“الجمعيات الأهلية”.. قانون مصري حائر بين وعود الحكومة ومخاوف الحقوقيين

حجم الخط
0

القاهرة: رحلة من التعثر، لا يزال يخوضها تشريع “الجمعيات الأهلية” بمصر؛ بحثاً عن قبول محلي ومواءمة دولية، عقب جولات من الشد والجذب بين الأطراف الرافضة والمؤيدة، انتهى مخاضها بقرار رئاسي بالتعديل بعد 18 شهراً من التصديق عليه، ليمثل سابقة تشريعية في البلاد.

و”الجمعيات الأهلية”، هو أكثر التشريعات المصرية المثيرة للجدل والانتقادات المحلية والدولية، إذ يعتبره معارضوه “محطة فاصلة على سبيل تقييد العمل المدني” في مصر.

وعقب موافقة مجلس النواب المصري (البرلمان) على التشريع، أرسلت نحو 6 أحزاب سياسية و22 منظمة أهلية (غير حكومية) مذكرة إلى رئيس البلاد، أعربت فيها عن بالغ استيائها ورفضها للتشريع.

وفي مايو/ أيار 2017، صادق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على القانون بعد 6 أشهر من موافقة برلمان بلاده، وسط مخاوف وشكوك وانتقادات بمخالفته للدستور المصري والمعايير الدولية.

وفي خطوة وصفها مراقبون بـ”المفاجئة”، أعلن السيسي الموافقة على مقترح بتعديل التشريع، مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، في سابقة تعد الأولى من نوعها في عهده.

وفي 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، شكلت الحكومة المصرية لجنة لتعديل التشريع، وحددت شهراً للانتهاء من عملها، وقالت آنذاك إن “اللجنة ستدير حواراً مجتمعياً مع الأطراف المعنية، لضمان خروج التشريع في صورة ترضي جميع الأطراف”.

ويمنح التشريع، المكون من 89 مادة، الجهة التنفيذية (وزارة التضامن) مدة سنة لتوفيق أوضاع الجمعيات، مع إعطاء الوزير سلطة تحديد مبلغ إشهار الجمعيات بحد لا يزيد على 10 آلاف جنيه (نحو 555 دولاراً أمريكياً).

كما ينص على عقوبة الحبس لمدة تصل إلى 5 سنوات، إضافة إلى غرامة تصل إلى مليون جنيه (حوالي 55 ألف دولار)، لكل من عاون أو شارك منظمة أجنبية في ممارسة نشاط أهلي في مصر دون الحصول على تصريح.

وحسب التشريع ذاته، تعد العقوبة سارية لكل من شارك في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل الأهلي دون الحصول على موافقة مسبقة.

 

عامان من الجمود

مُحدداً تأثير تشريع “الجمعيات الأهلية” على المجتمع المدني، قال حافظ أبو سعدة، رئيس “المنظمة المصرية لحقوق الإنسان” (أولى المنظمات غير الحكومية بمصر)، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان (رسمي)، “لم يكن منظماً بل معطلاً”.

وأضاف أبو سعدة، أن “التشريع كان مقيداً وسالباً للحريات، وترك جميع منظمات المجتمع المدني (غير الحكومية) في حالة جمود لمدة تصل قرابة العامين”.

وتنص دساتير مصر منذ عام 1923 على حق تكوين وإنشاء الجمعيات الأهلية غير الحكومية، إذ يتجاوز عددها 48 ألفاً بينها 12 ألفاً نشطة في البلاد، وفق أحدث إحصاء لوزارة التضامن المصرية عام 2017.

وكشف أبو سعدة عن اجتماع عدد من الحقوقيين للتوافق حول التعديلات المقترحة لتشريع “الجمعيات الأهلية”، تمهيداً لتقديمه إلى دوائر صنع القرار وممثلي الحكومة المصرية.

وأوضح، أنه تم التوافق على تعديل 33 مادة من إجمالي عدد مواد التشريع، البالغ عددها 89، معظمها يتطرّق إلى “تفعيل مبدأ تأسيس الجمعيات بالإخطار وليس بالترخيص، ومواد العقوبات السالبة للحريات سواء بالحبس أو تغليظ الغرامات المالية”.

وتابع: “نُطالب أيضاً بتخفيض رسوم تأسيس الجمعيات الأهلية المحلية، التي تبلغ 50 ألف جنيه (حوالي 3 آلاف دولار)، ورسوم طلب التصريح للمنظمات الدولية، والذي يبلغ 300 ألف جنيه (حوالي 17 ألف دولار)، لأنها مؤسسات غير هادفة للربح وليست شركات”.

وأشار أبو سعدة، إلى أن “التشريع الحالي يفرض قيوداً مضاعفة على تلقي التمويلات الأجنبية، ما يعطل العمل التنموي والحقوقي في البلاد، ومن ثم قدم الحقوقيون تعديلاً بشأنه”.

 

ميزان مختل

بدوره، اشترط زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، في عموده الأسبوعي بصحيفة “الشروق” (خاصة)، إنهاء ما أسماه بـ”حالة التربص والعداء حيال المجتمع المدني”، لحدوث انفراج حقيقي في مجال العمل الأهلي بمصر.

وقال بهاء الدين، إن “قانون الجمعيات الحالي عطل النشاط الأهلي وأضر بالبلد وأساء لمصر دولياً، وتعديل القانون الحالي فرصة لضبط هذا الميزان المختل، من خلال توازن جديد يحفظ للدولة حقها في الإشراف والرقابة ويمنح العمل الأهلي المساحة والحرية”.

كما دعا إلى “التخفيف من القيود الإجرائية الثقيلة والبيروقراطية المحيطة بكل إجراء أو تعديل تجريه المنظمات الأهلية، وإطلاق يديها في تلقي التبرعات من الأشخاص والشركات المصريين، لقيام المجتمع المدني بدوره التنموي دون اعتماد مستمر على المصادر الخارجية”.

وأكد بهاء الدين أهمية “تشجيع المنظمات الإقليمية والدولية على مزاولة أنشطتها التنموية؛ خاصة وأن بعض تلك المنظمات قد تركت البلاد في السنوات الأخيرة، أو جمدت نشاطها بسبب القانون الحالي، واتجهت بمواردها وخبراتها لبلدان مجاورة استحوذت على نصيب مصر”.

كما أوصى بـ”مراجعة باب العقوبات والحد من قائمة الجرائم التي يشملها، لأن الأصل في العمل الأهلي أنه تطوعي وخيري، وبالتالي يحتاج تشجيعاً ومساندة من الدولة وليس إثارة الفزع بكثرة النصوص العقابية وغموض معانيها وعدم توازن العقوبة مع المخالفة”.

 

قانون أسقط نائباً

وباتهام مفاده “تسريب مسودة مشروع قانون الجمعيات الأهلية الحالي (قبل صدوره) إلى السفارات والجهات الأجنبية”، أسقط مجلس النواب المصري (البرلمان) بأغلبية أعضائه، في فبراير/ شباط 2017، عضوية النائب السابق محمد أنور السادات المعروف بانتقاده لأداء الحكومة.

وكان محمد أنور السادات، المرشح السابق لرئاسيات مصر، ونجل شقيق الرئيس المصري الراحل أنور السادات، دائم الانتقاد لمشروع قانون الجمعيات الأهلية الحالي قبل إسقاط عضويته من البرلمان.

ودفع القرار الرئاسي الأخير بتعديل القانون، رموزاً شبابية معارضة في مصر إلى تدوين تغريدات على موقع “تويتر”، يدعون فيها البرلمان إلى الاعتذار للسادات وإعادته مجدداً.

وقالت الناشطة السياسية، إسراء عبد الفتاح، على حسابها بموقع “تويتر”: “ألا يجب أن يكون هناك اعتذار أو حتى إبداء ندم من البرلمان عما بدر من ادعاءات تجاه النائب السابق محمد أنور السادات بشأن قانون الجمعيات الأهلية”.

فيما كتب الصحافي الشاب، محمد صلاح، على حسابه بموقع “تويتر”، تغريدة قال فيها: “أعتقد بعد تصريحات السيسي عن تعديل قانون الجمعيات الأهلية، البرلمان أصبح مدين بالاعتذار للنائب السادات، الذي تعرّض لهجوم كبير بسبب إصراره على عدم صلاحية القانون”.

وكتب حساب باسم، علي عادل أبو عوف، “أقل تقدير للنائب محمد أنور السادات، أنه يبقى (يصبح) رئيس لجنة تعديل قانون الجمعيات الأهلية”.

ومؤخراً، أصدر أنور السادات، بياناً، تساءل فيه عن الكيفية التي سوف يتم بها إجراء الحوار المجتمعي حول قانون الجمعيات الأهلية؛ داعياً إلى ضرورة إجراء حوار مجتمعي تُعرض نتائجه على الرأي العام في مصر.

وتتعرّض مصر لانتقادات من جهات محلية ودولية بسبب الوضع الحقوقي بها، وهو ما اعتادت أن تنفيه السلطات المصرية، مؤكدة أنها “تدعم حرية التعبير عن الرأي، والمؤسسات الحقوقية واستقلال القضاء”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية