بغداد ـ ‘اربيل’ ‘ القدس العربي’: شددت قوات الامن العراقية اجراءاتها الامنية الاحترازية حول الكنائس في بغداد وعدد من مدن العراق لحماية المسيحيين المحتفلين بأعياد الميلاد، فيما ستقتصر الاحتفالات على اقامة قداس حدادا على ضحايا كنيسة سيدة النجاة.
وقال المتحدث الرسمي باسم قيادة عمليات بغداد اللواء قاسم عطا إن ‘القوات الامنية في بغداد ومعظم مدن العراق اتخذت اجراءات أمنية خاصة بتأمين الحماية للكنائس أثناء تأدية القداس بمناسبة اعياد الميلاد ورأس السنة’. وأوضح عطا: أنه ‘تم تأمين الحماية بشكل كامل، وذلك بالتنسيق مع ديوان الوقف المسيحي، كما تم نشر مفارز استخباراتي.
وجرى آخر نزوح جماعي للمسيحيين بعد مذبحة الكنيسة الكاثوليكية الكلدانية في وسط بغداد على يد القاعدة في اليوم الاخير من شهر تشرين الاول/اكتوبر والتي خلفت حوالي 60 قتيلا، وبحدود مئة معوق وجالية مرعوبة تتوجس الشر. ومنذ ذلك الحين، والجماعة الإرهابيةَ تستهدف المسيحيين في بيوتهم، بضمنهم أفراد عائلة نجت من هجوم كنيسة سيدة النجاة.
وألغيت مراسم عيد الميلاد في بغداد، إضافة إلى المدن الشمالية الموصل وكركوك مخافة وقوع اعمال عنف اخرى. وفي حينها قال الزعماء الكنسيون انهم لن يعلقوا زينة عيد الميلاد ولن يحتفلوا بقداس منتصف الليل. وأخبروا العوائل بأَنْ لا يقوموا بتزيين بيوتهم مخافة ان تنفذ القاعدة هجمات بعد ان كررت تهديداتها باستهداف المسيحيين في وقت سابق.
ويقول رئيس الوقف المسيحي في العراق عبد الله النوفلي ان ‘اكثر من 80 ‘ من مسيحيي العراق لم يعودوا يذهبون الى الكنائس. ولم تعد هناك مدارس يوم الاحد، ومدارس (خاصة) بتعليم المسيحيين. وحول عيد الميلاد كان القرار ان نقوم بقداس واحد في حين كنا نقوم في السابق بعدة قداديس’. في نفس الوقت بدت كنيسة مار كوركيس القديمة بناقوسها اليدوي بكامل زينتها، وقد ارتدت حلة العيد من الاضواء الملونة، وهناك توافد العشرات من المحتلفين بعيد ميلاد السيد المسيح، وبالقرب من تمثال السيدة مريم العذراء، كانت امرأة توقد الشموع، وتبكي بصمت، وتتمتم بالدعاء ‘اطلب من الرب ان يحفظ الجميع، وان يحفظ اهلي في بغداد’. عائلة سميرة خوشا في بغداد، بقيت هناك، بالرغم من أن محل ابيها استهدف اكثر من مرة، ومع ذلك، وكما تقول فضل والدها ان يبقى في بيته في منطقة الزعفرانية (جنوب شرقي بغداد). وتضيف ‘يقول ابي انه ولد هناك وسيموت هناك، ولن يسمح لاحد بان يخرجه من بيته الذي بناه، ولن يعطي فرصة للذين سولت لهم انفسهم بان يهجروا المسيحيين من بغداد، واذا ما حدث اي شيء، فسيقف المسلمون جيراننا الى جانبنا وهذا عهدنا بهم’. من جهته قال مهند كوركيس (30 عاماً) والذي انتقل حديثا الى ناحية عينكاوة شمالي أربيل، انه اضطر للمجيء بعد معارضته لوقت طويل، لكن حادثة كنيسة سيدة النجاة كانت حدا فاصلا ومؤشراً لما قبلها وما بعدها، على حد قوله.
كانت العائلة قد اكملت شجرة الميلاد، وزينتها بالزهور والكرات الزجاجية الملونة وبالنجوم، ينظر الرجل الى زوجته ويقول ‘صحيح اننا في ايام الاعياد، لكننا لانشعر بالفرح.. كيف يشعر المرء وقد خرج من بيته بدون ارادته’. ويضيف ‘قمنا باستأجار منزل صغير يكفينا انا وزوجتي واولادي الاربعة، ووجدنا هنا الترحيب من قبل الجميع، فالبلدة هنا هادئة وجميلة ونظيفة، لكن يعز علينا مغادرة منطقتنا في بغداد’. مجد هو احد سكنة حي الدورة، وتعرضت هذه المنطقة الى جملة من الاحداث الامنية كان اخرها سقوط صاروخ كاتيوشا وخلّف عشرة اشخاص ضحايا، يعلق على ذلك بالقول ‘شعرت بالرعب على اولادي الصغار، فمثل هذا الحدث يجعلهم عرضة للموت في اية لحظة، خاصة ان الطريق الى مدرستهم ليس قريبا’. من جانبها تقول زوجته سلامة وقد اضاءت شجرة عيد الميلاد جزءاً من وجهها ‘اشعر بالامان هنا، فالاقليم يتمتع بالاستقرار والحمد لله، وعينكاوة ناحية يقطنها المسيحيون، ما جعلني اشعر بعدم الغربة، ومع ذلك فانا اشتاق الى اهلي في بغداد واصدقائي وجيراني من المسلمين’. وتضيف ‘عندما اتينا الى هنا كانت امامنا مشكلة كبيرة، وهي تدبير بيت للسكن، فاضطررنا الى قضاء بضعة ايام في بيت اقرباء زوجي، بعدها واجهتنا مشكلة ارتفاع الايجارات هنا، ووجدنا هذه الشقة بعد عناء طويل’، مستدركة ‘وافق المستأجر على مبلغ 450 دولارا شهريا، ومع ذلك كانت ارخص ما وجدنا’. وتتابع سلامة ‘المصادفة في الامر انه بعد انتقالنا هنا، وجدنا عدة عائلات مسلمة، سبقونا الى هنا قبل عدة سنوات، ووجدنا فيهم الاهل والامان’. وتتساءل وقد بدا الانفعال على وجهها ‘نحن لا نصدق ان المسلمين لا يرغبون بوجودنا في بغداد، لقد عشنا معهم سنوات كثيرة، فقد ولد اباؤنا هناك واجدادنا، وكونوا علاقات يصعب تفكيكها، فهل يعقل ان نكون فئة غير مرغوب بها بين ليلة وضحاها’. محافظة نينوى احتلت المرتبة الثانية من حيث نزوح العوائل المسيحية، ومنهم كانت عائلة توما ميخائيل، ويعمل مصورا فوتوغرافيا، فقد اختار توما ناحية عينكاوه نظرا لان اقاربه يسكنون فيها، وطالما شجعوه على المجيء اليها، يقول عن ذلك ‘بعت محل التصوير الخاص بي وكان استديو كبيرا جدا، واشتريت بمساعدة اقاربي محلا صغيرا جدا في هذه البلدة، نظرا لارتفاع الاسعار في كل شيء’. وأضاف ‘بحثنا عن بيت يناسب حجم عائلتنا الكبير، لكن جهودنا باءت بالفشل بعد رحلة بحث شاقة، واضطررنا اخيرا الى السكن في ناحية بحركة (18 كم شمال اربيل)’. يقول ابنه البكر ساندرو عن ذلك ‘ناحية بحركة تبعد عن اربيل كثيرا، واضطر يوميا الى قطع مسافة طويلة للذهاب الى كليتي وسط المدينة’. وأضاف ‘اجد صعوبة في التآلف مع الواقع الجديد، فلقد ابتعدت عن اصدقائي ومعارفي في الموصل، واحتاج فترة طويلة كي اكون علاقات جديدة’. بينما تقول زوجته امل ‘ذهبت اليوم الى كنيسة مار ايليا في عينكاوة، حيث اقيمت الصلوات احتفاء بعيد ميلاد السيد المسيح ورأس السنة الميلادية، وأوقدت الشموع، وطلبت من الرب سلامة الجميع’. وتضيف ‘نحن مرتاحون هنا، ومع ذلك اشعر بالقلق على اهلي واقاربي واصدقائي هناك في الموصل، وليس من السهل ان اتناسى ما يحيط بهم من خطر’. سمير البدري الذي يقود مؤسسة السلام للاغاثة والتطوير، اظهر الكثير من الحماس والاندفاع في تأمين احتياجات المهاجرين الى منطقة عنكاوة وسط مدينة اربيل، وسط هجوم موجات البرد القارص على شمال العراق وارتفاع حاد في الاسعار والحاجيات والاقامة الامر كاد ان يقضي على امال تجمعهم على محراب الصلوات، يقول البدري: لم تمنعني ديانتي كمسلم من الوقوف مع اخوتي في الدم والارض واخوتي في توحيد الله سبحانه وتعالى ان اقدم المساعدات من اموال واحتياجات، التي تبرع بها الميسورون من ابناء العراق بمختلف انتماءاتهم من اجل تامين حياة كريمة ويقضون هذه الايام العسيرة في تاريخ العراق. ارتفاع اسعار الايجار كان ظاهرة ملحوظة، يكتشفها من يبحث عن منزل صغير للايجار، يحدثنا عن ذلك صاحب احد محلات بيع وشراء العقارات، فيقول ‘في كل يوم نستقبل عشرات العوائل الراغبة في الايجار او الشراء، وبالتأكيد انعكس ذلك على ارتفاع الاسعار’، مبيناً أن ‘المسألة تخضع للعرض والطلب في السوق’.