“القدس العربي”: لا يزال مستقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كوريث محتمل للعرش، حديث المدينة في المملكة، وإن حُماته لا يمكنهم القطع بشأن مصيره، على الرغم من أنه يحظى بدعم من والده الملك سلمان بن عبد العزيز ومن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وذكر تقرير لوكالة بلومبيرغ للأنباء، أن دبلوماسيين، سعوديين وأجانب، يعملون في السعودية، يطرحون في أحاديثهم سؤالين: الأول عما إذا كان الأمير محمد سيبقى الخليفة المنتظر للملك سلمان، وإذا كانت الإجابة لا، فما الذي سيحدث للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي يقودها؟
وأوضح اثنان من مراسلي الوكالة في الرياض أن من العسير معرفة الكيفية التي ينظر إليها كبار أفراد العائلة المالكة وشيوخ القبائل وأجهزة الأمن لمحمد بن سلمان، بعد سلسلة تصرفاته “الخرقاء” في الخارج وقمعه معارضيه في الداخل، مشيرة إلى أنه ربما ستكون هناك تداعيات جراء تهميشه لخصومه من أمراء آل سعود، في سعيه لإحكام قبضته على السلطة.
وأدى مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي إلى تغيير قواعد اللعبة، سواء كان محمد بن سلمان هو من أمر بذلك أم لا، بحسب كمران بخاري الخبير في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية بمعهد التنمية المهنية التابع لجامعة أوتاوا.
وقال بخاري لوكالة بلومبيرغ إن جريمة الاغتيال تلك “قلبت حياة بن سلمان رأسا على عقب، إذ تبدلت الأمور من وعد بمسيرة مهنية طويلة إلى مستقبل لا يدري ما يخبئه له فيه القدر، وإلى غموض يكتنف فرصه لحكم البلاد”.
وأضاف أن جريمة الاغتيال ستظل “وصمة عار” في جبينه تعيقه عن تنفيذ الكثير من الأعمال.
جريمة اغتيال جمال خاشقجي ستظل “وصمة عار” في جبين محمد بن سلمان تعيقه عن تنفيذ الكثير من الأعمال
وبحسب وكالة بلومبيرغ، سوّق ولي العهد نفسه إلى الغرب باعتبار أنه الأمير الشاب “الجريء” الذي يريد تحديث المملكة والتصدي للتطرف الإسلامي، والرجل الذي يجسد روح السعودية الجديدة. أما خطته لبيع حصة من شركة النفط العربية السعودية (أرامكو) فقد جعلته “محبوب” الصيارفة الدوليين.
ثمة مؤشرات أظهرت بالفعل أن محمد بن سلمان ليس أمامه مجال كبير للمناورة، فما إن أعلن ترامب الثلاثاء الماضي أن الولايات المتحدة لن تدع جريمة اغتيال خاشقجي تقوّض علاقات بلاده مع المملكة، حتى وصلت أسعار النفط إلى خمسين دولارا للبرميل.
ولعل هذا التراجع قد يكون فألاً حسناً لمحمد بن سلمان الساعي لإعادة الاعتبار لنفسه، لكن من شأن ذلك أن يحد من النمو البطيء أصلا للاقتصاد السعودي.
وقد شكر الرئيس الأمريكي المملكة على دورها في خفض أسعار النفط، وحثها على إجراء مزيد من التخفيض.
و لقد كان ترامب واضحا عندما ذكر أن دعمه لولي العهد لن يكون من دون مقابل، وفق بلومبيرغ، وذلك بالرغم من كل الأصوات القوية داخل الكونغرس وتقرير الاستخبارات المركزية (سي آي أي) الذي يحمّل ولي العهد مسؤولية قتل خاشقجي.
وداخليا، انطلق الملك سلمان مؤخرا في جولة هي الأولى له في أنحاء من المملكة منذ اعتلائه العرش في 2015، وكان الهدف المضمر منها إصلاح بعض الضرر الذي لحق بعلاقاته مع المؤسسة الدينية والقبائل وأمراء الأقاليم جراء سياسات ابنه.
وبدأ الملك جولته -التي اصطحب معه فيها ولي عهده- بمحافظة القصيم التي تصفها وكالة “بلومبيرغ” بأنها أكثر المناطق تمسكا بالطابع المحافظ، قاطعا خلالها وعودا بإنفاق ملايين الريالات في مشاريع تنموية في كل محطة من المحطات التي توقف عندها.
ونبهت الوكالة في تقريرها إلى أن الملوك السعوديين درجوا على استغلال المال في تقوية الدعم الشعبي لهم في كل أرجاء البلاد، في “أوقات عدم اليقين”.
وربما يراهن الملك سلمان على أن تعهدات كبار الشيوخ السعوديين بالولاء له قد توفر الحماية لابنه الأمير محمد لفترة طويلة قبل انحسارها.
غير أن هذا الولاء من قبل الأمراء وكبار رجال الدولة والشيوخ ربما لا يكون كافيا، فلولي العهد بعض المنتقدين المتنفذين والأعداء في الولايات المتحدة، من بينهم كبار المشرعين في الكونغرس، وفي أوروبا كذلك التي تنظر إليه بعداء متزايد بسبب حربه في اليمن وسجله في حقوق الإنسان، بحسب بلومبيرغ.
كما أن هناك من يتحدث عن تذمر وسط أفراد العائلة المالكة، وتكهنات بأن أحمد بن عبد العزيز، شقيق الملك سلمان، العائد من لندن قبل أسابيع قليلة، قد يحل محل محمد بن سلمان وليا للعهد.