم وتثبط الهمة : فوضي في العراق، طموحات نووية ايرانية، تزايد النفوذ الروسي باستخدام الثروة النفطية، كوريا الشمالية النووية، انتصار اعداء أمريكا في انتخابات أمريكا اللاتينية خاصة فنزويلا وبوليفيا والاكوادور. وان النموذج الديمقراطي الامريكي أصبح يرمز إليه بسجناء أبي غريب معصوبي العينين أكثر مما يرمز إليه تمثال الحرية الشهير! صحيح ان بدايات القرن الحادي والعشرين. اظهرت تفوق امريكا الواضح وامتلاكها ناصية القرار العالمي وتنامي قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والاعلامية، لكن الصحيح ايضا بان ادارة بوش لم توظف هذه الامكانات لصالح الشعب الامريكي وشعوب العالم وتأمين السلم والاستقراء فيه، لتتبوأ المكان اللائق بها كقوة عظمي، بل وظفها باتجاه اخر وجعل من امريكا اكثر عدوانية بهدف السيطرة علي العالم والتحكم بمقدرات شعوبه وفرض قوانينها عليه، من خلال استخدام القوة الملتحفة بشعار من ليس معنا فهو ضدنا والاخذ بقانون الغاب باستخدام الحرب الاستباقية والحرب الوقائية والخروج علي القوانين والاعراف الدولية وشن الحروب واحتلال البلدان الآمنة لمجرد عدم الخضوع لمشيئتها. وكل هذا سيؤدي لا محال الي نفس المصير المفجع الذي انتهت اليه الامبراطوريات السابقة. ومن علامات السقوط العظيم انهيار احلام لوبي الصقور المؤثر في قرارات البيت الأبيض الأمريكي التي وردت علي لسان ريتشارد بيرل ودافيد فروم في كتابهما الجديد نهاية الشر: كيف نربح الحرب ضد الإرهاب . فلا استطاعت امريكا دعم انقلاب علي حكم الملالي في إيران قبل التحالف معها في العراق وافغانستان، ولا هي إنهت الحكم في سورية، ولا اقدمت علي مواجهة الاسلام السعودي باعتباره يشكل خطرا علي الأمن الأمريكي، حسب ادعائهم، ولا استطاعت تركيع فرنسا لسياستها متي تشاء ولا نجحت في ارغام ذيلها بيلر علي البقاء في العراق ولا حتي ان تضع بريطانيا مسافة استراتيجية بينها وبين أوروبا. كما لم تتمكن من اخضاع الأمم المتحدة، علي ضحالتها، بإعادة كتابة ميثاقها بما يسمح لأمريكا بالدفاع عن أمنها او الانسحاب من الهيئة الأممية. بل ان الدول التي كانت تحت سيطرتها في امريكا الجنوبية قد تمردت عليها واصبحت معادية لها، فنزويلا ونيكارغوا وبوليفيا نموذجا. اما شعوب العالم ووقوفها ضد سياسة بوش فقد اخذت بالازدياد مع مرور الايام. ولكن اكثر ما في هذا السقوط من علامات واضحة واكيدة، هو تلك القدرة الهائلة التي امتلكتها المقاومة في مواجهة قوات الاحتلال والتأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به والارادة القوية علي تحرير العراق والتي بمجموعها ستفضي الي اجبار امريكا علي اعلان هزيمتها علي الملأ، ومثل هذا الاستنتاج لا يدخل في عالم الاحلام او الوهم، وانما بدأت مؤشرات الهزيمة تلوح في الافق، الامر الذي سيجعل من بوش اسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية فعلا وليس قولا.تري هل سيسعفنا الحظ ويمد الله في اعمارنا لنشاهد امريكا وقد اعلنت عن هزيمتها في العراق وفي العالم ويكون القرن الواحد والعشرون قرن المقاومة العراقية العملاقة وليس قرنا امريكيا؟ہ كاتب من العراق9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية