ما جدوى العقوبات الأمريكية على إيران

حجم الخط
0

بدأت المرحلة الثانية في فرض العقوبات الأمريكية على إيران في بداية تشرين الثاني 2018 عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب عن «العقوبات الأكبر في التاريخ تخرج إلى حيز التنفيذ». في أيار 2018 أعلنت إدارة ترامب عن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الذي كانت وقعته إدارة أوباما قبل ثلاث سنوات من ذلك، وفي شهر آب من هذه السنة بدأت مرحلة فرض العقوبات الأولى. في إطارها حظر بيع الدولارات في المنظومة الدولية لإيران وللشركات الإيرانية، وشراء وبيع الريال الإيراني خارج حدود إيران وبيع الذهب والمعادن الثمينة لإيران. كما فرضت محظورات على بيع الطائرات المدنية والسيارات للشركات الإيرانية.
أما المرحلة الحالية من العقوبات فتستهدف المس بسوق النفط، مصدر الدخل الأساس لإيران (المداخيل من النفط شكلت نحو 70 في المئة من مداخيل الدولة في 2017). في شهر حزيران الماضي قال نائب وزير النفط الإيراني، حبيب الله بطراف، إن مداخيل الإدارة الإيرانية من النفط في السنة الميلادية 2017 بلغت 50 مليار دولار. أما العقوبات الحالية فتستهدف المس بهذه المداخيل، والولايات المتحدة تحظر البيع أو الشراء من شركات النفط الإيرانية لكل منتج يتعلق بالنفط. إضافة إلى ذلك، فإن الجولة الحالية تتضمن حظر التحويلات المالية الدولية للبنوك الإيرانية وقطعها عن منظومة التسديد العالمية، وعقوبات أخرى فرضت في مجال الطيران والبنوك والإرساليات البحرية، وإعادة القوائم السوداء لأكثر من 700 هيئة وشخصية. ومقارنة بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران خلال 2012 و 2015، فإن مزيداً من الهيئات الإيرانية ستكون تحت العقوبات الأمريكية أكثر مما كانت في الماضي: 700 مقارنة بـ 400، إضافة إلى أن العقوبات تنطبق على مزيد من المنتجات التي لم تذكر في العقوبات في عهد اوباما.
في أعقاب الانسحاب من الاتفاق النووي وتطبيق الجولة الثانية من العقوبات ثار تخوف في العالم من أن العقوبات ستشكل سهماً مرتداً على الولايات المتحدة، إذ إنها ستجد تعبيراً في ارتفاع أسعار النفط.
في هذه النقطة أيضاً، فإن التشبيه للعقوبات التي فرضتها إدارة اوباما يكون واجباً. فسعر النفط في تلك السنوات كان أكثر من 100 دولار للبرميل. ففرض العقوبات على إيران لم يكد يؤثر على سعر النفط العالي في تلك السنوات. فضلاً عن ذلك، ففي حينه بالذات طرأ انخفاض دراماتيكي في سعر النفط العالمي، وذلك بسبب العوامل التي لم تكن ترتبط على الإطلاق بمسألة إيران، بما في ذلك الإبطاء النسبي في الصين، وبالطبع التكنولوجيات الأمريكية الجديدة لإنتاج النفط. كما أن الاتفاق النووي الذي تبلور في العام 2015 أعطى سبباً آخر لانخفاض الأسعار. فسوق النفط في العالم اليوم يختلف بشكل كبير عما كان في عهد اوباما.
حتى الانسحاب من الاتفاق النووي، شكل النفط الإيراني بالإجمال 5 في المئة من كل إنتاج وتصدير للنفط في العالم. يوجد هذا المعطى في ميل انخفاض دائم من لحظة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. اليوم، من ناحية التصدير ومن ناحية الإنتاج أيضاً، فإن النفط الإيراني أقل أهمية في العالم مما كان في العام 2012، كون العقوبات تأتي في مناخ اقتصادي مختلف جوهرياً عن ذاك في العام 2012. فعرض النفط في العالم هو الأعلى من أي وقت مضى بفضل تكنولوجيات متطورة وبفضل العروض الأمريكية الأكبر مما كانت في الماضي. ففي العالم ينتج اليوم أكثر من 100 مليون برميل نفط كل يوم، ما يقلل تأثير النفط الإيراني. كما أن الإبطاء النسبي في الأسواق النامية بشكل عام وفي الصين بشكل خاص أدى إلى انخفاض ما في الطلب. إضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة تعمل بالشراكة مع السعودية، وقبل بضعة أشهر فقط طلبت منها أن تنتج أكثر كي تكمل النواقص من النفط الإيراني. وفي تشرين الأول الماضي أنتجت السعودية 10.7 مليون برميل في اليوم، وهو ارتفاع بأكثر من نصف مليون برميل منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي.
وقال وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، إن إمكانية إنتاج النفط السعودية يمكن أن تصل إلى 12 مليون برميل في اليوم. ويحتمل أن يكون تورط الحكم السعودي في قضية قتل الصحافي جمال خاشقجي في تشرين الأول شجع هو الآخر الاستجابة السعودية لطلب الإدارة الأمريكية التدخل في سعر النفط العالمي (رغم أن السعودية تدعي بأن سعراً أقل هو ليس لمصلحة السعودية، وأنهم سينظرون في إمكانية تقليصات في الإنتاج). كما أن الولايات المتحدة وروسيا تنتجان اليوم أكثر مما في الماضي، وفي شهر تشرين الأول سجلتا رقماً قياسياً يبلغ 11.3 مليون برميل في اليوم. وعليه فليس مفاجئاً أن سعر النفط اليوم أدنى من سعر النفط في زمن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في شهر أيار (75 دولار للبرميل)، وهو أدنى بشكل كبير عن السعر المتوسط للبرميل في العام 2012 (112 دولاراً للبرميل).
في مثل هذا المناخ، يبدو أن القدرة الأمريكية على تعويض النفط الإيراني قائمة. فقد صرح الرئيس ترامب بأن هدفه هو الوصول إلى صفر تصدير نفط من إيران. والسؤال الكبير هو هل ستتمكن الولايات المتحدة من وقف تصدير النفط الإيراني. أولاً، إن الإعفاء «المؤقت» الذي منحه البيت الأبيض لثماني دول ـ الهند، تركيا، الصين، اليابأن، تايوان، كوريا الجنوبية، ايطاليا واليونان ـ سيؤدي إلى أن يبقى تصدير النفط الإيراني على الأقل في مستوى مليون برميل في اليوم. ثانياً، الإيرانيون مقتنعون بأن بوسعهم مواصلة تصدير النفط. ففي اليوم الذي بدأت فيه الجولة الثانية من العقوبات، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني بأنه «اليوم يمكن لإيران أن تبيع نفطها وهي ستبيعه في أرجاء العالم». هذه الكلمات لروحاني ليست فارغة من المضمون ويبدو أنها تعتمد على سوابق الماضي، وقد نجحت فيها إيران أن تجاوز العقوبات. وفي شهر تشرين الأول من هذا العام استخدمت حيلتين طبقهما النظام لبيع النفط في 2012 ـ 2015. الأولى هي التهريب والبيع من تحت الرادار. في هذا الإطار يعتم البث على ناقلات النفط الإيرانية بحيث يكون من الصعب ملاحظتها؛ طريقة ثانية هي التهريب البري إلى الدول المجاورة ـ تركيا، والباكستان، وأفغانستان، وبالطبع روسيا. هناك شبكات تهريب روسية تساعد على نقل إرساليات النفط من إيران إلى سوريا. وهذا النقل للنفط يساعد إيران، ضمن أمور أخرى، على تمويل نشاط حزب الله وحماس.
إضافة إلى ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تجاوز العقوبات في المجال المالي من خلال بناء مسار دفعات تتجاوز العقوبات، وذلك من أجل السماح للشركات الأوروبية التي ترغب في ذلك أن تواصل الأعمال التجارية مع إيران. هذا المسار لا ينطبق على الشركات الكبرى التي خرجت من إيران بما فيها البنوك الكبرى، وأهميته هي سياسية أولاً، وقبل كل شيء كجزء من المساعي الأوروبية لضمان بقاء إيران في الاتفاق النووي. والتقدير السائد هو أن هذا المسار أيضاً الذي واجه بناؤه مصاعب في ضوء رفض الدول المختلفة استضافته في نطاقها، لن يعيد هذ الشركات إلى علاقات اقتصادية مع الشركات الإيرانية.
تقاس نجاعة العقوبات بقدر كبير بحجم المداخيل الإيرانية من النفط. وهذا بالفعل يتعلق بالقدرة الأمريكية على حمل حجم تصدير النفط الإيراني ليصل إلى «مستوى صفري» والإبقاء على أسعار نفط معقولة، وذلك بخلاف التوقعات الإيرانية. يذكر في هذا السياق تصريح نائب الرئيس الإيراني، إسحق جهنجيري، في 16 تشرين الأول، بأن ارتفاع أسعار النفط سيعوض الانخفاض في حجم التصدير. يبدو أن الخطوات الأخيرة للإدارة الأمريكية تشير إلى تداخل العنصرين ـ الكمية والسعر. فمن جهة، تعمل الإدارة على التقليص التدريجي لاستيراد النفط الإيراني من الدول الثانية المستهلكة الكبرى، ومن جهة أخرى تشجع منتجات أخرى للنفط (السعودية، روسيا والولايات المتحدة أساسا) على زيادة إنتاجها. وسيسمح التغيير التدريجي لإيران بإعادة النظر في موقفها بالنسبة للمفاوضات المتجددة قبل توثيق العقوبات.
كما أن النجاح الاقتصادي للعقوبات لا يضمن أن يحدث تغييراً في السياسة الإيرانية، التي تقدر قيادتها بأن إدارة ترامب معنية بتغيير النظام في طهران وأن نيتها لا تتجه إلى حل وسط جديد. يذكر أن إيران صمدت في الماضي في وجه ضغوط شديدة جداً دون التنازل عن عناصر جوهرية في سياستها، وهي دولة جربت العقوبات ونجحت في تجاوزها. فضلاً عن ذلك، وفي أعقاب الاتفاق النووي ورفع العقوبات في 2016، ارتفعت أرصدة العملة الصعبة لدى إيران إلى 100 مليار دولار، وستساعدها هذه على البقاء اقتصادياً حتى بعد انتهاء الإعفاء المؤقت من تنفيذ العقوبات، والذي قدمته الولايات المتحدة لثماني دول. إضافة إلى ذلك، ليس مؤكداً إن كانت هذه الدول ستتعاون مع الإدارة الأمريكية وتتوقف عن استيراد النفط من إيران. من هنا فإن طريق إيران إلى «الدمار الاقتصادي»، كما وعد الرئيس ترامب، بعيدة جداً.

ساسون حداد وتومر فيدلون
نظرة عليا 26/11/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية