هكذا انتهت الانتخابات التشريعية المصرية، ولم تختلف نتائجها كثيراً عن المتوقع لكل من له أدنى متابعة بالشأن المصري.
فقد قرأنا في ثنايا الأحداث ما يمكن أن تسفر عنه نتيجة الانتخابات ويكفي عدة نقاط لكي تصل إلى أن الانتخابات كان لا بد من أن تظهر بهذه الحالة التي ظهرت عليها وقد يكون العنف الزائد فقط هو الملمح غير المتوقع، فالعنف متوقع ولكن ليس بهذا الشكل الذي رصده العالم الأجمع ولم تره عيون قادة الحزب الوطني.
هذه النقاط ممكن إجمالها:1- رفضت الجهات الأمنية قبول أوراق عدد كبير من المرشحين للإنتخابات بحجج واهية كان أكثرهم من أفراد جماعة الإخوان المسلمين.2- الترشيح المتعدد من قبل الحزب الوطني لعدد من أعضائه في الدائرة الواحدة ما جعل كثيرا من الدوائر عبارة عن صراع (وطني ـ وطني).3- ترشيح عدد كبير من السادة الوزراء (9) مما يجعل عددا من المقاعد وكأنها محجوزة لهم، فالفوز بالنسبة لهم مضمون، فيكفيهم موظفو الوزارة في داخل الدائرة، واكبر مثال على ذلك وزير البترول وقد فاز السادة الوزراء بمقاعد المجلس الموقر وخسرت الدائرة التي نجح فيها مقعدها الذي ذهب إلى سيادة الوزير الذي لا يعرف الدائرة ولا اهلها ولن يراهم مرة أخرى.4- قامت وزارة الداخلية بتوزيع اسطوانات CD مسجل عليها أسماء الناخبين في كل دائرة، هذه الأسطوانة لم تسلم إلا لمرشحي الحزب الوطني إضافة إلى الأخطاء الموجودة في سجلات الناخبيين منها اختلاف مقار الانتخاب مما جعل الناخب يزهد في البحث عن مقر الانتخاب المسجل به اسمه مما أعطى فرصة لهواة التزوير من ممارسة هوايتهم بدون كشفها، وكانت صعوبة البحث في البرنامج الالكتروني المستخدم في الاسطوانة، أكبر الأثر في فشل عدد كبير من المستقلين في استخراج أسماء مؤيدهم من السجلات.5 دعوات المقاطعة التي قام بها عدد من الرموز السياسية أدت إلى عزوف بعض الجماهير عن المشاركة خاصة ان المناخ السائد كان يؤيد هذه الدعوة التي وجدت استجابة خفيه لدى كثير من طبقات الشعب الذي أصابه الإحباط نتيجة ممارسات النظام على مدار ثلاثة عقود.6- كانت الدعاية المضادة التي قام الحزب الوطني بها رداً على دعوات المقاطعة بوعود بالنزاهة والحيادية، وهو ليس محل ثقة عن جماهير الشعب المصري مما جعل المواطنين يتأكدون من خلال تجاربهم السابقة إن هناك نية غير حسنة تجاه أحداث الانتخابات وكل ما يريده الحزب هو زيادة عدد المشاركة الفعلية حتى ينظر إلى الأمر على أنه انتخابات حقيقية وهذا بالطبع لم يحدث.
هذه كانت بعض مؤشرات تنبئ عن الأحداث التي حدثت في الانتخابات والتي لم يكن من المتوقع حدوث غيرها، ولذلك لم نري أن هناك أي مفأجاة، فمثلاً احتفال أنصار رئيس المجلس السابق والقادم بالطبع بفوزه بعد إغلاق صناديق الإقتراع وقبل الفرز ليدل على سير النتائج حسب الخطة الموضوعة قبلاً، وقد فاز بالطبع، رغم أنه لا يسكن الدائرة ولا يعرف ما هي مشاكلها الحقيقية ولا يستطيع ساكن السيدة زينب مقابلته حتى ولو في الأحلام.
ان نتائج الانتخابات جاءت مطابقة تماماً لسير الأحداث قبل الانتخابات ولم نجد اسما واحدا من الفائزين غير متوقع، ولم نجد أسماً واحداً من الخاسرين غير متوقع، فمصطفي بكري كان على موعد مع الخسارة منذ توعده احمد عز في نهاية المجلس السابق، والدكتور حمدي حسن خسارته متوقعة فقد كان نجماً إعلامياً بارزاً طول فترة المجلس السابق في التصدي لرأي الدولة في كثير من الموضوعات الهامة، بغض النظر عن إخوانيته المعروفة. ان التسويد الذي تميزت به الإنتخابات المصرية طوال عهودها الماضية ولم يخلُ منها هذا الانتخاب إضافة إلى التصويت في أي مكان خارج دائرته فموظفو شركات البترول انتخبوا في مدينة نصر وعمال المصانع الحربية انتخبوا في حلوان بدون النظر إلى محل السكن، يعني انها صورة مزيفة من مشروع مطابق يحدث في العالم كله اسمه انتخابات ولكن مصر لم تنضج سياسياً بعد (كما قال السيد رئيس الوزراء) فلذلك ما يجري في مصر هو نوع من تزييف الإرادة لكي يقنع العالم أننا بلد يتمتع بالحرية.
إن تزوير صوت واحد في انتخابات حقيقية كفيل بأن يجعل من هذه الانتخابات مزورة بأكملها فما بالنا وقد تمت عشرات الأعمال تجعل من التزوير هو الاصل وباقي الاصوات مكملة للديكور الخارجي.
ان أحداث العنف كانت دليل على أن الدولة نفسها لم تكن هي المتهم الوحيد في الأحداث التي شابت العملية الانتخابية فهناك كثير من العنف لم يكن من الدولة ولكن البلطجة أصبحت ظاهرة ملازمة للانتخابات المصرية، واستعداد كثير من المرشحين بالسيارات والأفراد والسلاح لهو سلوك لا يجب ان يحدث ودول العالم تتجه نحو مزيد من السلوكيات الحضارية في الانتخابات. إن القراءة السريعة لنتائج الانتخابات يؤكد أن هذا المجلس التشريعي لم ينتخب انتخاباً شرعياً صحيحاً وقد قامت الميديا الحديثة ببث كثير من المواد التي تجعل من انتخابات 2010 انتخابات مزورة بجدارة، فقد نسي الحزب أن يحيا في القرن الواحد والعشرين وما عاد المواطن يخفى عليه شيء وفي لحظات سوف تنتقل الصورة إلى العالم كله.
حقاً إن الانتخابات عقدت وحدث ما حدث ورآه العالم كله رغم تكذيب الحزب الوطني لما رأيناه، ولكن المجلس سوف يعقد جلساته بالفائزين بالمقاعد البرلمانية لكي يمارسوا دورهم التشريعي والرقابي، سواء رضينا ام لم نرض ولم نملك إلا أن نقرر جميعاً أن نائبا مزورا يخرج لنا تشريعا مزورا.
محمود طرشوبي