الميلودراما الامريكية
الياس خوريالميلودراما الامريكيةلعل كلمة ميلودراما هي الكلمة الادق من اجل وصف التورط الامريكي في العراق. فالنقاش الدائر في الولايات المتحدة اليوم، حول فشل الغزو الامريكي، يركز علي نقطة واحدة هي الخسائر البشرية الامريكية التي تجاوزت ثلاثة آلاف قتيل. ومن دون الدخول في لعبة الارقام، حيث تجاوزت خسائر العراقيين الستمئة الف قتيل، فإن الانطباع الأول الذي يخرج به المراقب، هو ان الغزو لم يكن سوي عمل ميلودرامي فج. الطيب الصالح كان علي حق حين وصف الغزو الكولونيالي في روايته موسم الهجرة الي الشمال بأنه عمل ميلودرامي، قائم علي التضخيم والمواقف الجاهزة. عبارة ميلودراما تتألف من كلمتين: ميلوس اليونانية التي تعني الغناء، ودراما الفرنسية، ومن اجتماع خفة الغناء وثقل الحكاية التراجيدية ولد نوع فني يتوجه الي جمهرة القراء والمشاهدين مثيرا فيهم الدموع السريعة والقدرة علي النسيان. والميلودراما، مثلما تعلمنا السينما المصرية في زمن حسن الامام، ليست غير واقعية، لكنها تأخذ الواقع الي مناطق التبسيط ومفارقاته، كي تخلق مناخا من الحزن السريع الزوال.الاستعمار لحظة ميلودرامية بالنسبة للمستعمر (بكسر الميم)، لأنه يقوم بتحويل الخطاب الكاذب الي ممارسة للموت. من خطاب المهمة الحضارية في مرحلة الاستعمار القديم، الي تعميم الديموقراطية في العالم في مرحلة المحافظين الجدد. التضخيم هو سمة الخطابين الكولونياليين القديم والحديث، والشخصيات والمواقف الجاهزة تهيمن عليهما. الابيض الذي يقوم بنقل الحضارة الي الملونين في الخطاب القديم، والديموقراطي الابيض الذي يقوم بنشر الديموقراطية في المجتمعات الاسلامية عن طريق الدبابة والقنابل الذكية واليورانيوم المنضد، في الخطاب الجديد.غير ان الميلودراما الاستعمارية تتحول الي تراجيديا كاملة في البلاد المستعمرة (بفتح الميم)، وهذا ما اشار اليه فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض .الطيب الصالح لم يقارن بين الميلودراما الكولونيالية والدراما التي عاشتها الشعوب، روايته صدرت في الزمن ما بعد الكولونيالي، لذا كان التركيز علي الجانب الميلودرامي في حياة الطالب السوداني الذي اراد تحرير افريقيا بعضوه الجنسي، ومقارنته بميلودراما الاستعمار البريطاني في افريقيا، يحمل احد عناصر السحر في هذه الرواية.غير ان المتابع للنقاشات الصاخبة التي تدور في الولايات المتحدة، بعد انتصار الديموقراطيين في الانتخابات البرلمانية، يشعر وكأنه امام لحظة تطبيقية نادرة لمعني الميلودراما.صحيح ان هناك ادانة عامة للسياسة البوشية في العراق، القائمة علي مزيج الخداع والسذاجة وانتفاخ القوة، غير ان هذا النقد يكتفي من المسألة بطرح ضرورة الانسحاب من العراق، كحل امريكي يوقف سيلان الواقع الميلودرامي في المجتمع هنا، من دون ان يتطرق الي المسؤولية الامريكية عن الكارثة التي حلت بالعراق والعراقيين جراء تفتيت بلدهم بحيث تركوا امام وحش الحرب الطائفية والتطهير العرقي.يجب الا يفهم من كلامي انني اسخر من الهلع الامريكي من موت الجنود. الحياة الانسانية ثمينة ويجب منع هدرها بمختلف الوسائل المتاحة، غير ان الوقوف عند هذه المسألة فقط، وعدم الاستعداد لتحمّل المسؤولية الاخلاقية والمادية بل والجزائية عما حدث في العراق، يحول المسألة الي ميلودراما رديئة لا تثير في الضحايا العراقيين والعرب اية مشاعر.اريد ان اتوقف عند ثلاث مسائل:المسألة الأولي، هي الافتراض بأن الوحش الطائفي الذي يلتهم العراق اليوم هو جزء من بنية المجتمع والثقافة في العالمين العربي والاسلامي. لذا فمسؤولية الكارثة لا يتحملها المحتل الذي حاصر العراق وجوّع شعبه تمهيدا للغزو الذي قام بتفكيك الدولة العراقية وحل الجيش. هل يعتقد المستشرقون الجدد ان اية دولة في العالم، بما فيها الولايات المتحدة، تستطيع ان تبقي موحدة اذا تعرضت لما تعرض له العراق؟ يجب ان لا ننسي هنا مسؤولية النظام الديكتاتوري في تجويف المجتمع العراقي واضعافه بحيث كان تفكيكه مسألة سهلة نسبيا. وهنا يجب ان نسأل الامريكيين عن سر تحالفهم الطويل مع هذا النظام، وعن سر تشجيعه علي ارتكاب مغامرة الحرب الحمقاء مع ايران؟المسألة الثانية، هي افتراض البعض ان تجزئة العراق الي ثلاث دويلات سوف يحل المشكلة ويضع حدا للحرب الاهلية. وهو افتراض ينطلق من جهل كامل للواقع الديموغرافي العراقي، فالتقسيم هو باب تحويل الحرب الاهلية حروبا لا تنتهي، وباب انتشارها في المشرق العربي بأسره.المسألة الثالثة، هي عدم استعداد الادارة الامريكية للاتعاظ من اخطائها القاتلة في المنطقة، فالامريكيون يصرون علي استبعاد فلسطين عن موضوع المنطقة، رغم انها هي الموضوع. وما الموقف العصابي من مشروع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، والاصرار الامريكي علي افشالها الا الدليل الاضافي علي ان السياسة الامريكية لا تفتقر الي العقلانية فقط، بل تسعي الي تأسيس واقع من الفوضي التي ستنقلب عليها وعلي حليفها الاسرائيلي.غير ان النقاش الميلودرامي الامريكي لا يخلو من فوائد، لأنه يكشف ان مقاومة هذه الميلودراما الرديئة ممكنة شرط عدم وقوع العراقيين والفلسطينيين في ميلودراما مضادة. اي عدم الوقوع في مرض اعفاء الذات من المسؤولية، وتحميلها لقوي الاحتلال وحدها، عندها يسهل السقوط الي الهاوية ونمارس، كالشخصيات الجاهزة في الميلودراما، ما يتوقعه منا الاحتلال، ونصير مجرد صدي لميلودراما الاحتلال. 0