قصة علاقات إفريقيا ـ إسرائيل هي في أساسها قصة خيانة وإهمال. خيانة من جانب الأفارقة، وإهمال من جانب إسرائيل ـ التي وجدت صعوبة في أن تغفر للأفارقة خيانتهم وتعاطت مع إفريقيا كـ «قارة ضائعة». ففي السنوات الأولى لدولة إسرائيل تطورت العلاقات مع دول إفريقيا، بما في ذلك تشاد. فقد رأت العديد من الأمم في «القارة السوداء»، التي قاتلت في سبيل استقلالها من سيطرة القوى العظمى الاستعمارية، رأت في إسرائيل، في كفاحها الناجح ضد البريطانيين والعرب وفي إنجازاتها ـ ولا سيما في مجال الزراعة، وكذا في المستوى العسكري ـ مصدر الهام، وبحثت عن الاقتراب من إسرائيل كي تتعلم منها. بل إن أربع دول إفريقية كانت لها سفارات في القدس.
أما إسرائيل، من جهتها، فقد رأت في إفريقيا فرصة لتحطيم الحصار السياسي ـ الاقتصادي الذي فرضته عليها الدول العربية فور قيامها، فأقامت شبكة علاقات متفرعة للغاية، خدمت الطرفين.
واستمرت قصة الغرام هذه حتى بداية السبعينيات، حتى اكتشفت الدول العربية قوة سلاح النفط الذي تحت تصرفها، والكثير من دول إفريقيا هجرت إسرائيل تحت الضغوط الهائلة التي مارسها العرب، الذين وعدوا بالمساعدات المالية السخية. في حالة تشاد، أعطت الضغوط ثمارها حتى قبل نشوب حرب يوم الغفران ـ النقطة الزمنية التي قررت فيها العديد من الدول الإفريقية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.
في حالة تشاد، تلك الدولة في وسط إفريقيا والتي معظم سكانها مسلمون وتجاور ليبيا، أدت دوراً مركزياً في إدارة الظهر لإسرائيل. معمر القذافي الذي اتخذ سياسة نشطة مناهضة لإسرائيل، تعاطى مع تشاد على مدى سنين طويلة كساحته الخلفية وكمركز لتثبيت توسع ليبيا في أرجاء إفريقيا، في ظل استغلال التوترات الداخلية بين الجماعات العرقية والدينية في الدولة. زيارة الرئيس إدريس دابي إلى إسرائيل وإعادة إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين ستشكل ذروة مغازلة طويلة من جانب إسرائيل لتشاد، التي لها أهمية كبيرة ليس لموقعها في قلب إفريقيا فحسب، بل ولكونها دولة ذات أغلبية إسلامية.
لقد ارتفع تجديد العلاقات الدبلوماسية إلى جدول الأعمال قبل عقد، ولكنه شطب عن جدول الأعمال بسبب الضغوط من دولتين عربيتين مناهضتين لإسرائيل بجوار تشاد، هما ليبيا والسودان. أما إنضاج الخطوة الهامة لمستقبل علاقات إسرائيل مع إفريقيا إسلامية، فقد أتيح بفضل سقوط نظام القذافي وغرق ليبيا في حرب أهلية والاعتدال البطيء للنظام في السودان، ضمن أمور أخرى بتأثير السعودية وإمارات الخليج. من غير المستبعد أنه بعد أن تعيد تشاد دولاب علاقاتها مع إسرائيل إلى الوراء، فإن المزيد من الدول الإفريقية ذات الأغلبية الإسلامية ستسير في أعقابها.
إن العودة المباركة لإسرائيل إلى إفريقيا تتاح بفضل أن إسرائيل تخرج نفسها من العزلة السياسية التي فرضتها على نفسها على مدى فترة طويلة جداً. ينبغي قول الأمور كما هي: إسرائيل تبنت سياسة خارجية سلبية، تركزت على مناطق مريحة تضمنت أساساً الولايات المتحدة وأوروبا. أما التغيير الإيجابي في مكانة إسرائيل الدولية في السنوات الأخيرة، والذي يجري على نحو منقطع عن التقدم في «المسيرة السلمية»، فقد استوعب في العواصم الإفريقية أيضاً. ومثلما في الماضي، يمكن لإسرائيل أن تعطي الكثير جداً لإفريقيا. ولدى إفريقيا الكثير مما تعرضه على إسرائيل.
إن ضعف العالم العربي والدبلوماسية الإسرائيلية النشطة تفتح أمام إسرائيل آفاقاً واسعة في إفريقيا، بما في ذلك التعاون الأوسع مع دول أوروبا التي فهمت أخيراً أن عليها أن تساعد إفريقيا لحل مشاكلها في إفريقيا منعاً لإغراق أوروبا بملايين المهاجرين من «القارة السوداء».
الداد باك
إسرائيل اليوم 26/11/2018