ساراماغو في ذكرى ميلاده الـ 96 .. من صانع أقفال إلى منصة نوبل

مدريد ـ «القدس العربي»: تصادف يوم السادس عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري الذكرى 96 لميلاد الكاتب والروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي يعتبره النقاد ظاهرة فريدة قد لا تتكرر في عالم الأدب، ذلك أنه كان عليه تخطي العديد من العقبات والصعوبات الجمة منذ ولادته في أسرة مُعوزة كانت تعاني من سوء الأحوال المالية، ما دفعه للعمل منذ صغر سنه في عدة مِهن متواضعة، حيث كان عاملاً في مصنعٍ للأقفال، وفي ورشٍ للميكانيكا، إلا أنه مع ذلك لم يهجر حبه الجامح للقراءة وشغفه الكبير بالكتب، والعلم والإطلاع.

وُلد خوسيه ساراماغو في 16 نوفمبر 1922 في بلدة ازيناغا البرتغالية الصغيرة من أبٍ وجد مزارعيْن، وانتقلت الأسرة بعد ذلك للإقامة في لشبونة، ولم يكن عمر ساراماغو يتجاوز العامين، ورحل ساراماغو عن عالمنا في 18 يونيو/حزيران 2010 في جزيرة «لانثاروتي» الكنارية بعد صراعٍ مرير مع مرض سرطان الدم عن عمر يناهز 87 عاماً.

«البصِيرة» ورياح التغيير

في إحدى روايات خوسيه ساراماغو التي نُشرت عام 2004 التي تحملُ عنوان «البصيرة» أو «بحث في الصفاء» استقرأ الكاتب حسب تصريح أرملته الكاتبة، والمُترجِمة الإسبانية بِيلاَرْ دِيلْ رِييو إرهاصات رياح التغييرات التي كانت قد هبت، والثورات التي اندلعت في بعض البلدان العربية في السنوات الأخيرة.
ويندرج حَدْس الروائي البرتغالي في مجال رصد تنبؤات واستقراءات مُستقبلية لبعض الكتاب، والمفكرين، والمبدعين من العرب ومن الغربيين على حد سواء (من بينهم المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة) بخصوص ما عُرف أو أُطلق عليه بـ«الربيع االعربي» الذي سرعان ما أضحىَ في عُرْف ونظر الكثيرين خريفاً شاحباً، حزيناً، كئيباً، وفي بعض الحالات مُخيباً للآمال، ويجدر بنا والحـــالة هـــذه أن نَسْتحْضِر، أو نُذكر في هذا السياق بما كانت قد صرحتْ به أرملة ساراماجو الحاصل على جائـــزة نوبل في الآداب عام 1998، حيث قالت: «إن زوجها كان قد تنبأ بالفعــــل بهذه الأحداث التي شهدتها المنطـــقة العـــربية في روايته المشار إليها أعلاه، التي تندرج ضمن ثلاثية تغـــوص بمهارة إبداعية فائقة في أعماق الهوية البشـــرية، منها «مقال حول العمىَ» في 1995 وهو الكتاب الأول، التي استكملها بـ«كل الأسماء» فـــي 1998 وهو الكتـــاب الثاني، وأخيراً الثالث وهو «مقال حول الصفاء» أو «البصيرة» في 2004.
تشير بيلار ديل رييو إلى أن الرواية تروي لنا حكاية شعب قرر بالاجماع مقاطعة الانتخابات في البلاد، ما أشاع نوعاً من الهلع والرعب، والتخوفات لدى المسؤولين، حيث اعْتُبِر هذا التصرف بمثابة شكلٍ من أشكال التحدي، والمواجهة والعِصيان، أو إعلان، أو أمارات، أو إرهاصات تُنذر بقرب قيام الشعب بتمرد عام على السلطة الحاكمة. كما أن هناك فقرة تشير إلى ما مفاده ومعناه، أن المواطنين يظلون معتصمين لعدة أيام في الساحة الرئيسية، أو الميدان الكبير للمدينة، حيث يتمكنون بالفعل تحت ضغط المظاهرات، والاحتجاجات المتواصلة من الإطاحة بالحاكم المُستبد – كما تصفه الرواية – وعندما ينتهي كل شيء، ويعود المتظاهرون إلى أعمالهم الاعتيادية، ومزاولة نشاطاتهم اليومية، يقررون في ما بعد تنظيم أنفسهم ويبدأون – قبل كل شيء- بتنظيف المكان الذي كانوا مُعتصمين فيه خلال الاحتجاجات». وتشير أرملة ساراماغو إلى أن ذلك ما حدث بالضبط أو ما يشبهه إلى حد بعيد في مصرَ، وفي بعض البلدان العربية الأخرى من العالم العربي، التي كانت قد طالتها رياحُ الغضب، وهبت عليها أعاصيرالتغيير.

كان ساراماغو يعرف أنه لم تكن هناك أزمة اقتصادية حادة إبانئذٍ اجتاحت العالم، بقدر ما كانت هناك أزمة أخلاق، وسلوك، ومبادئ، وعليه فإن البشرية سوف تتأخر كثيراً للتخلص من هذه المُعضلات العويصة.

مُثقف عاش عصرَه

وتؤكد هذه الكاتبة الإسبانية، ومترجمة أعمال خوسيه ساراماغو من البرتغالية إلى لغة سيرفانتيس: «أن زوجها لم يكن قارئَ طالع، أو يتنبأ بالمستقبل، بل إنه كان مثقفاً يعيش عصرَه، ويعيه جيداً ويتفاعل مع أحداثه والتطورات التي يشهدها بدون انقطاع، وبالتالي فهو كان دائمَ الانشغال برصد عيوب العالم، ونواقصه بالتأمل، وإعمال النظر بمجرياته» على حد تعبيرها. وتضيف : «أنه كان مثقفاً دائمَ التفكير في كل ما يحيط به ويعايشه، مُمْعْناً النظرَ في العالم، ومتتبعاً لكل ما يعتريه من تغيرات، أو قصور». وتشير في السياق نفسه إلى أن زوجَها: «كان يعرف أنه لم تكن هناك أزمة اقتصادية حادة إبانئذٍ اجتاحت العالم، بقدر ما كانت هناك أزمة أخلاق، وسلوك، ومبادئ، وعليه فإن البشرية سوف تتأخر كثيراً للتخلص من هذه المُعضلات العويصة، والأزمات الحادة التي كانت تعصف بها في ذلك الوقت « حسب منظوره .

مواقف مشرفة ومغالطات

الباحث البرتغالي كَارْلُوسْ رِيياسْ عميد جامعة «أبيرتا» البرتغالية يرى أن ساراماغو، أثار خلال حياته غيرَ قليلٍ من الزوابع والجَدل حول العديد من القضايا المعاصرة سياسيةً كانت، أم أدبية، أو فلسفية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو دينية، وإن كان قد أصاب في بعضها، إلا أن غيرَ قليلٍ منها لم تخلُ من بعض الأباطيل، والمبالغات، والمغالطات، على صفحات الجرائد، والمجلات، والكتب بدون طائل يُذكر. ولعل روايته الشهيرة «العَمىَ» التي نال بها أو عنها «جائزة نوبل في الآداب» قد جعلتِ الأمورَ تدلهم أمام ناظريه، في بعض القضايا الدينية، والمشاغل السياسية المعاصرة على الصعيديْن الأوربي والعالمي». وتجدر الإشارة في الوقت نفسه إلى أن ساراماغو كانت له من جهة أخرى مواقف مشرفة على الصعيد العربي كموقفه الداعم لقضية فلسطين، وانتقاده لإسرائيل بعد الممارسات المبالغ فيها التى قامت بها ضد الفلسطينيين العزل والتنكيل بهم في العديد من المناسبات، وكان ساراماغو قد قام عام 2002 بزيارة لرام الله متضامناً مع الفلسطينيين أثناء الحصار الذي فرضته إسرائيل عليهم بعد انتفاضة الأقصىَ آنذاك، والتقى فيها بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسرعرفات، حيث هاجمته الصهيونية العالمية، ونكلت به، وطالته حِرَابُها، بعد تصريحاته المُنتقدة لإسرائيل، كما أنه لم يكن يتفهم مطالبَ المغرب المشروعة في استكمال وحدته الترابية واسترجاع أقاليمه الجنوبية في الصحراء، وكان عضواً فاعلاً في الحزب الشيوعي البرتغالي، كما أنه كان ناشطاً في مجال حقوق الإنسان، وندد بغزو العراق، وسواها من المواقف الأخرى التي عبر فيها عن التزامه كمثقف يعيش عصرَه ويتفاعل معه.

لحب هو حصننا الوحيد أمام الموت وهو عملية طبيعية جداً، إنه نوع من التلقائية على وجه التقريب، أن أدخل إلى عالم اللاشيء وأن أتحلل هناك.

إلى جزر الكناري

يؤكد الباحث كَارْلُوسْ رِيياسْ من جهة أخرى على أنه عندما صدرتْ رواية ساراماغو «الإنجيل حسب يسوع المسيح» عام 1991 أثارت ضجة كبيرة، انقلبت إلى نقمة عارمة عليه، إذ يوجه فيها الكاتبُ انتقاداتٍ لاذعة للكنيسة الكاثوليكية، ما حدا به إلى التفكير في الاغتراب والهجرة بصفة نهائية من بلاده، خاصة بعد أن قامت الحكومة البرتغالية بحجز كتابه، واتهام رجال الدين في البرتغال وفي الفاتيكان له بالإساءة والمساس بالتراث الديني والروحي للبرتغاليين، ومنذ مغادرته البرتغال 1998 بدأ يُبدي نوعاً من الافتخار والتباهي بأصوله الأمازيغية – حسب رأيه – إذ كان يقول في مختلف المناسبات أن أجدادَه ينحدرون من شمال إفريقيا، وذلك – حسب رواية الباحث الآنف الذكر- وعند مغادرته لبلده انتقل ساراماغو للعيش في جزيرة «لانثاروتي» في جزر الكناري، واستقر فيها بشكل دائم حتى آخر أيام حياته مولياً ظهرَه للغرب، ومُعانِقاً هذه الجزيرة الكنارية الضائعة في غياهب بحرالظلمات، والغارقة في متاهات المحيط الأطلسي.

الحب حصننا الوحيد أمام الموت

وخلال لقاء أجرته معه وكالة الأنباء الإسبانبة «إيفي» قبيل رحيله، جاءت بعضَ أقوال ومأثورات ساراماغو منها: «لقد آن الأوان للعواء، لأننا إذا انسقنا خلف القوى التي تهيمن عليـــنا فمن الممكن القول إننا نستحق ما يحدث لنا». وقال عن الموت الذي كان يشعر بأنه بدأ يدنو منه بعد أن استفحل فيه المرض العضال، الذي كان ينهش جسمَه: «الحب هو حصننا الوحيد أمام الموت وهو عملية طبيعية جداً، إنه نوع من التلقائية على وجه التقريب، أن أدخل إلى عالم اللاشيء وأن أتحلل هناك».
وكان ساراماغو أديباً صادقاً في مشاعره، ومفكراً صريحاً في مزاجه، جريئاً في تصريحاته، كان يقول في هذا القبيل: «أنا أقول كل ما يخطر على بالي في كل حين، فإذا كان وقعُه أمراً طيباً على الناس فهذا شيء حَسَن جداً، وإذا لم ينل رضاهم، فأيضاً تشرفنا». وبعد أن جاءه خبرُ فوزه بجائزة نوبل في الآداب العالمية قال: «أتذكر أنني أحسستُ عندئذٍ بعزلةٍ تامة، وقلتُ مع نفسي حسناً لقد فزتُ بنوبل، ولكنني سرعان ما تساءلتُ بعد ذلك وماذا بعد؟!، إنني أعرف جيداً أنها جائزة رفيعة إلا أنني أعلم كذلك أنني أعيش في كوكب صغير، داخل نظام شمسي صغير، وفي واحدة من أصغر المجرات في الكوْن الذي يحتوي على ما ينيف على 5 مليار مجرة، ومع ذلك هذا لا يعني ذلك أنني لم أشعر بالسعادة عند حصولي على هذه الجائزة». كان يقول: «لديّ طابع مزاجي كئيب، أنا إنسان لا أضحك بسهولة ولا تسمع مني قهقهة وإذا حدث ذلك فلن أصدق نفسي أنها صادرة عني». «يقولون إنني إنسان واجم لا أبتسم إلا بالكاد، أنا أبتسم فقط عندما يكون هناك داعٍ حقيقي لذلك». «أنا مجرد كاتب يقوم من خلال كتاباته برفع حجرة وجذب الانتباه إلى ما هو موجود أسفلها، وليس لي أي ذنب إذا خرجتْ من تحتها وحوش من حين لآخر».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية